1

مدرسة الروابي للبنات .. لا للتنمر .. نعم للتمرد!

في الثاني عشر من هذا الشهر أطلّت علينا نتفليكس بإنتاجٍ جديد ناطق بالعربية ألا وهو “مدرسة الروابي للبنات”.

إنه مسلسل صُوِّر في الأردن بطاقم تمثيلٍ أردني، ويناقش بشكل أساسي قضية التنمّر في المدارس، من خلال تعرُّض إحدى طالبات مدرسة الروابي للبنات للتنمّر من قبل مجموعة من زميلاتها. ويتطرق المسلسل كذلك إلى قضايا مثل التحرّش وما يسمى بـ “جرائم الشرف”.

فماذا حمل لنا مسلسل نتفليكس الجديد في ثناياه؟ وهل اقتصرت رسائل المسلسل على هذه القضايا؟ وكيف تم استعراض هذه القضايا يا تُرى؟

بين “جن” و”مدرسة الروابي للبنات”

مسلسل “مدرسة الروابي للبنات” هو ثاني أعمال نتفليكس في الأردن، بعد مسلسل جن الذي صدر قبل عامين. وقد كان حينها محط جدل لعدة أسبابٍ منها ألفاظه السوقية وتصويره لنمط حياة غربي في العاصمة الأردنية عمان. أما من ناحية فنية، فقد كان العمل بقصة ضعيفة للغاية وحبكة غير واضحة مليئة بالفجوات.

فماذا عن “مدرسة الروابي للبنات”؟

على عكس “جن”، فإن مسلسل “مدرسة الروابي للبنات” يقدّم قصة محبوكة ويناقش قضية واضحة، لذا فهو أفضل نسبيًا على المستوى الفني. وقد استفاد “مدرسة الروابي للبنات” من تجربة سلفه فكان خاليًا تقريبًا من أي لفظٍ خارج، مما يزيد من تقبّل العمل عند المشاهد، وهذا يسمح بتوسيع رقعة المشاهدين كمًّا ونوعًا، وبذلك يكون المسلسل أكثر قدرة على إيصال رسائله.

فماذا كانت تلك الرسائل؟

لنعد هنا إلى ريد هاستينغز، الرئيس التنفيذي لنتفليكس ورئيس مجلس إدارتها، حيث أشار –في إحدى اللقاءات قبل عامين- إلى أن صناعة الترفيه تقوم على مشاركة أنماط الحياة (life styles) مع الآخرين. وهذا بالضبط ما قامت به نتفليكس في مسلسل “مدرسة الروابي للبنات” -وفي مسلسل جن قبله-، حيث يُسوَّق التطبيع مع نمط الحياة الغربي في كل فرصة ممكنة، بدءًا من ملابس الشخصيات ومظهرهن إلى طبيعة العلاقات بين الجنسين.

كانت طالبة الثانوية التي ليس لديها “صديق” غريبة بين زميلاتها، ورغم أن المسلسل يدور حول التنمّر إلا أنها الفتاة الوحيدة التي وُصفت بأنها بشعة أو غير جميلة، ويا للمصادفة كانت -في الوقت نفسه- هي الوحيدة المحجّبة بين بطلات المسلسل!

من يا تُرى الذي أشار إلى قلة جمال تلك المحجبة -والمتنمِّرة بالمناسبة-؟ أكنّ زميلاتها اللواتي تتنمر عليهن؟ لا، بل كانت أمها من وصفتها بذلك!

التمرّد على المجتمع!

إن كل تفصيلة في هذا المسلسل ترسم صورة قاتمة عن كل من هم أكبر عمرًا من بطلات المسلسل، بنات “مدرسة الروابي للبنات”. أمٌّ تنعت ابنتها بأنها غير جميلة، وأخرى لا تفهم ابنتها ولا تحترم خصوصيتها ولا تقف بصفها، لدرجة أن البنت تمنّت في لحظة أن تقتل أمها، ومديرة تغطّي على أفعال الطالبة المتنمّرة ابنة المسؤول المهمّ، ومُدرِّسة قديمة الطراز تعترض على كل ما يقوم به أبناء الجيل الجديد. ورجل يتحرّش بطالبة بعمر بناته أو أحفاده، وأبٌ سكير يضرب ابنته. هذا عدا عن الإخوة، والذين تم انتقاؤهم ليكونوا ضخام الجثة خشني الملامح، مزعجون وربما مريبون، وبالطبع لا يحترمون خصوصيات أخواتهم، مع والدٍ يبرر كل تصرّفاتهم.

كلها تفاصيل تجتمع لرسم صورة غاية في البشاعة عن المجتمع عمومًا والذكور خصوصًا. وهذا قد يعطى تبريرًا حتى للتنمّر، فوفق كاتبة العمل ومخرجته فإن التنمّر كان ردة فعل لما تعانيه المتنمّرات في البيئة التي يعيشن فيها. ويذكّر هذا بخطاب المظلومية الذي تستخدمه -بل وترتكز عليه- الحركات النسويّة والأقلّيات.

وعندما تطرّق المسلسل للتحرش ولما يسمى بـ “جرائم الشرف”، عُرضا وكأنهما مجرّد جزء من مكونات تعزز بشاعة المجتمع ككل، بل إنه تم استخدام قضية “جرائم الشرف” للتطبيع مع نمط الحياة الغربي، فصار من الطبيعي أن تذهب المراهقة مع “صديقها” إلى مزرعته النائية الخالية من البشر، وأن يتراشقا الماء في بركة السباحة وغيره، بل هذه هي الجنّة على حد تعبير هذه الفتاة المراهِقة، وتمّ تصوير ذلك على أنه غاية الجمال والرومنسية والنقاء والبراءة!

الخطاب الذي يستخدمه المسلسل باختزال الصورة إلى مجتمع سيئٍ ومراهقات مضطَهدات يعطي لهؤلاء المراهقات المبرّر والدافع للتمرد، خصوصًا أن التمرد هو الطابع العام للمسلسل الذي نعيش أحداثه برفقة بطلته طالبة مدرسة الروابي للبنات والتي تمّ التنمّر عليها، فلم يتعاطف معها أو يتفهّمْها أحد من أفراد المجتمع سواء والدتها أو حتى معالِجَتُها النفسية أو غيرهم، أما الوالد فكان سلبيًا ضعيف الشخصية، ويكتفي بإعداد الطعام للعائلة في مقابل الأم العاملة، في لمحة أخرى من الخطاب النسويّ. فتقرّر هذه الطالبة المضطهَدة خوض رحلة الانتقام برفقة زميلتاها اللتان تم التنمّر عليهما.

ليس من العجيب إذن أن الدعوة للتمرد تصبغ المسلسل ككل، ويتمّ تعزيزها من خلال بعض التفاصيل كالأغاني المستخدمة في الخلفيّة، أغاني شبابٍ كاره للمجتمع، تتلاءم مع أجواء المسلسل، من كلماتها: “هسافر بعيد ولا سلطة تقول لي أعيد وأزيد” و”قوانين بدها تكسير”.

أما ما غنّته صديقتان من بطلات المسلسل فكان من كلماته: “وخالتي التي ترتدي الخمار قالت لي غني براحتك بس حتروحي النار.. بس أنا أبويا ماقلّيش.. فأنا هعمل الصح وأشرب حشيش”!

هذا هو أحدث مسلسلٍ ناطق بالعربية أنتجته لنا نتفليكس، مسلسلٌ بنمط حياة غربي، يصبغ المجتمع بالسواد ويدعو إلى التمرّد، ويوجّه كل هذا إلى من؟ إلى فتياتٍ مراهقات في مرحلة حسّاسة أصلًا من حياتهن، يرسمن خلالها شخصياتهن وتصوراتهن عن الحياة.