1

كورونا والدين والخشية من الموت

عجيبٌ أمرُ هذا الإنسان، يحثُّ الخُطا ويشيد الحصون هاربًا من الموت، يهرب من عدو يعلم يقينًا أنه مهزوم أمامه لا محالة، وأن العدو سيتمكن منه في نهاية المطاف، لكنه فقط يريد أن يُطيل أمد الصراع، وأن يحظى بأكبر قدر ممكن من الحياة؛ يلزم بيته، يلتزم بالتعليمات الطبية الصارمة، يبالغ في غسل يده، يعقم بيته ومَحَلَّتَه، يرتدي قُفَّازًا وكمامة، ويرش المطهرات خوفًا من أن يقتحم عليه العدو الحصن في غفلة وحتى يضمن هزيمة العدو في لحظةِ أن يتجرأ ويكسر باب حصنه المنيع. وربما يخشى البعض أن يموت وسط هذا الضجيج والزحام فيُنسى اسمُه ولا يحتفل بموته!

اختراع يضمن البقاء
تقول الحضارة الحديثة المنكرة للخالق: لا بأس، اهرب ما استطعت، فلربما استطعنا يومًا أن ننجيك من الموت نهائيًّا، وإن لم نستطع فيكفيك أنك عشت حياة ملؤها اللذة والسعادة، وليس هنالك حياة أخرى فلا تخف ولا تحزن!

 لكنها الأماني والآمال التي لم تتحقق يومًا، فلا الإنسان استطاع أن يمنع الموت، ولا هو عاش حياة رغدة خالية من الآلام والمنغصات والقلق والاضطرابات.

ثم لو افترضنا -مجرد افتراض- أن هذا الإنسان المتمرد استطاع يومًا ما أن يمنع الموت، وتوصّلت مختبراته العلمية إلى عقار يمنح الناس الخلود ويقيهم شر المَنون، هل ستسعد البشرية حقًّا بهذا؟

سيكون هذا اليوم حتمًا بداية النهاية للبشرية وبداية تعاستها الحقيقية! إذ ستضيق موارد الأرض المحدودة عن إمداد كل هؤلاء البشر بالغذاء والماء والدواء بل وبالهواء، سيتقاتل الناس ويتفانون ويقيد بعضهم حركة بعض، لن ينتظروا الموت بل سيخترعونه اختراعًا، سيقتلون أفرادهم ويُفنون جماعاتِهم حتى يضمنوا بقاء نوعهم! وستكون المفارقة العجيبة أن الموت نفسه سيكون ذلك الاختراع الذي يضمن البقاء!

أن تقتل الحضارة الإنسان
لم تستطع الحضارة المنكرة للخالق أن تمنح الإنسان الاطمئنان المرجو له كإنسان، فعصرُنا هو عصر القلق الداخلي العميق، وزلزلات لا تنتهي لفكر الإنسان ووجدانه، وتهافت محموم على قضاء لذات لا تشبع أبدًا، وكيف تشبع وأمامها كل يوم إغراء وإغواء من نوع جديد!

 المدنية الحديثة تحتقر إنسانية الإنسان حتى في تسميتها له، فهو في عرفها (دافع ضرائب، يد عاملة، مواطن رشيد) إنه ينتمي فقط للمكان وما يمليه من أعراف وتقاليد، يعمل كالترس في الآلة بكل جهده وقوته، فإن كلَّ أو ضَعُف استبدل به غيرُه ثم عاش هو وحيدًا أو رُمِيَ به بعيدًا في دور العجزة والمسنين، وهذا الإنسان أحادي البعد (يعمل لحاجات جسده وغرائزه الآنية فقط).

في فرنسا -قائدة المدنية الحديثة- وفي بلدان أوروبية أخرى تصاعدت موجة التغيير رغم ما تغيّر مسبقًا، فضنُّوا على الإنسان بلقب أب أو أم حتّى، فصار يُكتب في المستندات الرسمية: والد أول (مكان كلمة الأب) ووالد ثان (مكان كلمة الأم)، فالعلاقة بين الأب وأولاده أو بين الأم وأولادها لابد أن تبقى في إطار الجسد فحسب، علاقة ولادة فقط، ليست علاقة أبوة وأمومة بما لهاتين الكلمتين من دَلالات وظلال نفسية وعاطفية أو بالأحرى إنسانية عميقة تنفر منها المدنية الحديثة، وكذلك حتى يضمنوا لمثليي الجنس القدرة والحق في تبني الأولاد دون أن يضطروا لإحراجهم في الخلاف حول أيهما يُسَمِّي نفسَه أبًا وأيهما يسمي نفسه أمًّا، لكن الطفل المسكين نفسه سيُحْرَمُ حقُّه في أن ينمو نموًّا طبيعيًّا كباقي أقرانه بين أبوة ذكورية وأمومة أنثوية.

أساس الالتزام واحد
حين رأى هؤلاء الناس الموت يدور حول بيوتهم جراء انتشار وباء كورونا تحصنوا ببيوتهم والتزموا التعليمات بدقة، حتى من لم يلتزم بها تراه على معرفة بتفاصيلها، وهو مع ذلك يحاول أن يلتزم بها قدر الاستطاعة.

 إنها الخشية من الموت إذن هي صاحبة السر الأكبر في هذا كله، في قراءة التعليمات بدقة والتزامها بصرامة، وتأنيب النفس على ما يفوت منها، خوفًا من أن يكون في هذا الفوت ضرر محقق.

 أليس هو الأساس نفسه الذي بنى عليه الدين تعاليمه!  أليس هو التحذير من الموت وما بعد الموت!

{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)}. الملك: 2

 نعم إنه الأساس نفسه، إنه هو بعينه!
إن الدين أمر الناس بالتزام تعاليم محددة فردية ومجتمعية طلبًا لنجاتهم وسعادتهم فيما قبل وما بعد الموت، وخشية أن يأتيهم الموت وهم عنه غافلون!

 لكن الفرق هنا أن تعاليم الحضارة الحديثة تحذر الناس أن يصابوا فيفقدوا شيئا من منافع جسدهم أو تنقص لذاتهم، فالجسد -في عُرْفِها- ما هو إلا وعاء للحياة في نهاية الأمر -أي حياة!- أمَّا التعاليم الدينية فتحذر الناس أن يصابوا فيكونوا قد ضيعوا أمانة الجسد التي ائتمنهم الله عليها، أو يصبحوا عاجزين عن استكمال رسالتهم الحياتية في فعل الخير والدعوة إليه وهداية الناس إلى الله، فـ }الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ{ [مسلم: 2664]

 التعاليم الكورونية تحذر الناس أن يموتوا، والتعاليم الدينية تحذرهم أن يموتوا وهم غير مستعدين!، لذا كان الدين أكثر واقعية وأوسع كرمًا وأفسح أملًا بكثير جدًّا من المدنية الحديثة التي أُسِّسَ جزء كبير منها ـ بل الجزء الأهم والأساس فيها ـ على الإلحاد وإنكار الخالق!

 الوباء يُقلِق والإيمان يُطمئِن
قال القرآن للناس: }كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ{. [آل عمران: 185] فكلهم سيموتون حتمًا لا مناص من هذا، لكن ذلك لا يعني أن يُهملوا أسباب السلامة على هذه الأرض، ولا يعني ذلك بكل تأكيد أن عليهم إهمال التشبث بالحياة قدر ما يستطيعون، بل يعني فقط أن يعمل الإنسان لسلامته وسعادته في الحياة الآخرة كما يعمل لسلامته وسعادته في الحياة الأولى، }وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ{. [آل عمران: 185]  

 قال الدين للناس: إن الموت دائمًا يدور حول بيوتكم بل دخل بيوتَكم قسرًا أكثر من مرة واختطف منها أحب الناس إليكم، فما الذي جعلكم الآن أكثر وعيًا به وأشد فرارًا منه؟ هل لأنه الآن أسرع وتيرة وأعلى صوتًا؟

محقون أنتم فالغافل لابد له من تنبيه، فها قد نُبِّهتُم فأفيقوا، واعلموا أن الموت موجود في كل لحظة وفي كل آن لا ينفك عنه زمان ولا مكان فكونوا دائمًا على استعداد!

 قال الدين للإنسان: الموت حق لا جدال فيه، لكن لا تخف ولا تحزن، سأُكَرِّمُكَ في حياتك وبعد مماتك! سأسميك عبدًا لله، ومؤمنًا، وتقيًّا، وأبًا وأمًّا، وأخًا وأختًا، وخليفة في الأرض! حتى وإن سميتك كافرًا وظالمًا وجحودًا فإن الدين لا يلغي معاني الإنسانية فيك، وذلك كله لتقلع عن ظلمك وجحودك وكفرانك وتستعيد طمأنينتك وإنسانيتك وإيمانك، سيناديك ربك حتى حال شرودك عنه: يا عبادي، يا أيها الناس، يا أيها الإنسان. لن يسميك الدين أبدًا دافع ضرائب أو يدًا عاملة، لن يربط بينك وبين قيمتك الاقتصادية بل سيربط بينك وبين قيمتك الإنسانية والأخلاقية، فالدين لن يعتبرك شيئًا بل إنسانًا.

وماذا أيضًا؟
يقول الدين للإنسان: لا تخف حتى وإن مِتَّ وسط الفوضى والضجيج والصخب لن ينتهي بك المطاف أن يصير جسدك عرضة للموازنة بين تكاليف حرقه أو سحقه أو دفنه أو الاستفادة منه كقطع غيار ومادة خام، لن تكون رقمًا بين أرقام كثيرة، أو تكون فقط اسمًا تائهًا بين أسماء عديدة على لوحة كبيرة تنصب في الشوارع والميادين، يمر من تحتها آلاف الناس كل يوم فلا يُلقون لها بالًا ولا يعيرونها اهتمامًا، بل سيجعل الناس إخوانك في الإنسانية يجتمعون لموتك ويدعون لك باسمك ويطهرونك غاية التطهير، وإن لم يستطيعوا؛ فلا أقل من الصلاة عليك حتى وهم بعيدون عنك، ولا أقل من الدعاء لك عند موتك وكلما ذُكِرْت، ولا أقل من أن يواروا جسدك التراب مستورًا مكرمًا، حتى تكون آخر صورة لك في أذهانهم صورة إنسان مكرم كامل الإنسانية لا صورة رمادٍ محترق أو جسدٍ ممزق.

 يقول الدين للإنسان: لا تتقاتل مع أخيك الإنسان طلبًا لأرزاقكم على هذه الأرض من الماء والهواء والغذاء فقد خلقها الله تَسَعُ الجميع وتكفي الجميع، }وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ{ الزمر: 10، }وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ{ هود:6، ابحث عن حقك واحرص عليه لكن دون أن تتعدى على حقوق غيرك من المخلوقات، حتى وإن أصابك نصَبٌ في حياتك لكنك لم تَظلم ولم تَغدر ولم تَسرق ولم تَنهب فسوف أعوضك عندي دارًا ليس فيها شُحٌّ مصطنع في الموارد، ولا أزمةُ إسكان، ولا أزمة زواج، ولا أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية ولا حكام متسلطون، ولا خوف من مستقبل لا تدري ما فيه، بل }لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ{. الحجر: 48

 إن أزمة كورونا أيقظت في الإنسان مشاعر الخشية من الموت والأخذ بأسباب السلامة منه، وهي المشاعر ذاتها التي دأب الدين على إيقاظها ودعوة الناس من خلالها، لكن الدين بَسَطَ دروب الأمل أمام الإنسان وأعطاه طوق نجاة من بحار أوهامه وتشتته وحفظ كرامته حيًّا ومَيْتًا، ودعاه ليس فقط للنجاة من الموت، وإنما للنجاة والسعادة كذلك فيما بعده.

فلماذا يا تُرَى اتبع كثيرٌ من الناس تعليماتِ كورونا ولم يتبعوا تعاليم الدين؟!