1

طوفان “الأنا” وسفينة الـ “نحن”!

انفلتت الألواح عن الدسر! .. لن نحتاج لكثير تدقيق وإمعان قبل أن نلحظ كيف أن العلاقات والأواصر بين بني آدم في طريقها  إلى الضمور والانكماش، تقف على أعتاب التآكل بعد تاريخ من الشموخ حيث كانت تشبه في قوتها  لين الحرير ومتانته على حد سواء، فالخيوط إذا ما تعاضدت وتكاثفت إلى جانب بعضها البعض اشتد بريق ألوانها وبرز، وكذا الأفراد إذا ما تراصت أقدامهم في الصف الواحد كان ذاك حالهم، لكن إذا انسل الواحد منهم تلو الآخر كثرت الثغرات، وضعف بأسهم كما تفقد الخيوط بهجة ألوانها وتبهت إذا تفرقت وتُركت لأشعة الشمس تحرقها على مهل رويدا رويدا! وشمس الأفراد، أو قل طوفان هلاكهم هو جنوحهم إلى قارب “الأنا” بعيدا عن سفينة الـ “نحن”!

وهل يخفى على كل ذي عقل ولب انصهار معانٍ شتى في رحاب الدعوة إلى: “أنا ومن بعدي الطوفان”,  فكانت هذه “الأنا” كعصا شقت حاضرنا وماضينا القريب إلى فلقين،  ولك أن تتأمل مثالًا بسيطًا دارجًا في واقع حيواتنا جميعًا، وما أصبحت عليه الأحياء والجيرة فيها، إذ غدا كل فرد لا يرقب غير حاله ومصالحه، على خلاف ما كان عليه جيل آبائنا والأمهات، فتجد أن طفل الحي ليس مسؤولية والديه فقط، وتربيته لا تتوقف حالما يجاوز عتبة البيت، بل الكل يسهم ويوجه ويقوم- بحسب مبلغه من العلم- فيبقى حس الرقابة والحياء حاضرًا في نفس هذا الطفل وإن غاب ذويه.

نعم كانت جسور الألفة ممدودة، والمسؤولية حاضرة، ومقتسمة بين الجميع، قبل أن تنقض عليها نزعة الفردانية وتزحزح على إثرها الألواح والدسر التي كانت تشكل مجموع القيم من تآزر وتراحم وتآخي وسعي لمصلحة الآخر كما النفس!

كما يثقب القطر الصخر

في المبتدأ لا ضير أن نقف عند حقيقة جلية وهي أن: “الماء لا  يثقب الصخر بالعنف-دفعة واحدة- وإنما بتوالي السقوط؛ قطرة، قطرة”، وعلى شاكلة الصخور  هي النفوس البشرية، إذ ما أصبحت عليه ليس بأمر طارئ الحدوث، بل هو نتاج تراكمي لعوامل شتى توافدت، وغيرت خطوة خطوة من معالم البناء الفردي للأشخاص، فالذي كان بالأمس لـه رعية، يًسأل عنها، نراه اليوم تحلل منها وراح يقص آثار شغفه، ويجري وراء طموحه، وما يحقق من خلاله استقلالية ذاته وإن على حساب “رعيته”، وتضخمت في النفوس “الأنـا” حتى ما عادت تقبل التوجيه والنصح إذا ما خالطه شيء من الزجر والتوبيخ، وإن جربت يأتيك الرد على عجل: “معذرة، فـأناي لا تقبل غير الطبطبة”، وغيرها كثير من المظاهر و المواقف من عقر البيت إلى رأس الشارع تشهد بتبعات هذه النزعة الفردانية المتطرفة وما أودت به.

لكن كيف وصلنا إلى هنا؟

يذهب الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله إلى القول إنه “كلما ازداد الشعور بالقوة عند الكائن الحي، نراه يميل إلى الفردية والاستقلال”

ولعل هذا ما أتاحته التكنولوجيا والعالم الرقمي وأذكته في النفس، إذ توجه الفرد إلى الاكتفاء بأن تكون له رؤيته المستقلة للحياة، واستقلاله في اتخاذ قراراته ومواقفه القائمة على المتعة والمنفعة، بمعزل عما أصبح في نظره مجرد “وصاية” من الآخرين، فتجد أن الأسرة الواحدة لم يعد يجمعها غير سقف البيت، أما الأفراد فكل منهم قد أنِس بآلة أو جهاز بين يديه، واتخذه بديلا عن الآخر! إذ أصبح كل منهم يستقي قوته مما يطرحه من أفكار على مواقع التواصل وتوافد التعليقات والإعجابات إطراءً عليه، فاستأثر بصنع مجتمع رقمي، يكون فيه هو الحاضر القوي!

إضافة إلى ارتباط النزعات القومية، والتحركات الجماعية في الأذهان والنفوس بالفشل، بدءا من الحربين العالميتين الأولى والثانية وما حصدته من أرواح، إلى واقع الثورات العربية وما أزهق فيها هي الأخرى من أنفس دون الظفر بشيء مما رمت إليه من أهداف سامية! وبذا فقدت الغايات الكبرى التي تؤطرها الجماعة قدرتها على تخليص الشخص في نظره من مآسيه ومعاناته، ومن ثم غابت وتلاشت نون الجماعة، وربَا محلها ضمير “أنا”!

وبالموازاة مع هذا فإن تنامي النزعة الاستهلاكية، وفقدان البوصلة والمعيار في ظل التضخم المادي، أودى إلى تردي قيمة الآخر بوصفه “إنسـانًا” بما يحمله من قيم ومعتقدات ومبادئ، وارتهنت مكانته بجانبه النفعي فقط كرقم من بين الأرقام! حيث ارتدى كل فرد نظارة “التشييء” للآخر في إطار البحث عن الذات، فـ”تعددت الذوات، وتفرق المجموع” إذ لا هدف موحد يربطهم. أما الإعلام من جانبه فلا يسعنا إلا القول عنه بأنه هو المحرك الضامن لاستمرار هذه النزعة الفردية، بتكريس هذا النمط من العيش-في أوساط الشباب خاصة- الذي يظلله طابع الأنانية، والسبق إلى معالي الدرجات في تحقيق الطموح! وتصويره على أنه هو الأصل السائد في المجتمع؛ فكل فرد هو سيد نفسه، والبطل الخارق الذي تنتظره البشرية جمعاء لإنقاذها “وحده، منفردا”.

هل بعد الطوفان إلا الغرق؟!

لعلك أيها القارئ سمعت بما رواه النعمـان بن البشير -رضي الله عنهما- عن الرسول عليه الصلاة والسلام في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ قال صلى الله عليه وسلم: (مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذي أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا)[صحيح البخاري].

إن النجاة ههنا لم تكن لتتحقق لو أن كل فرد من أفراد السفينة غيَّب مصلحة الجماعة، بل إن مآل الغرق الحتمي إذا تُرِكت لمن هم في الأسفل يحدثون فيها الخرق المنجي كما تصوروه! فكان حضور الحس بالمسؤولية من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو طوق الخلاص.

هذا السـَّمت والهدي القويم الذي حكمت عليه “الأنـا” -أو كادت- بالاندثار، فمثل سفينة هذا القوم كمثل المجتمع أجمع، حيث الربان هي “الشريعة”، والركاب هم العباد يتلقون تعليماتها ليشد بعضهم بعضا، وفي اللحظة التي يتخلف فيها أفرادها عن التطبيق، ويستأثر كل منهم بمصلحته، ينحرف المسير وتغرق بهم جميعا.

هذه السفينة قد تكون هي “الأسرة”، حيث أخذ ذاك الميثاق الغليظ، وانعقدت النيات والقلوب على بناء بيت إقامته هي مسؤولية الجميع، حتى إذا ما اشتدت حبائل الأزمات، ووقف ساكنيه على قارعة الفراق جيئ بحكم من أهل الزوجة وآخر من أهل الزوج يسعيان إلى ترميم العلاقية بين الزوجين وإعادة المياه إلى مجاريها؛ تبعا لمسطرة الصلح التي جاءت بها شريعة رب العالمين، حيث قال تعالى{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}[النساء، 35]، لكن لهذا الطرف الثالث بالتدخل في ظل هذا السعي الحثيث لكسر الجسور مع الآخرين، وتكثيف الجهود لرسم مضمار “واحدي” لكل فرد، فالطوفان وهلاك هذه الأسرة سيكون هو ثمرة “الأنا”. ومن ورائها هلاك الأمَّة وازدياد جراحاتها!

 اركب معنـا

في صلاتك تقف وحيدا على سجادة الصلاة، بكل ما تحمله من آمال وجراحات، ومساع وطموحات، تردد فاتحة الكتاب، حتى إذا بلغت قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم}، ذابت أناك وانصهرت في نون الـ”نحن”؛ (اهدنا) لتنفي عنك صفة الواحدية، مذكرة إياك أن الهَمّ همّ “أمة”، وأن المطلب سلعة غالية هي الجنة، والله سبحانه جعل منا خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر!  فالأرض فارت  بالفتن، وماج بعضها ببعض كطوفان   لا يرحم كل من آوى إلى  جبل “أناه”، وأعرض عن دعوة: “اركب معنا”.