1

سر فرض الصيام في شهر مدارسة القرآن

 مثل كل طفل يعيش في مجتمعات المسلمين شدَّتْني منذ الصغر بعض المظاهر الرمضانية التي لا تراها إلا في هذا الشهر المبارك لاسيما إقبال المسلمين على تلاوة القرآن، في حلقات المساجد أو في البيوت أو في المواصلات العامة، حتى الباعةُ في محلاتهم تجد البائع مع كثرة أشغاله يقتنص الدقائق الفارغة ليمسك بمصحفه ويجلس ساكنًا يتلو كتاب ربه. وكنت أتساءل مستفهمًا أو مستنكرًا لماذا فقط في رمضان؟ وكانت الإجابة الحاضرة دائمًا أن رمضان شهر ابتداء نزول القرآن لهذا من الطبيعي أن تجد هذا الاحتفال بالقرآن في شهر القرآن، زد إلى ذلك الثواب الذي ينتظره كل مسلم ومسلمة من تلاوة كل حرف في كتاب الله، أليس ذلك كافيًا أن يتسابق الناس إلى تلاوة القرآن والاستزادة منه في هذا الشهر الكريم؟!

 لكن إذا علمنا أن الله فرض الصيام على أمة الإسلام في العام الثاني من الهجرة، في حين أن نزول القرآن كان قبل ذلك بزمان طويل يقترب من أربعة عشر عامًا، فإن ذلك يؤكد لنا أن الله اختار الشهر الذي أنزل فيه القرآن ليفرض فيه الصيام! ففي سورة البقرة يقول الله تعالى: }شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ{ [البقرة: 185].

هنا ينبغي لنا أن نتساءل ما سر هذا الاختيار الإلهي؟ وما فائدة الجمع بين الصيام والقرآن في شهر واحد؟ هل يمكننا تلمّس حكمةٍ مَّا وراء ذلك؟

 من أهم فوائد ذلك -في تقديري- جمعُ أهم أدوات التغيير وأشدها تأثيرًا في النفس، حيث تتعاقب وتتجاور في مدة زمنية محدودة، حتى تكون أشد أثرًا في تهذيب النفس الإنسانية وصقلها وتغييرها إلى الأحسن عامًا بعد عام، تغييرًا يطول أمدُه ويقوى في النفس والمجتمع أثرُه.

القرآن وشهر الصيام

 وتفسير ذلك أن الإنسان إذا ارتكب ما يضره في دينه أو في دنياه من أمر حقير أو خطير فإنما يفعله لواحد من سببين: إما أنه يجهل طبيعة ما فعل وعاقبته، أو أنه خائر العزم أمامه مسلوب الإرادة في مواجهته.

فالإثم الديني أو الخطأ الدنيوي ينشأ إذن عن نوعين من الضعف: ضعف معرفة أو ضعف إرادة، وانفراد أحدهما كافٍ للوقوع في الخطأ، وقد يجتمع السببان فيكون الأمر أخطر والعلاج أصعب!

 وقد جمع الله في رمضان ما يعالج الأمرين معًا، فتلاوة القرآن تعالج الضعف المعرفي، والصيام يعالج ضعف العزم والإرادة والنكوص عن الاستمرار حتى التمام.

 لذلك كان من سنته صلى الله عليه وسلم مدارسة القرآن كل ليلة من ليالي الشهر الكريم مع جبريل -عليه السلام- ففي صحيح البخاري تقول السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أباها أسرَّ إليها (أنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي القُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي). [صحيح البخاري، رقم: 3624]

 هذه المعارضة هي التي سماها ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ مُدَارَسَة. ‏قَالَ عنها: (‏كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ ‏جِبْرِيلُ،‏ ‏وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ اللَّهِ ‏صلى الله عليه وسلم ‏أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ ‏ ‏الْمُرْسَلَةِ). [صحيح البخاري، رقم: 6]

 والمدارسة لا تعني مجرد التلاوة بل تعني كذلك التفهّم والتدبّر والمراجعة للحفظ والتثبّت من التأويل. وهذا للبديهة يثبت خطأ ما يفعله كثير من المسلمين اليوم إذا جاء رمضان، فيكون همُّ أحدهم أن يجيب عن سؤال: كم ختمة تلوت؟ وليس كم آية فهمت؟! فهي تلاوة حروف وكلمات وليست مدارسة معان وعظات.

إن المدارَسة لكتاب الله ولو كانت مرة واحدة في الشهر كله تورث المعرفة الحقة والعلم النافع، فما بالك إذا كانت مع عالم متخصص أو فقيهٍ متبحر! بهذه المدارسة المتعمقة يخطو الإنسان خطوة واسعة في سبيل التغيير نحو الأفضل، إذ المعرفة هي أول خطوة في تاريخ التغيير الطويل الشاق، وإلا فالجاهل متخبط لا يعرف أين يقف ولا يدري أين ينبغي أن يكون!

إرادة التغيير

 ثم تأتي الخطوة الثانية وهي تقوية الإرادة وشحذ العزيمة، فالتغيير الواعي الهادف ليس شيئًا سهلًا فهو يتطلب تغييرَ قناعات استقرت في الذهن، وهجرَ عادات تطبّعت بها النفس، ويتطلّب مفارقة أصدقاء الضلالة، والقطيعة بينك وبين أخلّاء الغواية، بل قد يتطلّب ما هو أخطر من ذلك من هجر البلدان ومفارقة الأوطان.

 إنك في رحلة تغيير كهذه تصعد ضدّ الجاذبية لا تهبط موافقًا لها؛ ولذلك كان الصيام.

إنه الوسيلة الأوثق التي ستصحبك في الجزء الثاني من الرحلة يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام، إنه الدواء الناجع لضعف الإرادة وخوَر العزيمة وتذبذب النية.

  إنه ليس امتناعًا عن الطعام والشراب والشهوة فقط، بل إنه حفظ الأوقات ومخالفة العادات ومراقبة الخلوات. إنه رقابة ذاتية على كل خلجة من خلجات النفس وخطرة من خطرات الفكر وعلى كل حركة من حركات الجوارح.

 هذه الرقابة وهذا الانضباط يستمر يوميًّا ساعات طوال تصل في بعض البلدان إلى ثمان عشرة ساعة أو تزيد، ثم تتكررهذه الرقابة الصارمة طيلة ثلاثين يومًا هي أيام الشهر المبارك، إذا أحسن المسلم استغلالها وفهم المعنى الحقيقي للصوم فيها، فبأي إرادة ماضية يخرج بها من شهر كهذا!

في مقال بعنوان: كم تحتاج من الوقت لتغيير عادةٍ مَّا ـ العلم يخبرك ـ (How Long Does It Take to Break a Habit? Science Will Tell You)، وهو منشور بالإنجليزية على موقع Lifehack يقول الكاتب ما ملخصه:

تنشأ العادة من عملية تتألف من التحفيز والفعل والمكافأة. والزمن اللازم لتكوين العادة الجديدة يستغرق واحدًا أو ثمانية وعشرين يومًا أو شهرًا أو اثني عشر أسبوعًا. ثم يخلص إلى قول مستخلص من إحدى الدراسات يؤكد أن العادات تتفاوت في المدة اللازمة لتغييرها واستبدال أخرى بها، وأن المدة تتراوح بين 18 إلى 254 يومًا، على حسَب تأصل العادة في الإنسان ومدى صلابة إرادته وعزيمته ثم قوة العوامل المحفزة له على تغييرها. ( 1)

فرصة لا تعوّض

في رمضان نجد العوامل الثلاثة ـ بل وأكثر منها ـ مجتمعة: التحفيز والفعل والمكافأة. وزيادة على ذلك الوعي والمعرفة التي ينبغي أن تسبق كل فعل وذلك بمدارسة القرآن. وفيه المحفّز الدنيوي والأخروي، فهذه جموع المسلمين تصوم معًا وتفطِر معًا، إذا دعاه أحدهم إلى معصية أو عامله بسوء خلق قال له بسهولة ويسر شديدين: إني صائم. 

ثم فيه من الإحسان ما يسد حاجة المحتاج فهو خير انطلاقة لشحيح الموارد وقليل ذات اليد للارتقاء في الدين والدنيا معًا! وفي رمضان يوجد الفعل والعمل أيضًا وهما هنا التعبّد لله بالصيام بما تشتمل عليه من جميل الآداب وكريم الخصال. وفي رمضان أيضًا توجد المكافأة وأَعْظِمْ بها من مكافأة! فهي فرحة عند الفطر وفرحة عند لقاء الرب، وهو باب الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، وهو ثواب هائل لا يعلم عظمه إلا الله فالصيام له سبحانه وهو يجزي به.

 فانظر من عاداتك أشدَّها إرهاقًا لكاهلك وتأثيرًا على حاضرك ومستقبلك واعزم على تغييرها لأفضل منها الآن، نعم الآن، فهذا أوان ذلك!

 أعدَّ برنامجك الرمضاني واجعل فيه مدارسة القرآن ليلًا عادة لك فهذه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، مع عالم مُجيد إن استطعت، أو مع صديقك، أو أهل بيتك، أو وحدَك ليكون أنيسُك فقط كتاب الله ففيه كل الخير.

وحاول أن تستخلص درسًا عمليًّا تطبقه نهارًا حتى تكون ممن إذا علموا عملوا، واعزم على ذلك حتى ختام الشهر الكريم لتتكون لديك –كذلك- عادات عديدة عميقة الأثر في النفس والحياة، منها حسن التعامل مع كتاب الله والحرص على فهمه لا مجرد تلاوته، ثم عادة الانتفاع بالمعرفة وتحويلها إلى عمل نافع، ثم أمورًا لا تحصيها يصلِحُها القرآن في نفسك وقلبك وحياتك وواقعك، ويشد الصيام في سبيل ذلك من أزرك، فتقوى على مواصلة الطريق إلى هدفك المنشود مهما كثرت في سبيل ذلك المعوقات وتكاثرت العقبات. 


الهوامش:

انظر المقال كاملًا على الرابط التالي:

www.lifehack.org/667495/how-long-does-it-take-to-break-a-habit