1

ساعة التغيير

جميعُنا يبحث عن التغيير نحو الأفضل، فلا نعلم إنسانًا يبحث عن تغيير حياته نحو التردّي والضعف، وإنما نحو الصعود والقوّة، إلا أن شروط التغيير كثيرة، منها ما يكون عامًّا لكل الناس كالعزم الداخلي، والصبر على المحن، والثبات على الطريق، ومنها ما يزيد لدى المؤمن عن غيره، ألا وهو التمسك بهدي الله، والالتزام بأمره وشرعه..

لقد صوّر لنا العلماء المسلمون حقيقة التغيير، ووصفوا ساعته، وذكروا خطواته، فيكف بك حينما تقرأ كلام الإمام ابن القيم في صيد الخاطر حين يقول:

“وأيُّ عيشٍ لمن ساكَن الكسل، إذا رأى أقرانهُ قد برزوا في العلم وهو جاهل، أو استغنَوا بالتجارة وهو فقير، هل يبقى للالتذاذ بالكسل والراحة معنى؟ ولو تفكّر الزاني في الأُحدوثة عنه، أو تصوَّر أخذَ الحدِّ منه، لكفَّ كَفَّه، غير أنّه يرى لذّةً حاضرةً كأنها لَمْعُ برقٍ، ويا لشؤم ما أعقبَتْ من طول الأسى، وهذا كله في العاجل. فأما الآجل فمنغصة العذاب دائمة.” [صيد الخاطر: 238]

قد تقرأُ نصًّا كهذا فيكون كالشُعلة التي تعطيك الهمة العالية لتبدأ، فتهبّ لتأخُذ قراراً حاسماً بأن تقطع معصيةً ما أو إدماناً ما، هذه الهمة اللحظيّة تدفعك للبدء، لكنك حينما تبدأ، تُدركُ أنَّ الصوابَ صعب، وأنَّ لذة الصواب لا تأتيك لحظة التوجّه للتغيير، وإنّما حين تقطف ثمرة التغيير الذي يكون بعد رحلة لا تُعْلَم مُدتها، فتكون ساعة التغيير خطوتها الأولى فحسب.

التغيير بين هوى النفس ورِضا الله
قد تسوُّل لك نفسك مِراراً أن تتوقف، وربما تأتيكَ أعراض نفسية شديدة تمنعك، فالنفس التي تعوّدت على تلبية رغبات وتنفيذ شهواتها سرعان ما تبدأُ بالنزاع مع صاحبها، على أن ذلك لا يكفي، إذ يأتيك الشيطان من أبوابٍ عديدة محاولاً منعك من استكمال الطريق، بل ربما يحاول منعك من المضيّ فيه أحدُ الأشخاص القريبين منك.

ليس ذلك ما قد يواجهك، فالغربة ستكون في دربك، وستعاني –حتماً- من الألَم بقدرِ تعلُّقك بالعادة أو الذنب الذي تركته، فكُلما كان التعلُّق أشد كان الانتزاع أشد ألماً، وهذا من البلاء، أتُراكَ تستمر في مجاهدة هواك؟ أم أنّك ستُعلن استسلامك؟

قد تكون مُدمناً لموقعٍ افتراضيٍّ ما، أو أسيراً لإحدى الألعاب الإلكترونيّة، وحينها؛ فإن قرارك بالتغيير سيلقى تيّاراً قويًّا يسبح بالاتجاه المُعاكس لعزمك ونيّتك.

سترى إخوانك وأصدقاءك وكل من حولك لا يرفعون عيونهم عن أجهزتهم، وأنت وحدك قد رفعت رأسك، ها نحن نهمس لك: “وحدك الآن تقاوم، والكُلُّ من حولك لا يأبهون بل ربما يدعونك للعودة، ويرون فعلك خروجًا عن المألوف، وقد يصفونك بألفاظٍ تزيدُ من غُربتِك، لكن هل ذاك سببٌ مقنعٌ لتعود؟.

هبْ أنك قررت تخفيف سلوك غِذائي معيّن بعدما سمعتَ قول النبي صلى الله عليه وسلم “ما ملأ آدمي وعاءً شراً من بطنه” حينها سترى بعد أيام من مضيّك في هذا الطريق تلهُّفًا لتناول ما تشتهيه نفسك، سترى تيّاراً قويًّا من إعلانات الطعام والوجبات السريعة يغريك بترك قرارك.. حينها صبرك قد يزيد من غُربتك.

إن حاولت ترك أيّ إدمان، كإدمان التدخين أو المشاهد المُحرمة، فستظهر لك في الطريق أعراض انسحاب صعبة، ستزيد من حِدّة الألم، فقد عودتَ نفسك وجسدك على تحصيل اللذة من خلال هذه الأمور، وليس من السهل تحصيل هذه اللذة عن طريق أمورٍ أُخرى لا تؤذيك.

العادات وطريق التغيير
كل ما تقدّم من أمثلة، إنما هي جزء من العادات التي يعتادها الناس ويألفونها، وقد أصبحت عندهم أشبه بالمُسلمات، فكُل من خرج عنها كان غريباً، ومن ثم فإن رفض الإنسان للتغيير عائد لتعلّقه بالدنيا والبشر وغيرها من علائق القلب التي تمنع الإنسان من السير في الطريق إلى الله.

طريق التغيير يبدأ بالعمل على استئصال السوء كاستئصال الأورام، وهي عمليّة مؤلمةٌ بقدرِ تفشّي الوَرَم في الجسد وكان المرض، و بقدرِ طول الغفلة تكون مُدة العلاج، إنها رِحلة طويلة تجدها وأنت تخوضها أصعبَ مما قد توقعته في لحظة الهمة الأولى، فهي ملأى بالعَقبات، مظلمة كالنفقِ الذي لا زلت تسيرُ فيه بحثاً عن النور في آخره، ولعلك في سيرك تقرر الرجوع، إلا أن رجوعك ضارٌ لك أكثر من استمرارك، فما يكون عليك سوى أن تتحلى بالصبر مُدركاً بأنّه من ترك شيئاً لله أعاضه خيراً منه، وأن تتذكر أنّك بتوبتك و صبرك على مفارقة الذنب قد تبلغ مقاماً عالياً عند الله تعالى، “فحين خلق الله آدم و أمر الملائكة بالسجود له ظهر فضله و شرفه عليهم بالعلم و المعرفة، فلما وقع في الذنب ظنت الملائكة أنّ ذلك الفضل قد نُسِخ ورُفِع، ولم تطلّع على عبوديّة التوبة الكامنة، فلما تاب إلى ربه، وأتى بتلك العبودية، علمت الملائكة أنّ لله في خلقه سراً لا يعلمه سواه” [الفوائد: 64].

فإن صَبر استحالت لذة
بعد طريقٍ طويل من المُداواة، تُزيح ذنباً وتضعُ مكانه طاعة، تزيح عادةً سيئة وتضع مكانها عادةً حَسنَة، تسقطُ مرةً ثم تعاود القيام فيغلبُ قيامك سقوطك، وقد دعوت الله كثيراً أثناء رحلتك، تسألهُ الثبات والصبر تارةً، وتارةً تسألُه العَوضَ الجميل، مُدركاً ومُتيقِناً أنّ الله قد رأى سَعيك وأنّهُ سيسألك عن السعي لا عن النتيجة، مستمراً في السير في النفق المظلم الذي لا زلت لا تستطيع رؤية النورِ في آخره، في تلك اللحظات، يأتيكَ عوض الله بأنواعٍ مُختلفة.

هلمّ اقرأ معي هذه المقتطفات، لترى فيها نسمة الأمل والعمل، ” فما ابتلى الله سبحانه عبده المؤمن بمحبة الشهوات والمعاصي و ميل نفسه إليها إلا ليسوقه بها إلى محبة ما هو أفضل منها، و خير له و أنفع و أدوم، و ليجاهد نفسه على تركها له سبحانه، فتورثه تلك المجاهدة الوصول إلى المحبوب الأعلى”، “فإنّما يجد المشقّةَ في ترك المألوفات و العوائد من تركها لغير الله، فأما من تركها صادقاً مخلصاً من قلبه لله فإنه لا يجد في تركها مشقةً إلا في أوّل وهلة ليُمتحن أصادقٌ هو في تركها أم كاذب؟ فإن صبر على تلك المشقة قليلاً استحالت لذة. وقد قال ابن سيرين: سمعت شريحاً يحلف بالله ما ترك عبدٌ لله شيئاً فَوَجَدَ فَقْدَه”، و”من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه”، والعوض أنواعٌ مختلفة، و”أَجَلُّ ما يعوّض به الأُنس بالله ومحبته، وطمأنينة القلب به، وقوّته ونشاطه وفرحه و رضاه عن ربه تعالى” [الفوائد: 106,107,109].

حينما نقرأ نصًّا كهذا تسقط أمامنا اللذات المؤقتة، و نبدأُ رحلةً في السعي لهذه اللذات الدائمة، فلطالما سمعنا عن الجنتين، جنة الدنيا و جنة الآخرة، فالجنة التي في القلب لا تتأتى بالتمني ولا بالسير خلف الشهوات، ولا بالعَجلة في تحصيل النتيجة بعد ترك الشهوات، وإنّما الطريق نحوها بحاجةٍ إلى تخليةٍ و تحليةٍ دائمة لا تنقطع، وكلها لها أدويةٌ نستخلصها من الوحي دون أن نضطر في أغلب الأحيان للجوء إلى العلوم الغربيّة، ولا إلى كُتب التنمية، فغاية ما يريدونه هو سعادة الإنسان في عالمٍ لا تحكمه قِيَمٌ ولا يحكمُه إله، وما نريده نحن أسمى بكثير، إذ نتطلّع إلى غاياتٍ عُليا، ونُهذّب أنفُسنا و نُزكّيها للوصول إلى رضا الله تعالى عنّا، وكلما كان الدافع والغاية أعظم، ارتفعت الهمة أكثر، وزاد صبرُ الإنسان على عَقباتِ رحلة التغيير.

 إن وُجِدَ المعنى ووُجدَ الدافع وعرفنا الداء والدواء، فلا يبقى أمامنا خيارٌ إلّا أن نبدأ ونخوضَ الرحلة ونسعى للفوزِ بالعوضِ الجميل في الدنيا والآخرة، “فإذا رأيتَ تثبيطاً من الباطن فاستغث بعون اللطف، وتنبّه في الأسحار، لعلّك تتلمّح ركب الأرباح، وتعلّق على قطار المستغفرين ولو خطوات، وانزل في رباع المجتهدين ولو منزلاً، أيّ منزل.” [صيد الخاطر: 251].