1

لا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء!

لن نحتاج لوقت طويل من التفكير لندرك أن وجه العالم قد تغيّر، وأنه قد عمّ الفساد الأرض بما كسبت أيدي الناس، فلم يتبقَّ سوى ثلة من المسلمين هنا وهناك يسعون لإصلاح ما فسد بأيدي الناس، لكنهم –لقلتهم- باتوا كالغرباء، – فقد أتى الزمان الذي يُعيّر فيه المؤمن بإيمانه كما كان يعيّر الفاجر بفجوره، فأصبح المؤمن لا يدري إلى أين يهربُ بدينه وماذا يصنع فرارًا من الفساد الذي قد ساد المجتمع.

يميل الإنسانُ بطبعه إلى الاجتماع بالناس، والأنس بهم وبحديثهم فلا يقوى على أن يعيش منعزلاً وحيداً، ولكنه في الوقت نفسِه يتأثر بمن يخالط ويعيش معه، فمن جالَس جانس، ومن شاهد معصية ينكرها في المرة الأولى، فإنه يكاد يألفها في المرة الثانية أو الثالثة أو العاشرة! ويمتد أثر ألفة المعاصي التي يراها المؤمن ليلاً ونهاراً إلى فؤاد الإنسان وبيته وعمله، وترافقه في حله وترحاله، حتى تصبح مما لا ينكَر ومما قد فرض على الناس أمراً واقعاً لا مهرب منه.

هل يدعونا الإسلام للعزلة؟

هذا الشرّ الذي قد ساد المجتمع دفع بقلة قليلة إلى أن ينعزلوا ويحتملوا في سبيل ذلك ما يقاسونه من الوحدة والوحشة، حيث إن ما يسلّيهم هو أن أنسهم في وحدتهم بالله، وأنه معهم وملجأهم أين ما حلّوا واستقروا.

بالرغم من ذلك فإن الإنسان بحاجةٍ إلى من يشاركه الطريق الذي يسير به، فينهض به لحظة وقوعه في الزلَل ويكون داعمًا له ليصل إلى حال صلاحه؛ إذ إن الشيطان أقرب للواحد منه إلى الاثنين، وكذلك إنما يأكل الذئب من الفرائس القاصية الضعيفة، والجماعة رحمة وعصمة للإنسان، وقد جاء التوجيه الإلهي يحثنا عليها، إذ قال الله عز وجل موصياً نبيه عليه الصلاة والسلام: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28]، وقد أوصى الله عز وجل نبيه المعصوم بأن يكون مع الجماعة الصالحة التي تستقيم عندما يفسد الناس، فكيف الحال بمن هم دون النبي عليه الصلاة والسلام إن لم يلازموا الجماعة؟

ترسيخ الواقع بيد الجماعة

ولأنّ القصص أكثر رسوخاً في عقل الإنسان من الكلام المجرد، فلنقف عند القصة التي حدثنا رسول الله عليه الصلاة والسلام بها، إذ قال:

“كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على راهب. فأتاه فقال: إنه قتل تسعاً وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مئة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُل على رجلٍ عالمٍ فقال: إنه قتل مائة نفسٍ فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلِق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوءٍ” [متفق عليه]

تؤكد لنا مقولة هذا العالِم الذي آتاه الله العلم والفقه والبصيرة الواجب اتباعه في زماننا، فهو لم يقل لسائله بأن عليك أن تذهب إلى الجبال فتبحث لك فيها عن كهفٍ وتعتزل الناس جميعهم وتعبد الله وحدك حتى تلقاه وحدك، بل قال -بما فتح عليه الله-: بأن عليه أن يذهب إلى بلادٍ ينتشر فيها الصلاح والتقوى كأحد أهمّ سماتها وحتى أصبح الغريب فيها والملامُ هو من يعصي ويفجر لا كأرضك التي كنت فيها والتي قد ساد فيها الفساد والفجور والشر حتى صار يعاب المؤمن بإيمانه ويمدح الفاجر بفجوره.

لقد أقر الرسول عليه الصلاة والسلام ذاك العالم على توجيهه، وهذه هي الخطوة الأولى لمن أراد التوبة، لأن من بقي في بيئته نفسها، وهو يريد إصلاح نفسه، فإنه يوشك أن يعود إلى ما كان عليه، وقد لا يتطلب الأمر أن يهاجر التائب من أرض إلى أرض، بل يكتفي بأن يهجر رفاق السوء المحاطين حوله من كل جانب، ويستبدلهم بآخرين يعينونه على طاعة الله ومرضاته، فرفاق السوء هم العائق الأول في طريق التوبة، ويظهر لنا ذلك عياناً، فنرى ذلك الذي أراد أن يترك الخمر أو الزنا، لكنه لم يشأ أن يتخلى عن رفاقه السابقين، فيستمرون بملء رأسه بأفكارهم قائلين له: عش شبابك، فإنك لن تحيا حياتك إلا مرةً واحدة، ولا تحرم نفسك من شيء! وبأنه يمكن له عندما يشيخ أن يتوب! متجاهلين أن من شب على شيء شاب عليه، وأن من يحرم نفسه من هذه الشهوات في هذه الدنيا القصيرة ثم تعقبه كل الخيرات في الآخرة خير له من أن يتبع نفسه هواها في هذه الرحلة القصيرة ثم لا يكون له في الآخرة من خلاق.

وإن عرفوا بأن أفكارهم الفاسدة لن تؤثر به فإنهم لا يزالون يهزؤون به ويعيرونه بـ”المشيخة” حتى يعود إلى ما كان عليه بل ربما إلى أسوأ مما كان عليه!

حين يعم السوء!

إن حال الأشخاص الذين أشرنا إليهم آنفًا مع صديقهم، كحال ذاك الثعلب الذي وقع حجر على ذيله فقطعه، فعندما رآه ثعلب آخر مقطوع الذيل سأله لم قطعت ذيلك؟ فأجابه بأنه يشعر بالسعادة وكأنه طائر بالهواء وأن يا لها من متعة! فجعل الثعلب الآخر يقطع ذيله، فلما شعر بألم شديد ولم يجد متعة مثله، سأله: لماذا كذبت علي؟

قال: إن أخبرتَ الثعالب بألمك، فإن ذلك لن يدفعهم ليقطعوا ذيولهم، بل سيسخرون منا، ومن هنا ظلت الثعالب تخبر كل من تراه بمتعتها في العيش دون ذيل، حتى أصبحت غالب الثعالب بلا ذيل! وحين كانوا يرون ثعلباً بذيل سخروا منه!

إن حال كثير من المجتمعات في زمننا هذا كحال تلك الثعالب، فلعموم الفساد وتغير الأهواء، صار الناس يعيرون الصالحين بصلاحهم! ويتخذونهم مادةً للاستهزاء والسخرية، ومن ثمّ فإنه لا بدّ لكل من أراد صلاحاً وتوبةً وحال من حوله كتلك المجتمعات، فإن عليه أن يهجر موطن الشر والسوء إلى موطن الخير والتقوى، فالانغماس في مجتمع المعصية كفيل بالوقوع فيها وألفتها، وحين يكون ذلك، تصعب التوبة، أو تكاد تكون أقرب للمستحيل، والعياذ بالله.