1

سيرورة الحداثة والعلمنة.. من حداثة السوق إلى علمنة الحياة!

لم تكن الحداثة مجرد مرحلة زمنية عابرة، بل سيرورة جديدة يدخل فيها الإنسان في مرحلة جديدة من الوجود، حيث تغير فيها -بحسب تعبير د. هبة رؤوف عزت- “مقومات العيش الإنساني وأُعيد تعريف الزمان والمكان لتمنحهما معاني أكثر اقترانا بالرأسمالية في مراحلها المتتالية؛ وبالتالي أعادت طرح سؤال: ماذا نعني بالإنسانية وما خصائصها” [من مقدمة كتاب الحداثة السائلة]. فالحداثة لها طرفان: هدم ومن ثم بناء جديد، وأثناء هذا وذاك، ثمة حديث عن فصل شديد بين المجالات وخاصة الأخلاقية والدينية عن مجرى الحياة ومن ثم إعادة تمركز متطرف حول الإنسان فقط باعتباره مالكًا وليس مستخلَفًا، وهذا ما يمكن أن يشار إليه بالعَلْمَنة.

العلمنة .. فصلٌ مؤقّت أم مسار حياة؟

ثمة محاولات للخداع تدور دائمًا على الألسنة –خاصة في الوقت الراهن- في وسائل التواصل الاجتماعي مفادها أن العلمنة فصل للدين عن الدولة، أي أن تقف الدولة على مسافة حيادية واحدة من جميع منتسبي الأديان، وألا تفضل أحدا لسبب ديني.

لقد انتبه إلى هذه الخدعة عدد من المفكرين مبينين أن العلمنة في جوهرها فصل للقيم الأخلاقية عن الحياة، لكن أي حياة؟

اصطدم د. عبد الوهاب المسيري بالمجتمع الأمريكي الحداثي، وكان هذا دافعًا له ليحلله مقارنًا إياه بمجتمعه المصري التراحمي، فأبدع مفهومين مركزين للدلالة على حال الحداثة المقترنة بالرأسمالية، فصار لدينا (مجتمع التراحم) في مقابل (مجتمع التعاقد)، وتبرز هنا مفاهيم الرحمة والعقد كمفاهيم مركزية ومفتاحية لفهم النماذج الفكرية في كلا المجتمعين، ففي المجتمع الأول تبرز الأخلاق القائمة على الرحمة في حين أن المصالح القائمة على الاتفاقات الشديدة الوضوح والتي لا تحتمل التأويل ولا التراجع عنها هي أس القيم للرأسمالية النفعية.

الثورة الصناعية .. صعود أم انحدار؟

جوهر القيم الأخلاقية يتركز في كونها عقلًا يمنع الإنسان عن مقارفة ما يسيئُ ويدفعه للقيام بما هو واجب، وكلما زادت أخلاق امرئٍ ما زادت دائرة واجباته، فالكريم لا يكتفي بإعطاء الزكاة بل يتبعها بالصدقات نظرًا لأنه يرى أنه موكل بوظيفة مساعدة الناس، وفي هذا الإطار يمكن فهم تصرفات عدد من الصحابة وغيرهم من الذين أخرجوا نصف أموالهم أو أكثر صدقة.

غير أن الثورة الصناعية التي تحققت في عصر النهضة غيَّرت كثيرًا من المفاهيم، لقد فتحت عجلة الصناعة ودورة التصدير شهية التملك والسيطرة وكسب المال، فظهرت سرديات فلسفية تمجد من الإنسان –الغربي- وقدراته وقوته واكتفائه بذاته، وانعكست هذه الفلسفات على الواقع بشكل أفكار الرأسمالية والاستعمار واستجلاب العبيد ونشأت سرديات تمجد النجاح المادي وبدأت أسطورة تحقيق ثروات بالتخلق وساعدتها لاحقًا الدعايات والأفلام في التضخيم.

في ضوء كل هذا أعيد النظر إلى الأخلاق على أنها قوانين يحتمي الضعيف بها، ومن أجل تخفيف القيود نُظِر إلى الأخلاق –التي هي تجلٍّ حقيقي للدين في حياة الفرد– على أنها قيد يجب التخلص منه. وهكذا بات ينظَر للدين –والأخلاق بالتالي– على أنها شأن شخصي بعد أن كانت مرتكزًا جمعيًّا واجتماعيًّا.

من دكان “المعلم” إلى الشركات العابرة للقارات.

في إحدى القصص -التي قد لا تكون حقيقية وإنما تشير إلى الحالة الجمعية والمخيال الجمعي– يفِد جواسيس من جيش الأعداء إلى المدينة فيدخلون السوق متنكرين ويذهبون إلى أحد الدكاكين ليشتروا بعض الأشياء فلما اشتروا حاجتهم الأولى وأرادوا ابتياع شيئا آخر طلب منهم صاحب الدكان أن يشتروها من جاره بحجة أنه باع بعض الأشياء في حين أن جاره لم يبع شيئًا بعد، فلما أخبر الجواسيس قائدهم عدل عن فكرة غزو البلدة مبينا أن هزيمة هذا الشعب غير ممكن.

هذه الحكاية قد تكون من نسج الخيال كما أشرت لكنها مهمة لفهم المجتمع وارتباطه بالأخلاق حتى في مجال الاقتصاد، بتعبير آخر فإنه لا يمكن الحديث عن شعب متماسك دون أخلاق حاكمة حتى في المجال الاقتصادي، هذه الأخلاق كانت تُعلَّم وتنقل عبر الأجيال بواسطة (المعلم) الذي كان يعلّم (الصناع) الجانب التطبيقي مع الجانب الأخلاقي بتعبير آخر ثمة معرفة نظرية وتطبيقية تتوارث وتنقل عبر الأجيال، وفي هذا الإطار ظهرت عائلات اشتهرت بـ”شيخ الكار” الذي يمثّل رئيس الحكماء في مهنته، فهذه المعرفة كانت تنتقل وتهذّب وتشذّب، غير أن فترة الحداثة غيّرت هذا وجعلت مهمة “المعلم وشيخ الكار” في يد مدرّبي التسويق وخبراء التنمية البشرية، وثمة فرق شاسع بين “المعلم” و”المدرب” فالتدريب يحيل إلى تعليم تقني مبرمج أكثر من “المعلم” الذي يأتي من العلم بداية والاحتكاك والاستمرار والمداومة. كما تغيّرت فكرة الاتجار مع الناس من الاستفادة وبناء ثروة شخصية إلى الاحتكار العالمي والسيطرة على الموارد وتركيز الثروات في أيدي الشركات العائلية –في جوهرها- العابرة للقارات.

رحلة المعرفة من الكلية إلى الجزئية

من الكتاتيب ومدارس الأمس إلى معاهد وجامعات اليوم، هذا ما جرى في رحلة المعرفة، فالتعليم الحديث بالرغم مما حققه من قفزات فإنه في الأصل يهدف إلى تخريج جيل من الشباب المهيئين نفسيا و”معرفيا” للعمل في معامل الحداثة وشركاتها العابرة للقارات، وهو تعليم يشتغل بتطوير مهارات معينة مع إغفال مهارات أخرى، لذلك فإن علوم الرياضيات والفيزياء وغيرها أكثر حضورا فيه.

بتعبير آخر فإن التعليم في زمن الحداثة تعليم تجزيئي ولا يمكن أن يقدم تصورا كليا عن العلوم والمعرفة. لأن هذا لا يخدم “الثورة الصناعية” وما ترتبط به من الرأسمالية والعلمانية.

ثمة تصور للمعرفة قائم على الإدراك الكلي للروابط بين العلوم المختلفة، فكل العلوم تؤدي –في نهاية المطاف- إلى نقطة واحدة، فالطالب –من خلال هذا المنهج- يطّلع على كل العلوم النظرية والتطبيقية ثم يختص بواحد منه مدرِكًا لعلاقة اختصاصه ببقية العلوم، ولذلك نجد في وصف العلماء القدماء ما يلفت النظر من كونه عارفًا بالعلوم النظرية وغيرها، وخذ مثالًا على ذلك الإمام الغزالي والرازي أو الفارابي وابن سينا وابن رشد حيث كان اطلاعهم على بقية العلوم المختلفة عاملا في توازن نظرتهم وعدم وجود تصادم معرفي مفرطٍ في حياتهم، أما المعرفة الحالية فهي معرفة مبتسرة مختزلة لا تستطيع إيجاد تصور كامل وشامل للكون، ولذلك نرى إشكالات معرفية في أفكار بعض من يوصفون بأنهم (رجالات العلم) حيث وجود أي دورٍ للعلوم الإنسانية والتفكير القائم عليها إلى جانب طغيان العلم المادي وتطوره بشكل يدعو إلى القلق، فالعلم في جانب من جوانب تطوره أصبح قاتلا ومخيفا وقد بدأت أصوات تتعالى بضرورة وجود حدود أخلاقية له.

لقد أفضت هذه الحالة التعليمية التجزيئية إلى أن تظلم بعض التخصصات المعرفية بتحميلها ما لا تحتمل فيدفع بها لتقديم أجوبة عن أسئلة ليست من حدودها وهذا ما نراه في حالة (العلموية) حيث ينظَر مثل إلى الفيزياء على أنها العلم الذي يجدر به تقديم الجواب عن أسئلة كلية كبرى كونية والحال أن هذا العلم مثلًا لا يستطيع أن يجيب عن أكثر من سؤال ” كيف”، وليس “لماذا”، وشتان بين السؤالين!

قصة نقل الحياة من “نحن” إلى “أنا”!

اِلْحق شغفك واسعَ وراءه، قم بما تحب، ادرس ما تحب، عبارات قد تكون جميلة ومحفزة في ظاهرها، لكن من المحتمل أنه لو درسنا خلفياتها لرأينا شيئا مختلفًا! فالسعي وراء الشغف يُخفي وراءه حياة فردية تتنكر لمتطلبات كون الإنسان مخلوقًا اجتماعيًّا، فثمة تصور للحياة مسبق قائم على التجمع والتكافل -أو كما سماه المسيري- فهو مجتمع التراحم، وقد ظهر الآن مكانه مجتمع الحياة الفردية بتسميته الأخرى مجتمع التعاقد.

في هذا الإطار ليس على الفرد إلا القيام بما يراه مصلحة أو يحقق سعادة له وهكذا ظهر في أدبيات التحفيز والتنمية عبارات من مثل الحق بشغفك، وحقق ما تحب، وقد تخفي هذه العبارات أشياء أخرى توحي بأنه يجب عليك أن تعيش في هذه الحياة فردًا لا يبصر معاناة الآخرين، ولا يهتم بما يواجه المجتمع من تحديات مختلفة!

ناقش المسيري هذه الفردانية وأساسها المتمثل في الحرية بناء على أنه قد ‏”أصبح من الممكن إغواء الإنسان الفرد وإيهامُه بأن ما يرغبُ فيه هو قرارٌ حرٌ نابعٌ من داخله، ولكنه في الحقيقة، شاهدَ مئات الإعلانات التي ولَّدت الرغبة الذاتية، وخلقت عنده الرغبة التلقائية” [الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، عبد الوهاب المسيري]

وهنا، فإنه من المؤكد أننا لا ندعو إلى محو الإنسان لذاته على حساب الجماعة، إلا أنه في الوقت نفسه يجب ألا ينظَر إلى الحياة ضمن منظور فردي يؤدي إلى نزاعات وإشكالات تظهر آثارها التدميرية على الكون منذ الآن، فالجشع المرافق للنظرة الفردانية وحب التملك الذي سيؤدي إلى التدمير البيئي آفات نراها اليوم في كل مكان.

خلاصة

إن العلمانية المتضمنة في جوهرها لتيارات الحداثة قد ولّدت كثيرًا من الإشكالات على المستويات الوجودية والمعرفية والأخلاقية، فعلى المستوى الوجودي بات الإنسان يرى نفسه مالك الكون وليس مجرد مستخلَف فيه، وكونه مالكا يعني أن كل شيء في منظور مباحٌ، ولهذا اكتسبت العلوم التي تهيئُ له السيطرة عليه أولوية في النظام المعرفي والعلمي، وهنا نواجه مشكلة معرفية فالعلم الكلي غاب عن مناهج التعليم لحساب العلم الجزئي.

إن نصف حقيقة -كما يقال- أخطر من كذبة، فالعلم الجزئي يولد كثيرا من الإشكالات التي لن تستطيع العلوم الرياضية والفيزيائية حلها، أما على المستوى الأخلاقي، فالإنسان الاجتماعي الذي يعيش ضمن منظومة جمعية من القواعد والمعارف بدأ يغيب لحساب الإنسان الفردي الذي يميل لقضاء حياة وحده وغاب مفهوم الأسرة لحساب المعاشرات السريعة وهكذا بدأنا نرى حروبا -وإن لم تكن معلنة- بين الناس الأفراد الموجودين في مدن مدججة بأنظمة المراقبة والأمن.