1

كيف يرى الغرب مساكينهم؟ النظرة والأبعاد

في أحد صفوفي الجامعية دخلت المدرّسة مرةً حزينة ومهمومة، حكت لنا قصة كلبها المريض الذي وجد البيطري فيه كتلةً تحتاج استئصالاً بعملية جراحية مكلفة لا تستطيع تحمل تكاليفها مع ثمن التخدير، ولذا قالت: إنها مجبرة على ترك الكلب يخوض العملية بآلامها، وأن هذا يؤرقها ويمنعها أي راحة بال.

تأثّر الطلاب بالقصة، وبدأ بعضهم يعبّر عن حزنه وتعاطفه مع الكلب المسكين، وهناك قالت المعلمة: “إن سألتكم الآن أن تدعموني مالياً لدفع تكاليف تخدير الكلب؛ فمن منكم سيساعد؟” لم تكد تكمل جملتها إلا ورفع معظم الطلاب أيديهم.

قالت: “أعلم أن الأمر محزن وأنكم متأثرون بالقصة، وأنا أقدر شعوركم، لكن لو كانت القصّة عن مشرّد يعيش قرب الجامعة فمن منكم كان ليرفع يده؟” تجاهل معظمهم نظراتها، بينما تظاهر البقية بالشرود، أمّا هي فأبدت نظرة حزن وأسف ثم دخلت في موضوع الدرس.

لنتساءل قليلاً: ما سبب غياب التعاطف الواضح من الطلاب تجاه المشرّد الافتراضي؟ وهل هذه حادثةٌ منعزلة؟ أم أنها تحكي خلفيّاتٍ عميقة عن شعوب تقدس الإنتاج وتؤمن إلى حدٍّ كبيرٍ بقدرة الفرد على تحديد مستقبله ومصيره في الحياة؟

دراساتٌ وأرقام

عام 2016 أُجريَت في بولندا دراسةٌ على 420 شخصًا من طلاب المدارس المتوسطة والثانوية والطلاب الجامعيين والبالغين في سوق العمل بهدف معرفة رأي الفئات العمرية المختلفة بالمشردين، وكانت النتيجة أنّ حوالي نصف المشاركين وصفوا شعورًا بالخوف من المشرد، بينما وصفه معظم المشاركين بأنه شخص يجمع الأوساخ والخردة ويتسوّل في الطرقات، وحين سئل المشاركون عن أول الكلمات التي تخطر في بالهم حين يفكرون بشخصٍ مشرّد كانت الإجابات: “وسخ، فقير، تعيس، وحيد، وذو رائحة كريهة”[1].

هذه الدراسة ليست غريبة، فكثيرٌ من الأبحاث تُظهِر غياب التعاطف العام مع المشردين، بل وازدراءهم في فئاتٍ متنوعة من الشعوب الغربية. فقد أظهر بحثٌ سكانيّ في الولايات المتحدة وبريطانيا أنّ غالب الذين لم يمرّوا بتجربة التشرّد يصفون المشرّد بأنه مجرمٌ ومدمن كحولٍ أو مخدرات[2]، كما أظهرت دراسةٌ أمريكية أن كلمة “مشرّد” وحدها تجعل الفقير أكثر عرضة للتنميط والازدراء من غيره من الفقراء في البلاد[3].

وبينما اقترح باحثون أن يكون التعليم العالي حلاً للمشكلة، وجدت عدة دراساتٌ في الولايات المتحدة أن ارتفاع مستوى التعليم يزيد المرء تحمّلاً للمشردين، لكنه يزيد من رفض دعمهم ماليًّا أو تخصيص جزء من الميزانية الوطنية للبرامج المعنيّة بمساعدتهم[4]، ووجدت دراسةٌ على طلاب الطب في كندا أنّ هناك فرقاً واضحاً في التعاطف مع المشردين بين الطلاب وبين الأطباء المشرفين، فالطلّاب يفقدون تعاطفهم كلّما تقدموا في دراستهم، ويشابهون الأطباء المشرفين عليهم في سلبيتهم ناحية المشرّدين[5].

لا قضاء ولا قدر

تظهر التقارير التي تدرس ظاهرة التشرّد أنها تؤثر على عدد كبير من الأشخاص في أوروبا وأمريكا الشمالية، وفي مقدمة البلاد في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا حيث وصلت أعداد المشردين فيهما إلى 567 ألف، و280 ألف على الترتيب عام 2019.[6]

أما عن الدراسات المعنية بأسباب ذلك فهي تظهر أن الأمر معقدٌ وخارجٌ عن قدرة الفرد في كثير الأحيان، فقد تحدّث باحثون عن غياب التهديد ضد الرأسمالية وظلمها في الغرب، وهي تستمرّ بزيادة الفجوة بين الأثرياء والفقراء وتسمح بارتفاع الأسعار تبعاً لتحكم طبقةً معينةٍ بالسوق، مما يعسّر حصول الفقير على بيتٍ، ويزيد ثراء الغنيّ وعدم اكتراثه بحال ذاك الفقير، بل ولومه على ما وصل إليه،[7] إضافة إلى ذلك فهناك ضعف البرامج الاجتماعية التي تدعم العاطلين عن العمل،[8] وانخفاض سقف الأجور الأدنى، وقلة فرص العمل والتمييز العنصري الذي مازال يؤثر في التعليم المدرسي الحكومي المتاح بأساليب غير مباشرة،[9] وهناك سهولة انحدار المرء في الديون وتراكم فوائدها عليه في النظام الاقتصادي الربوي المعتمد على الاستدانة في تعاملات الحياة اليومية والكبرى، وغيرها من الأسباب التي  تجعل من غير المنصف أن يلام الفرد وحده على انحداره في هذه الدوامة التي يصعب الخروج منها.

لكن رغم ذلك فإن رأي عامّة الناس غالباً ما يصبّ في تحميل الفرد مسؤولية ما أصابه وحده، ولومه على ظروفه السيئة التي آل إليها حاله بغضّ النظر عن تعقيد العوامل التي تؤثر فيه، فقد أظهرت دراسةٌ أجريت على مر 8 سنواتٍ على حوالي 700 أمريكي وجود ميلٍ للاعتقاد بأن المشرّد شخصٌ معيبٌ بشكلٍ ما، وبأنه ذو جاهزية ذهنية خاصّة للفقر وسوء الحظ الاقتصادي، وقد أشارت دراستان سابقتان لذات النتيجة لمّا سَأَلتا عن سبب وجود فقراء في الولايات المتحدة، فكانت غالبية الإجابات مركزةً على نقص الاجتهاد الفردي والموهبة والمهارات الاقتصادية.[10] وهذا ما يبدو مرتبطاً بزيادة المستوى التعليمي الذي يرفع الاعتقاد بمسؤولية الفرد عن تشرده، وينقص قيمة العوامل المجتمعية والبنيوية في ذلك.[11]

ولعل هذا نتاج سنين طويلة من تربية الأجيال على فكر “أنت تتحكم بمستقبلك”، و”أنت من يقرر مصيرك”، وغير ذلك من مكونات الثقافة الغربية التي تلغي أي أثر للقضاء والقدر، ولا تكترث بوجود حوادث خارجةٍ عن سيطرة الانسان، فتجعل هذا الكائن الضعيف الصغير مسؤولاً عما لم يختره ولم يكن له يدُ فيه. وقد لفتني تعليق باحثين لما وجدوا علاقةً بين التعليم وبين نقص الرغبة بمساعدة المشردين، فقالوا في ختام ورقتهم: “نحن نستنتج أن التعليم ينشئ الجيل على الثقافة الرسمية في البلاد، وفي الولايات المتحدة هذا يتضمن الإيمان بمساواة الفرص وحق الاحترام، لكن ليس مساواة النتائج التي يحصّلها الجميع.”[12]

المشردون في محطة مترو الأنفاق في مدينة نيويورك، The New York Times

وإن كان لهذا الفكر نفعٌ من حيث تحميل المرء المسؤولية وتشجيعه على التخطيط وتحديد أهدافه؛ إلا أنه مدمرٌ ومجحفٌ بحق من لم تَسِر الحياة كما يشتهي، فيصير المشرّد ملاماً على فشله في دفع فاتورة بيت وماء وكهرباء وقمامة وضرائب مع خمس تأمينات وطعام وشراب مثقلين لكاهله، وهو ملامٌ لأنّ قانون بلاده يضع العراقيل أمام خروجه من التشرد والقيام من تحت خط الفقر الذي يقبع تحته ملايين آخرون.[13]

وفي النتيجة فإن هذا المشرّد في المنظومة الغربية لا يعتبر إلا فاشلاً وفق معايير النجاح التي تستعبده، فلا تناله شفقة أو رحمة من أحدٍ، ولا يستحق أن يفكر عامة الشعب به أو يخصصوا من ضرائبهم جزءاً له، لأن المقيمين تحت سقف وبين عدة جدران، يجدون نفسهم أذكى وأفضل من أن يصيروا يوماً مثله، رغم أن الجميع في الحقيقة معرضون لأن تسحب الرأسمالية منهم كلّ شيء كما فعلت به، في بيئة غابت فيها المودة والتراحم المجتمعي، وبات الإيمان بالغيب وقضاء المولى وقدره جزءاً من التاريخ.


 

[1] Krajewska-Kulak E, Wejda U, Kulak-Bejda A, et al. Differing attitudes for various population groups towards homeless people. Progress in Health Sciences. 2016;6(1):57. Accessed April 9, 2021. https://search-ebscohost-

[2] Toro, P. A., Tompsett, C. J., Lombardo, S., Philippot, P., Nachtergael, H., Galand, B., … & Harvey, K. (2007). Homelessness in Europe and the United States: A comparison of prevalence and public opinion. Journal of Social Issues, 63(3), 505-524

[3] Jo Phelan, Bruce G. Link, Robert E. Moore, & Ann Stueve. (1997). The Stigma of Homelessness: The Impact of the Label “Homeless” on Attitudes Toward Poor Persons. Social Psychology Quarterly, 60(4), 323–337. https://doi-org.ezp.slu.edu/10.2307/2787093

[4] Phelan, J., Link, B. G., Stueve, A., Moore, R. E. (1995). Education, social liberalism, and economic conservativsm: Attitudes toward homeless people. American Sociological Review, 60(1), 126–140

[5] Fine AG, Zhang T, Hwang SW. Attitudes towards homeless people among emergency department teachers and learners: a cross-sectional study of medical students and emergency physicians. BMC MEDICAL EDUCATION. 2013;13. doi:10.1186/1472-6920-13-112

[6]https://england.shelter.org.uk/media/press_release/280,000_people_in_england_are_homeless,_with_thousands_more_at_risk

State of Homelessness: 2020 Edition – National Alliance to End Homelessness

Toro, P. A., Tompsett, C. J., Lombardo, S., Philippot, P., Nachtergael, H., Galand, B., … & Harvey, K. (2007). Homelessness in Europe and the United States: A comparison of prevalence and public opinion. Journal of Social Issues, 63(3), 505-524.

[7]Toro, P. A., Tompsett, C. J., Lombardo, S., Philippot, P., Nachtergael, H., Galand, B., … & Harvey, K. (2007). Homelessness in Europe and the United States: A comparison of prevalence and public opinion. Journal of Social Issues, 63(3), 505-524

[8] Zlotnick, C., Robertson, M. J., & Lahiff, M. (1999). Getting off the streets: Economic resources and residential exits from homelessness. Journal of Community Psychology, 27(2), 209-224.

Shinn, M. (1992). Homelessness: What is a psychologist to do?. American Journal of Community Psychology, 20(1), 1-24.

[9] Jo Phelan, Bruce G. Link, Robert E. Moore, & Ann Stueve. (1997). The Stigma of Homelessness: The Impact of the Label “Homeless” on Attitudes Toward Poor Persons. Social Psychology Quarterly, 60(4), 323–337. https://doi-org.ezp.slu.edu/10.2307/2787093

[10] Feagin, J. R. (1975). Subordinating the poor. Prentice-Hall.

Kluegel, J. R., & Smith, E. R. (1981). Beliefs about stratification. Annual review of Sociology, 7(1), 29-56.

[11] Tompsett, C. J., Toro, P. A., Guzicki, M., Manrique, M., & Zatakia, J. (2006). Homelessness in the United States: Assessing changes in prevalence and public opinion, 1993–2001. American Journal of Community Psychology, 37(1-2), 47-61.

[12] Phelan, J., Link, B. G., Stueve, A., & Moore, R. E. (1995). Education, social liberalism, and economic conservatism: Attitudes toward homeless people. American Sociological Review, 126-140.

[13]  في الولايات المتحدة يعيش 34 مليون شخص تحت خط الفقر

https://www.debt.org/faqs/americans-in-debt/poverty-united-states/#:~:text=According%20to%20the%20U.S.%20Census%20Bureau%E2%80%99s%202019%20Current,out%20of%20poverty%2C%20was%20at%2011.7%25%20in%202019.%29