1

فخ الحرية الشخصية

لعلها من أشهر الكلمات في هذا الزمان، “إنها حريتي الشخصية” أو “دعه فهي حرية شخصيّة”، وهذه العبارة صارت مبرراً لكثير من الأفعال في عصرنا الحالي، فما إن تجد أحداً يُهاجَم على فعل قبيحٍ من قبل المجتمع إلا ويدافع عن نفسه بأن هذا الفعل “حرية شخصية”، ويقول: “لم أؤذِ أحدًا بهذا الفعل”، وبالمقابل ترى فئة أخرى من المجتمع تدافع عنهم، وتسهب في شرح كيف أن عصر التحكّم بمعتقدات الناس قد انتهى، وأن عهد التخلف ما زال يلقي بظلاله على زمننا هذا، فيدفع الناس لحشر أنوفهم في أفعال الآخرين، فنحن اليوم في عصر الحرية والتنوير، فإن كان فعلهم لا يؤذيك فلا يحق لك الاعتراض عليهم!.

دعاوى كثيرة، تشربها كثير من الناس، وبات في عموم دول العالم –غير المسلمة- من المستحيل انتقاد الشذوذ، بل صار من المعتاد أن ترى فئة من المسلمين تدافع عن هؤلاء القوم بدعوى أن هذه حريتهم الشخصية وأنهم لا يؤذون الناس بفعلهم، أو يهاجمون المنتقد حين يفكك مسلسلًا ساقطًا وينبّهنا على ما فيه من خطايا فيقولون: هم أحرار، ما عجبك لا تتفرج.

المرء حر ما لم يضر!

ما تقدم من الأمثلة أو الأفعال التي ينسبونها للحرية الشخصية، يجمعها خيط ناظم، حيث يبررها أصحابها تحت شعار “المرء حر ما لم يضر”، حسنًا.. سأفترض أننا موافقون على هذه العبارة 100%، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، من يحدد ما إذا كان هذا الفعل ضارًّا أم لا؟ وماذا إن اختلف الناس فيه، فقسم يراه ضارًّا وقسم يراه غير ذلك؟ وماذا إن كان هذا الفعل ضاراً على المدى البعيد، إلا أنه الآن يبدو لناظريه غير مضر.

دعني أضرب مثالين لأوضح هذا، أولهما يتعلق بالمشروبات الكحولية التي دائما ما يدعي أصحابها بأنهم أحرار في شربها، وفي انتشار محلات بيعها، وأنت لا علاقة لك بهم، فهذه حريتهم الشخصية وهم لم يؤذونك! هذا الكلام ما يسوَّغ به الأمر ظاهريًّا، ولذا فأنصار الحرية الشخصية يدافعون عنه.

إلا أن الواقع إذا ما دققت النظر في تأثير هذه “الحرية الشخصية التي لا تضر أحدًا” فسترى العجب العجاب: فبحسب بعض الإحصاءات فإن هناك في كل 52 دقيقة هناك شخص يموت بسبب القيادة تحت تأثير الكحول في الولايات المتحدة، وهذا بالرغم من وجود القوانين الصارمة بهدف منع القيادة تحت تأثير الكحول.! وهذا في أميركا فقط، فكيف لو أحصينا هذا في العالم كله؟ ونؤكّد أن هذا أيضا متعلقٌ بقيادة السيارات فحسب، فكيف لو أحصينا مثلا حالات القتل بالأسلحة التي يقوم بها المخمورون؟ فكم من شخص بريء قُتل وفقده أبناءه وأحباؤه بسبب إدمان الكحول؟ هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن أضرار الكحول تودي بشاربيها، فهناك قرابة 3 ملايين شخص يموتون سنويا جراء تعاطيهم للكحول فقط!

فما رأي أصحاب “الحرية الشخصية” بهذه الإحصائيات؟ وهل ما زال انتشار الكحوليات حرية لأنه لا يضر أحدا؟

أما المثال الثاني، فَعَن ظاهرة “المساكنة” بين الشباب والفتيات، ظاهرها الحرية الشخصية، فأنت لا علاقة لك بفتاة وشاب يحبان بعضهما، وأحبا أن يعيشا معًا بدون عقد زواج، فما شأنك أنت بهم؟ وهل هما يسكنان في بيتك حتى تحشر أنفك فيهم؟ وكما يقال غالبًا: خلّيك في حالك!.

وللأسف، فإن هؤلاء القائلين هذا القول لم ينظروا أبعد من أنوفهم، فانظر إلى ما فعلته هذه “الحرية الشخصية” عندما انتشرت في المجتمعات الأوروبية، ففي فرنسا مثلا أكثر من نصف الولادات من علاقات غير شرعية، وعليه فكم من هؤلاء الأطفال من لا يعرف والده؟ ويعيش بدون أب وذلك بعد أن شعر والده بالملل منه ومن أمه فتركهما، وكم منهم من لا يعرف لا أباه ولا أمه؟! تخيل نفسك مكانهم، أي إجرام هذا.

ومن لم يسمع بعد بصندوق الـ BobyBox الذي بات في كل مكان في أميركا وأوروبا، فمتى ما قضت الأم شهوتها وأرادت أن ترمي ابنها، فهذا الصندوق جاهز لاستقباله، وذلك بعد أن كثرت حالات رمي الأطفال أمام الكنائس وقرب الحاويات، فأحدثوا لهم BabyBox ليضعوا الأولاد فيه بدل من رميه هنا وهناك.

أما الإجهاض وما أدراك ما الإجهاض؟ فهو يعد أسوأ ما نشرته هذه العلاقات، ولك أن تتخيل فقط أن الإجهاض هو سبب الوفيات الأعلى في العالم حسب موقع الإحصائيات العالمي worldometers، ولا يخفى على أحد أن عدد حالات الإجهاض وتقطيع الأطفال في أرحام أمهاتهم لم يصل لهذه الأعداد الجنونية لولا ازدياد العلاقات العابرة والغير شرعية بشكل غير مسبوق! ولا أدري إن كان ثمة عاقل يحتمل تنفيذ قسوة الإجهاض في جنين يحمله في أحشائه.. كما يعرضه هذا الفيديو.

تخيل أن كل هذه المصائب وكل هذا الإجرام نتيجة لهذه الحرية الشخصية التي لا تضر أحدًا، فما بال المغيبين في مجتمعنا يدافعون عنها، منهم بجهل ومنهم حتى يظهر بمظهر الشخص العقلاني المتحرر، ثم إنك إن أنكرتها فأنت شخص يقال عنك الكثير “مكبوت” “تكره الحب” “متخلف” إلخ.. والأمثلة كثيرة ولكن لا مجال لذكرها هنا.

الاحتكام إلى المعيار الثابت

قد نتساءل ما هو المعيار الذي نقيس إليه الأفعال والأفكار لندرك منها الضار والنافع؟

هنا فإننا نقول: إن الله أنزل رسوله برسالة الحق وأيد هذه الرسالة بالأدلة والبراهين القاطعة لكل باحث عن الحق، وإن من الأهداف الرئيسية التي أنزل الله من أجلها رسالته هي تحديد ما يضر البشر وما ينفعهم. فجعل ما يضرهم حراما وما ينفعهم حلالا، وقد قال الحكيم العليم: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] وقال تعالى: {فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} [طه: 123].

إن كل ما حرمه الله ضار –لا محالة- بالبشر، وإن كانت بعض العقول القاصرة لا ترى ضرره، هذا إن كانت هذه العقول تحكم بالحق أصلا، فكم من إنسان يحكم بما يهوى وبما يحب ثم يدعي بأن هذا هو الذي يمليه العقل، وخذ حالة الرئيس الفرنسي “ماكرون” حين دافع عن الرسوم المسيئة للرسول ﷺ بحجة أنها حرية تعبير، إلا أنه نفسه رفع دعوى على رسام لأنه رسمه بشكل قريب من صورة هتلر. فأين هي حرية التعبير؟!

ولن أنسى تلك المحادثة التي سمعتها بين مراهقين في الحافلة، حيث يقول أحدهما للآخر: “جاري يطلب مني أن أخفض صوت الأغاني المنبعثة من غرفتي ليلا، فقلت له أنا أشغل الأغاني في بيتي وليس في بيتك، ولا علاقة لك ببيتي”. ولا يخفى على أي عاقل على أن هذا الكلام غير عقلاني أبداً، ولكنه الهوى حين ينطق بلسان العقل. لهذا لا يمكن لـ “معيار الضار والنافع” أن يحدده إلا من يملك هاتين الصفتين: العلم المطلق، والحكم دون تأثير المؤثرات البشرية والنقائص الإنسانية وحظوظ الأنفس، وهذه الصفتان لا تجتمعان في مخلوق، وتصدران ذاتيًّا عن الله عز وجل ذي الكمال المطلق.

المسلم والحرية الشخصية للعاصي

إنه من المستغرَب أشد الاستغراب من المسلم الذي يعتبر المعصية حرية شخصية، فهو يقع حينها في 3 تناقضات دون أن يشعر، إذ الأصل في المسلم أولاً أنه يؤمن بقول الله: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: 157] فكيف يقول مسلم عن “الخبائث” التي تهدم المجتمعات إنها حرية شخصية، ومن ناحية أخرى فإن الأصل في الإنسان المسلم أن يكون قد استسلم لأمر الله، فلا أدري كيف يقول مسلم عن أمر حرمه الله بأنه حرية الشخصية.

ألم يؤمن هذا الشخص بأن الإنسان “عبد” لله؟ فكيف يكون حراً وعبداً في الوقت نفسه؟ ألم يعلم بأن الله ذكر “الحرية” مرة واحدة في القرآن الكريم وكانت بلفظ “الخِيرة” فقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36].

أما التناقض الثالث فهو أن الأصل في المسلم أيضا أن ينكر المنكر، لا أن يدافع عنه، فقد قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110]، وقد لُعن بنو إسرائيل لأنهم تركوا الإنكار على المنكَر، وذلك كما في قوله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ، كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة:78 – 79].

ثم ألم يقل رسول الله: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [أخرجه مسلم]

خلاصة القول

بناء على ما سبق، فإن الحرية الشخصية تكون في الأفعال التي لم يحرمها الله، كاختيار تخصصك الدراسي مثلا، أو الطعام الذي تحب، أما المحرمات -كالشذوذ والمساكنة وشرب الخمر- فليس فيها تسويغ للحرية الشخصية، فالحجاب ليس حرية شخصية كما أصبح شائعا عند كثير من المسلمين للأسف، بل هو فرض من الله الحكيم العليم، وكل معصية مهما كانت فهي ليست حرية شخصية، وستعود هذه المعصية بالضرر على المجتمع والفرد عاجلا أو آجلا، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]