1

كيف تمنعنا الأسباب الخارجية من النهوض والتغيير؟

التغيير والنهوض والتحضّر، هي كلمات أصبحنا كثيرًا ما نردّدها، وأصبحت حلم المجتمعات العربية ولكن هنالك عوائق في الطريق لا بدّ لنا من تأمّلها حتى نفهم سبب تأخّرنا وانتكاسنا الحضاري.

قمنا في مقال سابق بوصف الأسباب الداخلية المانعة للنهوض والتغيير والتى تتلخص في قابليتنا للتخلف والجمود وغياب الثقة في النفس والشعور بالعجز واليأس واستسلامنا للواقع ولكن هنالك أيضا أسباب خارجية تمنع مجتمعاتنا من كسر قيود الجهل والتأخر الحضاري، وتتمثل هذه الأسباب في القوى العالمية التي تسعى لحماية مصالحها على حسابنا ومواصلة هيمنتها الحضارية عن طريق إعادة تشكيل ثقافة المجتمع وترسيخ فيه المبادئ التي تتوافق مع نظرتهم للحياة.

إن كثيرًا منا لا يزال يؤمن بأسطورية المؤامرات الخارجية وأنّها حجة نستخدمها للهروب من تحمل المسؤولية وإيجاد الحلول العملية لمشاكلنا الكبرى، والحقيقة أنّ التدخل الخارجي هو حقيقة لا مفر منها وهدفه هدم كلّ مُحاولة للنهوض أو للإصلاح تُغيّر من حالنا وتجعلنا أمة واحدة قوية ومتحضرة من جديد، وخير دليل على ذلك التقرير الذي قدّمته مؤسسة راند الأمريكية سنة 2002 والذي عُرِض على وزارة الدفاع الأمريكية تحت عنوان الاستراتيجية الكبرى للشرق الأوسط، حيث نجد فيه “إن العراق يجب أن يكون المحطة الأولى التي ينبغى أن يحدث فيها التغيير، ومن بعد ذلك تأتي السعودية ومصر وهكذا بالنسبة لبقية البلدان” (1).

إننا نعلم مأساة الوضع الكارثي الذي وصل إليه العراق من صراعات طائفية ومن تأخر وضعف على جميع المستويات وتفتيت للمجتمع، ولا يخفى علينا أيضًا التحول الذي يَشهده المجتمع السعودي بدفعه للانسلاخ من مبادئه والإقبال على الثقافة الغربية وقبول الحفلات الماجنة والتعرّي والاختلاط الفوضوي بدون قيود! ولا ننسى أيضًا ما وصلت إليه مصر اليوم من اضطهاد واستبداد وخضوع للقوى المهيمنة وقبولها للتطبيع المطلق مع الكيان الصهيوني، وكلّ هذا يدخل تحت استراتيجية التغيير في الشرق الأوسط حيث تقوم المراكز الأمريكية والغربية بدراسة مجتمعاتنا والإعداد لكيفية تغيير معالمها والتأثير فيها بينما نحن في غفلة وننفي عنهم فكرة المُؤامرة ونتهجّم على كلّ من يذكر هذه الحقيقة ويُحذّر منها.

مؤسسة راند أحد الأسباب الخارجية التي تمنع التغيير في مجتمعاتنا

القوّة النّاعمة

كان التدخل العسكري المباشر هو السلوك الأعنف الأول من أجل إحداث تغيير داخل المجتمعات وفرض السيطرة عليها ولكن هذه الإستراتيجية اليوم لم تعد ناجعة حيث استنتجت القوى العالمية أن الحروب ستؤدى إلى خسائر مادية وبشرية فادحة وقد تكون نتائجها عكسية بتوحيد صفوف المجتمع المستهدف وإيقاظه من غفلته من أجل المقاومة وإعادة البناء من جديد وأصبحت هي الحل الأخير المطروح.

هذه الاستراتيجية قديمة، إلا أن مقالا نشرته سنة 2003 صحيفة الفايننشال تايمز يوضح أهدافًا عميقة من هذه الاستراتيجية، حيث يقول: “من أجل كسب السلام، يتعين على الولايات المتحدة أن تظهر براعة كبيرة في ممارسة القوة الناعمة، كما أظهرت براعتها في ممارسة القوة الصلبة في الحرب”(2)، والقوة الناعمة تحقق أهدافها على مدى طويل يتم فيه اختراق المجتمعات وتغيير طِباعهم ببطئ وبثّ الأفكار التي يُريدونها وبرمجة الأفراد عليها سوى عن طريق الإعلام أو الجمعيات الناشطة أو النُّخب المُثقفة أو عن طريق رجالات الدولة الموالين لقوى عالمية معينة أو عن طريق مناهج التعليم.

فمثلا عندما توجد مجتمعات محافظة وملتزمة بدينها مع وجود توجه إسلامي في الحكم فإنه المجتمع الدولي يراها مجتمعات رجعية ومصدر تهديد لمصالحه داخلها، فإذا أراد إفشالها فإنه لن يستهدف المبادئ الإسلامية مباشرة بل سيقوم بتمويل ودعم كل من يروج لأفكاره المنحلة في مختلف المجالات حتى يألفها الأفراد وتنحل عرى الدين بينهم رُويدا رُويدا، وإذا ما انتشرت الرذيلة والفساد الأخلاقي داخل هذا المجتمع وبدأ في الابتعاد عن ثوابته سيحصل داخله تصدع وتصارع حول هوية المجتمع وثقافته.

بكل تأكيد فإن هذه الصورة ستنعكس على الجانب السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومن هنا تبدأ ملامحه في التغير وفق الاستراتيجية الغربية والأمريكية وسيكون في واجهة هذا التغيير أفراد ينتمون إلى هذه المجتمعات بدون ملاحظة القوى الخفية التى تحركها وهذا ما أكد عليه الكاتب جوزيف ناي حيث قال في كتابه استراتيجية أمريكية بعيدة المدى تقوم على دبلوماسية الرأي العام: “والأهم من ذلك كله هو الاستراتيجية البعيدة المدى التى يجب أن تبنى من خلال تبادلات ثقافية وتعليمية، تهدف إلى تأسيس مجتمع مدنى أكثر انفتاحا في منطقة الشرق الأوسط. ومن أجل تحقيق تلك الغاية فإن أفضل من يتحدث باسمها يجب ألّا يكون الأمريكيين أنفسهم، بل أناس من أهل تلك الدول تابعون لأمريكا يتفهمون قيمها وأخطائها”(3).

مظاهر التدخّل الخارجي

تبدأ تدخلات الغرب في تغيير مفهوم الإسلام وتمييعه وإعادة تشكيله حتى يصبح دين بلا روح في عزلة عن الحياة غير مؤثر فيها، وخير دليل على ذلك ما قاله الجنرال ويسلي كلارك قائد حلف الناتو: “من يظن أننا ذهبنا إلى أفغانستان انتقاما لأحداث 11/9 فليصحح خطأه، بل ذهبنا لقضية أخطر هي الإسلام، ولا نريد أن يبقى الإسلام مشروعا طليقا يقرر فيه المسلمون ما هو الإسلام، بل نحن من نقرر من هو الإسلام”(4)، ونحن نعلم جميعا كيف سيُقرّر الغرب مفهوم الإسلام حيث سيحرصون على نقض مبادئه والتّرويج للفساد الجنسي والأخلاقي وجعله يتوافق مع أهوائهم ومع نظرتهم المادية للحياة، بل من شدة هذا التمييع للفهم الصحيح للإسلام الذي أساسه الشمولية لمختلف ميادين الحياة أصبح من بنى جلدتنا من يتهجم على شريعة الإسلام ويحاربها ويرفض تطبيقها في واقع الحياة ظنًّا منه أنّه يملك الفهم الصحيح للدين الإسلامي الذي غرسه فيه الغرب عن طريق المنابر الإعلامية وعن طريق العلماء الكاذبين الذين يخدعون الناس في ما ينقلونه لهم!

الجنرال ويسلي كلارك

ولنا أن نتساءل هنا لماذا اتخذ الغرب من الإسلام عدوًّا له؟! تأتينا الإجابة من وزير خارجية بريطانيا السابق روبن كوك: “الغرب بحاجة إلى عدو، ومادامت الحرب الباردة قد انتهت، فإن الإسلام سيأخذ مكان الاتحاد السوفييتي القديم، وسيصبح هو العدو”(5)، فإذا كانت نظرة الغرب لنا كمسلمين تقوم على العداوة فإنهم لن يُقدّموا لنا أيّ خير بل سيحرصون فقط على مصالحهم ولن يسمحوا للمسلمين للنهوض من جديد، ومن هنا يأتي تدخل الغرب في سياسة دولنا الإسلامية.

لاحظنا خاصّة بعد الثورات العربية وصول الاتجاه الإسلامي للحكم حسب إرادة الشعوب ولكن بعد فترة لم ينجحوا في الحكم لأسباب داخلية ومن ثم لأسباب خارجية التي نحن في صدد الحديث عنها، فالغرب لن يسمح لأيّ مشروع إسلامي يجعل الشريعة مرجعية له في مختلف مجالات الحياة لأنّهم يعلمون جيدًا بالإسلام وحده سينهض المسلمون وسيتّحدون من جديد وسيكسرون قيود الاستعمار والتبعية والاستغلال الخارجى لهم وسيُحاربون الظلم والفساد المنتشر في العالم فلا غرابة أن تصدر مؤسسة بروكينغز في تقريرها ما يلي :” لا مانع من المرجعية الدينية ولكن بدون دولة إسلامية”(6)، والمقصود هنا أنّ لأي دولة مسلمة الحق في تنظيم المؤسسات وحياة الأفراد من الناحية الدينية ولكن بدون أن يكون للدين دور في إصدار قوانين تشريعية تمنع ما حرمه الله من رذائل وبدون التدخل في حياة الناس بأمرهم بالصلاة أو الحجاب بل لا بد من وجود فصل بين الدين والدولة ولهذا نجد أنّ أغلب الأنظمة عندنا تميل للاتّجاه العلماني!

وعلى المستوى الاجتماعي تظهر التدخلات الخارجية في قضية المرأة وعلاقتها بالأسرة ودورها في المجتمع حيث يقول الرئيس الفرنسي ماكرون في خطابه لافتتاح الدورة الـ 17 للفرنكوفونية سنة 2019 في بثّ تلفزيوني: “على الفرنكوفونية أن تكون نسوية، ونحن نشجع الرئيس التونسي، في ظل ظهور الجماعات المظلمة ذات القراءة الدينية الخاطئة، الذي اعتمد نصوص قانونية تضمن حرية المرأة في الإرث والزواج وفي الحياة وفي المساواة بين الجنسين، وعلينا أن نقف بجانبه في هذا النضال”، والقوانين التي تمّ عرضها في تلك السنة تنصّ على حرية النوع الاجتماعي وعلى أنّ للمرأة حريّة اختيار ميولاتها الجنسية إلى جانب الاعتراف بما يُسمّى الأمهات العازبات وغيرها من القوانين المفسدة للعائلة وإذا تمّ تفكيك الروابط الأسرية عن طريق إفساد المرأة والتلاعب بها باسم الحقوق والحريات فإنّ المجتمع سينهار وسينشأ جيل بلا هوية وبلا أخلاق وبلا هدف في الحياة فقط جيل مطبوع على الثقافة التي رسمها الغرب له!

الرئيس الفرنسي ماكرون

ولا ننسى أيضا أننا نعيش اليوم حالة من الغزو الاقتصادي حيث يبدأ الأمر عن طريق منح قروض دوليّة ذات فائض ربويّ مرتفع للبلدان النّامية عن طريق صندوق النّقد الدّولي أو عن طريق مؤسّسات دوليّة أمريكيّة أو أروبيّة الهدف منها إحداث تنمية اقتصاديّة داخل هذه البلدان والنّهوض بها، ويُوظّف خبراء اقتصاديّون من ذوي الخبرات العالميّة من أجل إعداد مخطّط تنموي اقتصادي شامل، يحتوى على مؤشّرات تنمويّة مضخّمة وزائفة في أغلب الأحيان، الهدف منه إغراء واقناع حكومات هذه الدّول بفكرة إنشاء مشاريع تنمويّة لشعوبهم مع المحافظة على مكانتهم كحكومات ودعمهم سياسيًّا واقتصاديًّا، وعندما تتمّ الموافقة على هذه المشاريع وأخذ القروض تسند مهمّة إنشاء هذه المشاريع إلى الشركات الأوروبيّة والأمريكيّة العالميّة من أجل تحقيق ربح مالي لهم وإعادة ضخّ هذه القروض من جديد للبلدان التي قامت بإقراضنا عن طريق شركاتهم الصّناعيّة. وعندما يأتي وقت سداد الدّيون تجد نفسها الدّول المقترضة عاجزة عن السّداد بسبب فائض المديونيّة المرتفع فتكون النّتيجة أخذ قروض جديدة من أجل تسديد القروض القديمة مع فرض شروط من الدّول المقرضة على ضحاياها من أجل السيطرة عليها مثل قبول التطبيع مع الكيان الصّهيونيّ، فليس من العجب أن نجد دول إسلاميّة ذات قوّة اقتصاديّة صاعدة مثل تركيا لها تعاملات تجاريّة مع هذا الكيان لأنّ أصل نهضتها استند على دعم صندوق النّقد الدّولي لها وقد تمكّنت تركيا مؤخّرًا من سداد ديونها لصندوق النقد كاملة، وهي من الدّول القلائل التي تمكّنت من تحقيق ذلك والخلاص من المديونيّة الخارجيّة للدول، ومثل إنشاء قواعد عسكريّة على أراضي هذه الدّول ومثل ضمان التّصويت لهم في مجلس الأمن والأمم المتّحدة وموالاتهم ومثل استغلال مواردهم الطّبيعيّة بأبخس الأثمان ومثل القبول بقوانين هم قاموا بصياغتها وما على الدول المقترضة إلاّ تطبيقها حرفيّا في داخل أراضيها.

إنّ التدخّلات الخارجيّة تكون خاصّة في الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي عن طريق إثارة قضيّة المرأة، وعلينا بعد معرفة مُختلف مظاهرها أن نكون واعين بأنّ طريق التّغيير والنّهوض لن يكون سهلًا بل هناك عوائق داخليّة وجب إيجاد الحلول لها ووضع الاستراتيجيات المناسبة لمواجهتها من قبل الحكومات من جهة، ومواجهتها كأفراد مُجتمع واحد وعدم الاستسلام لها، فطريق التغيير يحتاج إلى صبر وعمل وتضحيّات ووعيٍ حتّى ننهض من جديد!


الإحالات:

(1) التبرج المسيس، عبد الله بن عبد الرحمان الوهيبي، مركز تكوين للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى سنة 2014، ص 31

(2) المصدر السابق، ص: 40- 41.

(3) المصدر السابق نفسه.

(4) المسلمون والحضارة الغربية، سفر بن عبد الرحمان الحوالي، ص: 36.

(5) المصدر السابق، ص: 45- 46

(6) المصدر السابق نفسه