1

ما الطريق للتّوازن الاجتماعي؟

أصبحنا اليوم نعيش فوضى اجتماعيّة انعكست سلبًا على نمط حياتنا، ولم نعُد نرى مفهوم الأخوّة والوحدة والتّراحم بين أفراد المُجتمع، بل حلّ مكانه التفكّك والضّعف وطُغيان الأفراد أو الجماعات على بعضهم البعض، كُلٌّ يسعى لفرض فِكره ومبادئِهِ على الطرف الآخر وسحقه من الوُجود. 

إن الأنظمة الاجتماعيّة القائمة اليوم تُمثّل صراعًا بين نقيضَين:

فإمّا الفرد الذّي يقدّس ذاته، وله الحريّة المُطلقة في فعل ما يشاء بدون حدود أو قيود، وله أن يملك كيف ما شاء بدون ضوابط، وله أن يختار طريقة عيشه وميوله وفِكره ومُعتقداته كما يشاء، تحت مُسمّي الحرّية الشّخصيّة المُطلقة، ومع كلّ ذلك فإنه ليس للمُجتمع أن يقول له “هذا خطأ” أو “هذا صواب”، وليس للمُجتمع بأن يُحاول تقويم اعوجاجه أو ردعه، لإيمانه بأن لا وصاية لأحد عليه.

وإمّا النّظم القائمة على المُجتمع، حيث يُصبح لها كيان مُقدّس، ولا قيمة للفرد داخله، وعلى المُنتمين إليه أن يخضعوا لسُلطانه دونما اعتراضٍ أو انتقاد، وليس للفرد –كذلك- أن يقول “هذا خطأ” أو “هذا صواب” إذ بات لسلطة المُجتمع الوصاية في صياغة أفكار وعقائد وتصوّرات أفراده، وجعلهم جميعًا نسخًا من قوالب جاهزة.

وإنّنا لنجِد هذه الأنظمة في صراع داخل مُجتمعاتنا كلّ يدّعي أنّه يملك الحقّ المُطلق، فنتج عن ذلك وجود انقسامات، وتكوّن أطيافٍ مُتعدّدة ومُختلفة، تستوحي أفكارها ومبادئها في الحياة من الأنظمة الغربيّة الغريبة عن مبادئ ديننا والمُناقضة له، فالإسلام هو المنهج الذي جعله الله لنا صراطًا نُقيم به التّوازن بين الفرد والمُجتمع بلا إفراط أو تفريط.

صورة تعبر عن التعارض بين الفردانية والجماعية، والذي يحاول المقال الوصول إلى التوازن الاجتماعي بينهما

النّظام الاجتماعي الفردي
في ظلّ موجة الحداثة التّي تعيشها مُجتمعاتنا المُسلمة، ظَنّ البعض أنّ نهضة مُجتمعه لا يُمكن أن تحدُث إلاّ باتّباع الغرب، وذلك من خلال القطع مع كلّ موروث اجتماعي وفكري، وجعله من التّقاليد البالية، بدون القيام بعمليّة الفرز اللازمة للحفاظ على كلّ ذي قيمة بما يتناسب مع هدي الله والشخصيّة المطولبة من المُسلم.

لقد كانت النتيجة أن أصبحت حياة الأفراد مُرتبطة أكثر فأكثر بالفكر المادي، وأصبح هنالك جفاف في العلاقات، وتحوّلت الرّوابط الاجتماعيّة القائمة على التّعاون والتّعارف والجوار من جملة التّقاليد البائدة، وأصبح كلّ إنسان في المُدن المُعاصرة لا يشعر إلاّ بفرديّته، ولا يرى إلاّ مصلحته، وطغت عليه الأنانيّة.  

من المؤكد أن هذه النّزعة الفرديّة قد نشأت بعيدًا عن مبادئ الإسلام، ممّا أسفر عن غياب التّوازن بين الحقوق والواجبات، وبين الحرّية والالتزام، فأصبح البعض اليوم مُتحلّلاً من الدّين والأخلاق والتّقالي، ومُنسلخًا من إنسانيّته باسم الحريّات الفرديّة، فبدأوا يُنادون بالترويج لأفعال قوم لوط الجنسيّة ونشر البغاء والزّنا ومُختلف أنواع المحرّمات من خمور ومخدّرات.

وبدأت المرأة المُتمتّعة بفرديّتها المطلقة تسعى إلى تحطيم الدّين والأخلاق والتّقاليد، ظنًّا منها أنّهم استُخدموا لإقصائها والتّضييق على دورها داخل المُجتمع بسبب سوء فهم الرّجل للدّين وسوء تطبيقه، حتّى وصل بها الأمر اليوم إلى المطالبة بالمُساواة المُطلقة مع الرّجل في كلّ شيء حتّى في الانحراف والتحلّل والإباحيّة.

يبدو أن ذلك كله خلّف انحلالاً مُدمّرًا داخل مُجتمعاتنا، وأدّى إلى تقطّع روابط المُجتمع والأسرة التّي كان تماسكها مُستمدًّا من قِيَم الإسلام وشريعته، فملامح العلاقات الاجتماعيّة قد تغيّرت وأصبح هنالك غياب لروح الألفة والاستئناس، وأصبحت الأنانيّة والانتهازيّة والنّفاق الاجتماعي والمصلحة الفرديّة هي القيم الطّاغية عندنا، وذلك بعدما انتشرت الأهواء والشهوات بانسلاخنا عن مبادئ ديننا، ولم تعُد روح الأخوّة والأمّة الواحدة جزءًا من العبادات في تفكيرنا الحداثي.

 وكذلك الأسرة التي أصبحت هشّة في نواتها، فقد تحوّل الرّجل إلى آلة عاملة، مُتحلّلاً من مسؤوليّاته من جهة، ومُتّبعًا لأهوائه ومُشبعًا لغرائزه من جهة أخرى، وكذلك انشغلت المرأة بنفسها وعملها ومُنافستها للرّجل ممّا أفقَد الأطفال روابط الحنان والحبّ والمودّة من الوالدين، ورُبّوا على تنشئة غير مُتوازنة، وبالتّالي نشأ جيل جديد في جوّ من الانحراف والانحلال.

يؤكّد على هذا المعنى الفيلسوف الأمريكي ول ديورانت فيقول:” ولما كان زواجهما [الرجل والمرأة في المجتمع الحديث] ليس زواجًا فقط بالمعنى الصحيح -لأنه صلة جنسية لا رباط أبوة- فإنه يفسد لفقدانه الأساس الذي يقوم عليه، ومقومات الحياة، يموت هذا الزواج لانفصاله عن الحياة وعن النوع، وينكمش الزوجان في نفسيهما وحيدين كأنهما قطعتان منفصلتان، وتنتهي الغيرية الموجودة في الحب إلى فردية يبعثها ضغط المساخر” (1).

النّظام الاجتماعي الجماعي
في المُقابل، نرى النّظام الجماعي الذّي لا يعترف بكيان الفرد أو أي قيمة له، حيث يرى أنه يستمدّ وجوده من المُجتمع الذّي يعيش فيه، ومن ثمّ فإن عليه الخضوع لسُلطانه دونما تردّد أو تفكير.  ويُعتبر أصل هذا النّظام مُستمدًّا من الفكر الغربي، حيث يقول الفيلسوف الفرنسي دوركهايم:” إنّ ضروب السّلوك والتّفكير الاجتماعيّة أشياء حقيقيّة توجد خارج ضمائر الأفراد، الذّين يُجبَرون على الخضوع لها في كلّ لحظة من لحظات حياتهم”(2)، فالفرد وفق هذه الرّؤية ليس له استقلاليّة اجتماعيّة، بل عليه القبول بما يجد من عقائد وسلوكيّات وأفكار وأنماط حياة داخل مُجتمعه حتّى إن كانت باطلة وفاسدة.

إميل دوركايم (مصدر الصورة: ويكيبيديا)

من هذا المُنطلق نجد اليوم حكومات تسعى لتحطيم وجود الفرد الذي يختلف معها، فعلى سبيل المثال ما يحدث اليوم للأقليّة المُسلمة من “الأويغور” حيث أدخلت السّلطات الصّينيّة ملايين منهم لمُعتقلات كبيرة بهدف إعادة تأهيلهم وفقًا للرؤية الصّينيّة، وتجريدهم من كلّ مظهر أو مبدأ أو فكر إسلامي، وذلك بهدف محو هويّتهم وإخضاعهم لرؤية الدولة وفكرها.

يتجسّد هذا الفكر أيضًا داخل المُجتمع الفرنسي اتّجاه الأفراد المُسلمين، في مُحاولة لطمس هويّتهم وإخضاعهم عن طريق دعوة الاتّحادات الإسلاميّة؛ بهدف التّوقيع على ميثاق أصدرته الحكومة الفرنسيّة مؤخّرًا ينصّ على اعتناق قيم الجمهوريّة الفرنسيّة، وجعلها مرجعيّة المُسلمين الأولى، حيث يعتبر هذا الميثاق –على سبيل المثال- أي نقد للأفعال الجنسيّة غير الفطريّة أو انتقاد للسامية جريمة جنائيّة، وهنا يجد المُسلم نفسه في صراع داخل المجتمع الذّي يعيش فيه، فإمّا أن يستسلم له ويخضع لتوجّهاته في الحياة ويترك مبادئ دينه، وإمّا أن يسحق كيانه الفردي وتسلب حرّيته في الحياة باتّباع منهج الإقصاء والتّمييز السّلبي ضدّه.

نُلاحظ أيضًا داخل مُجتمعاتنا المُسلمة انتشار هذه النّزعة الجماعيّة، فعندما انتشر الفساد بيننا واعتدنا عليه، أصبحنا نرى كلّ مستمسك بمبادئ دينه، رافض للباطل والانحراف، مُتمرّدًا يسير عكس التيّار، بل أصبح عقبة بالنّسبة للمُجتمع المُتّبع لهواه، وبالتّالي صار يرى نفسه في صراع مع من حوله، ويتحوّل هذا الاختلاف أحيانًا إلى كُره وتنازُعٍ ينعكِسُ سلبًا على العلاقات الاجتماعيّة، وينجم عن ذلك انتشار القطيعة والحقد والاستهزاء والعزلة والتفكّك الاجتماعي.  

الطريق للتّوازن الاجتماعي
يقول العالم الشهير ابن خلدون: “إن المجتمعَ وعمرانَه لا يمكن أن يظهرا إلى الوجود من خلال تفرّق جهود الأفراد وتبعثرها، فالإنسانُ يدركُ بفطرتِه سبلَ عيشِه، ويدرك كذلك ضرورةَ تعاونِه وتماسكِه مع الجماعة، إذ ليس في مقدور كلّ إنسانٍ أن يوفرَ حاجاته لنفسه، إن ذلك يتطلبُ تماسكًا وتعاونًا بين الناس”(3)، فالمجتمع إذًا هو نتيجة اجتماع  عدد كبير من الضمائر الفرديّة، وللفرد داخله قيمته ووزنه وله تأثير في تكوّن هذه الجماعة، ولنا خير نموذج في سيرة رسول الله عليه أفضل الصّلاة والسّلام حيث قام أوّلاً بتربية وتزكية نفوس أصحابه، الذين آمنوا به واتّبعوه، وجمعهم تحت راية الإسلام وشريعته، رغم اختلاف أجناسهم وأعراقهم، فنجحوا ببناء مُجتمع مُتوازن ومُتماسِك، يجد فيه الفرد مرجعيّته الدّينيّة والفكريّة وكرامته الإنسانيّة، فكلٌّ يعرف حدوده، بما عليه من واجبات وما له من حقوق.

إنّ للمُجتمع تأثيره المُباشر على الفرد ويُمكنه إخضاع الفرد له، فإمّا أن يكون مُجتمعًا صالحًا مُتكوّنًا من ضمائر فرديّة صالحة في أغلبها، وفي حالة وجود أفراد مُنحرفين ومخدوعين باتّباع أهوائهم وشهواتهم ولا يُحدثون إلاّ الضّرر أين ما حلّوا، فإنّ من واجبات المُجتمع أن يكفّ أيديهم وينهاهم عن فسادهم، ويسعى لإيقافهم، حتّى لا يسقط الجميع في مُستنقع الضّلال والظّلم، عملاً بقوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، وإمّا أن يكون مُجتمعًا فاسدًا يُمثّله عدد كبير من الأفراد الذين أصابهم مرض الوهن والضّعف الأخلاقي، فيسعون إلى نقل فسادهم وانحرافهم لكلّ فرد  طاهر ما زال فيه صلاح، ويأخذون منه موقف العداء، فإمّا أن يشاركهم في فسادهم، وإمّا أن يتمّ سحقه وطمس كيانه الفردي.

صورة للقرآن والذي يمثل الطريق إلى التوازن الاجتماعي

وللفرد أيضًا نصيب من ذلك، فعندما وُجد الأنبياء ومن بعدهم الدّعاة والمُصلحون -الذّين هم أفراد- وجدوا أنفسهم داخل مُجتمعات عليلة توشك على الهلاك بسبب الفاسد الطاغي فيها، وقفوا بكلّ قوّة يدعون إلى الخير والصّلاح والعدل، وكانوا سببًا في تغيير مجرى التّاريخ وقاموا بواجبهم تجاه مُجتمعاتهم، وهذا ما علّمنا إيّاه رسول الإسلام صلّى الله عليه وسلّم بالحث على بذل النّفس نُصرة للحق وتحدّيًّا للظّلم ولو بالكلمة، فعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ) [أخرجه الحاكم في المستدرَك].

في المُقابل فإنه عندما يصل فرد للسّلطة في مُجتمع صالح، ويغترّ بمنصبه فيستعلي ويتكبّر ويستبدّ، فإنّه سيسعى لفرض فكره وجبروته على المُجتمع، وسيُحدث فيه الفساد، ويُضيّع مصالح العباد؛ لأنّه لا يرى إلاّ نفسه، وسيسعى لتخدير عقول الناس لإبقائهم تحت سيطرته، غافلين عن حقوقهم وحرّيتهم.  

إن المعادلة هنا بسيطة للغاية، فلا وجود للفرد أو للمُجتمع في غياب أحدهما، فهما معًا يُمثّلان الكيان الإنساني، فمرّة يبرز المُجتمع، ومرّة يبرز الفرد بطريقة تفاعليّة مُشتركة نضمن بها وجود توازن بينهما.

إننا بحاجة لهذا المفهوم حتّى نخرج من ضيق الظلم والفساد الذّي أصاب مُجتمعاتنا، فعلى الأفراد أن يكونوا مسؤولين وواعين بدورهم، مُلتزمين بمبادئ دينهم، ساعين للتّغيير والنّهوض والعمل، وكذلك على المُجتمع -ككلّ- أن يعي بواجباته تجاه أفراده، وأن يقطع الطريق في وجه كلّ ظالم مُتكبّر مُستبدّ، وأن يكون أفراده جسدًا واحدًا نصرة للحقّ والعدل.


الهوامش:

(1): جاهليّة القرن العشرين لمحمد قطب، دار الشروق للنشر بتاريخ 1993، ، ص: 156.

(2): نفس المصدر السّابق، ص 160.

(3): جريدة الراية، مقال بعنوان ضوء أخضر.. «نحن» وليس «أنا».. قوّتنا في وَحدتنا للدكتورة لطيفة شاهين النعيمي بتاريخ 25 أكتوبر 2020.