1

عن الشاطبي الذي أحب

منذ سنوات طويلة جدًّا اقتنيت كتاب “الموافقات” للإمام أبي إسحاق الشاطبي (ت 790 هـ)، وقد ازددت انتباهًا إليه وشغفًا به حين وجدت استشهادات شيخنا عبد المجيد الشاذلي رحمه الله به، فقد كان رحمه الله مالكي النشأة، وكان قد قرأ موافقات الشاطبي مرات عديدة وأولِع به ولعًا شديدًا، إلى درجة أنه كان يسرد بعض عباراته من الموافقات في محاضراته حفظًا.

وما زلت أذكر مدى تأثير تلك العبارات الشاطبية بالشاب الذي كنته، كان الشيخ يعالج إشكالات عصرية تتعلق بإقامة الدين وفهم الإسلام وكان يستأنس بكلام الشاطبي، فوجدت كلام الأخير كأنه سبائك من ذهب تنصبّ في عقلي وقلبي فتقربانه إلى برد اليقين، وما زلت أذكر تلك العبارة الشاطبية التي كان يصدح بها شيخنا: “الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة: بمعنى أنه لا يختص بالخطاب بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض، ولا يتحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف البتة” [الموافقات، 407]، وقد شعرت بحاجتنا إلى مثل هذا الطرح، وإلى معالجته لإشكالات نشأت مع اجتياح العلمانية – فكرًا وتشريعًا – لبلاد المسلمين.

الشاطبي ومنهج فهم القرآن

لقد أعجبني الشاطبي كثيرًا في مباحث لها علاقة بالقرآن ولغته، في سياق مناقشة بعض الشبهات المعاصرة التي تحاول الطعن بكتاب الله، فوجدته ينشئ في قلبي برد اليقين، خاصةً في كلامه عن ضرورة اتباع معهود الأمّيِّين في لسانهم لفهم الشريعة، فقد كان هذا مفتاحًا مهمّا لي في فهم الخطاب القرآني وفهم اختلاف القراءات، وكتبت في ظلال هذا المعنى مقالًا بعنوان “القرآن ليس لغة برمجة.. والإنسان ليس حاسوبًا“، كان الفضل الأكبر فيه بعد الله إلى الإمام الشاطبي.

لا ينقضي الأمر ههنا، بل كانت قراءتي للإمام الشاطبي قبل ذلك قد فتحت لي أُفقًا كبيرًا في فهم قيمة الخطاب القرآني مقارنة مع الخطاب الكلامي والمنطقي البشري من خلال إحدى القواعد التي قررها واستخدمتها في مقال آخر.

وفي هذا العام، خصصت للشاطبي فصلًا في كتاب جديد أشتغل عليه، لأني وجدته من ضمن من قدّم جهدًا مهمّا في مجال فهم الخطاب القرآني وبيان تفرّده، ولعلي أستطيع إبراز شيء من هذه الجهود العظيمة التي تركها الرجل في كتابه “الموافقات”.

كتاب الشاطبي: الموافقات

روح التجديد

صحيح أن الشاطبي لم يعلن خروجه عن مسارات المدارس التقليدية سواء في الفقه (المالكية) أو العقائد (الأشعرية)، ولكنه كان مجددًا رغم اندراجه في سلك تلك المذاهب. ودعك ممن ينقُل عنه أنه مجرّد مقلّد، فالعبرة بمضمون ما قدّم من إنتاج علمي، فستجده مجدّدًا فيه وخارجًا عن التقليد، سواء في كلامه عن البدعة وما ثار حوله في زمنه ومخالفته لمشايخ عصره، أو في إبداعه الجديد في كيفية النظر إلى الشريعة وتقسيم المسائل والنظرات العميقة التجديديّة في فهم الشريعة وأصولها، ومن يقرأ بعض بحوثه في كتاب “الموافقات” يدرك أنه أمام عبقرية فذّة ورجل فتح الله عليه فتحًا عظيمًا.

ليس كل مخالف لأهل عصره فهو مذمومُ المذهب مقدوحٌ به، بل من نظر إلى أئمة الإسلام العباقرة المجددين المشار إليهم بالبنان سيجد أنهم كانوا مخالفين لأهل عصرهم في مسائل عديدة، وانظر إلى الإمام أبي حامد الغزالي؛ حيث كتب كتابه الفريد “إحياء علوم الدين” على نمط لم يُعهَد في الكتابات التقليدية، فقد مزج ما كان مُفردًا في علوم التصوف بما بلغ الإمامة به من علوم الفقه، ليقول للناس – كما صرّح في المقدمة – هذا هو مفهوم “الفقه”، فالفقه ليس ذلك العلم الذي تدرسونه جافًّا دون أن يتطرّق إلى مسائل القلب، فإنّ دلالة لفظ الفقه تحيل إلى فقه القلب.

وذكر الإمام كذلك في مقدمة الإحياء ألفاظًا انحرف مفهومها في عصره كالفقه والتوحيد وغيرها، فهل زعم أحد أنّه مذموم بذلك؟ وقد حُرقت كتب الغزالي في أقطار من الأرض قديمًا، ووقع في أخطاء ذُمّ عليها، ولكن هل أسقطه ذلك؟

وانظر إلى الإمام ابن تيمية، فقد نابَذ علماء عصره في مسائل، وسلك مسلكًا مخالفًا للحنابلة التقليديين في مناقشاته العقائديّة والكلاميّة، ولا أقول كان (رغم ذلك) بل كان بـ(ذلك) وغيره إمامًا مجدّدًا عظيمًا، ترك بصمته الواضحة على تاريخ الفكر الإسلامي، وأسس لمدرسة ما تزال حيّة في المناقشات الفكرية والدينية المعاصرة.

وانظر إلى الإمام محمد بن إبراهيم الوزير، فرغم قلة شهرته مقارنة بالغزالي وابن تيمية، فقد كان الرجل منبوذًا في عصره من قومه الزيدية لأنه خرج عن مذهبهم، ولم يندرج مع ذلك في مذاهب أهل السنة التقليدية سواء في الفقه أو في العقائد. وقد اعتزل الرجل في جبال اليمن، وكتب في ضرورة الخروج عن منطق اليونان (الذي كانت دراسته مسألة شبه متفق عليها عند متأخري المذاهب المتصارعة في عصره) ونقد كبار أئمة أهل بلده، وانظر إلى مذهبه – رغم خروجه عن التقليد – كيف أثّر في أجيال بعده في اليمن كان لها أثرها الكبير في الفكر الإسلامي المعاصر، كمدرسة الصنعاني والشوكاني، إلى جانب أثره في بلاد الهند.

وستجد مثل هؤلاء كثيرًا من أئمة الإسلام، بل هذا هو حال معظم المجددين، لم يكونوا نمطيين في مسلكهم العلمي وفي تآليفهم، بل أسّسوا لعلوم وتفرّدوا بطرائق البحث وخطُّوا خططا جديدة. أما من اندرج ضمن مسالك السابقين ولم يضف جديدا في مفاتيح العلم وأبوابه فلم يرق إلى مراقيهم، وهذه هي طبيعة جميع العلوم.

رحم الله الإمام الشاطبي، وشكر الله من أعاد إحياءه في نفوسنا من علماء العصر، فقد جاءت لحظته التي انبعثت بها علومه لتمارس دورها في إحياء الأمة وتجديد دين الله في عقول الناس وقلوبهم، بعد أن ابتعدت الأمة عن هدايات الشريعة وسقطت قوتها الحضارية فاجتاحتها المذاهب العلمانية المختلفة وشوّهت منظومتها الفكرية والقِيميّة.