1

رويدا رويدا.. لا تنصدم حضاريا!

لا شك أن الإنسان أياً كان جنسه أو بيئته أو انتماؤه يَنشُد العيش في مجتمع تكون القيم الحضارية فيه من عدالة وحرية وكرامة للإنسان محميةً مرعيةً لها مركزيتها وأولويتها في الدائرة التي يعيشها، إضافة إلى تطلّعه الدائم لحياة أفضل وظروف معيشة مريحة ونمط منظّم.

ولعل جميعنا من المعجبين أشد الإعجاب بكل قيمة حضارية مطبقة أو تقدم تقني حاصل وصل إليه من كان، أينما كان، وليس هدف الكلام -في هذا المقال- إنكار أو تبخيس النموذج الحضاري الذي يتصدر المشهد في العصر الحديث، إنما يستعرض سريعاً ما قد يجنّبنا التسرع في الحكم على الحالة الحضارية التي يقدمها منسوبوها على أنها النموذج الأمثل للعيش.

لا شك بالإطار العام أن الدول التي يطلق عليها وصف (العالم المتحضر) في هذا العصر يقدمون القِيم -كالعدالة والحرية والكرامة الإنسانية والسعي المستمر للحياة الأفضل- على أنّها أهم أولوياتهم، لكن مع غض النظر عن تفنيد المعنى المتصور عندهم للقيمة الحضارية أو حدود تطبيقها التي قد تنفلت أحيانا من ضوابط عقلية وأخلاقية محددة، أو أولويات تطبيقها التي قد تَضعُف في العديد من القضايا، خاصة عندما تتعلق بأفراد من المناطق البعيدة عن مراكز التحضر! -وأقصد المعنى العملي للكلمة وليس المعنى القاموسي المدون في تنظيراتهم وفلسفاتهم-.

بغض النظر عن ذلك كله، فإن علينا التحري أكثر عن هذه الحضارة التي تصدم زوّارها حتى لا يكاد إنسان يخلو من لوثة “الانصدام” إلا القليل ممن نظروا ملياً وتمهّلوا قبل أن يعاجلهم الانبهار فيصوغ نظرتهم ونظريتهم حول الحضارة والتحضر!

مرض الصدمة الحضارية

بدايةً إن أهم ما ينبغي التركيز عليه حول الحاصل عند مصدومي الحضارة أن تقييم الحالة الحضارية عندهم ينطلق من تحسس الحلقة الزمانية الأقرب إلينا في تجربة الحضارة الغربية، ثم يضربون صفحاً عن سياقها التاريخي وحلقاتها السابقة التي ضحى فيها الإنسان “المتحضر” بقدر متزايد من القيم، يتناسب طرداً مع حجم المكاسب والمغانم التي سيحصل عيها في تلك البلاد التي قصدها احتلالاً واستغلالاً ونهباً لثرواتها ومقدراتها، فكانت الحملات والحروب العسكرية المباشرة، ثم تبعتها حروب الوكالة ودعم الديكتاتوريات والأنظمة القمعية مع تأمين الغطاء العسكري والاقتصادي والسياسي لمستلزمات هذه الحروب حسب متطلباتها، والأمثلة أكثر من أن تذكر في هذا السياق وهي لا تبدأ بإبادة السكان الأصليين في طرفي العالم المعاصر.

مروراً بأفعال وسياسات الأنظمة الغربية المعاصرة في القرن المنصرم، مما أفاض به على سبيل المثال الكاتب البريطاني المعروف روبرت فيسك لما عاصره بنفسه من أحداث في مجلداته الثلاثة التي جمعها في كتابه (الحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة) والتي يعبر عنوانه عن مضمونه بشكل جليّ، وليس انتهاءً بما شهدناه بأعيننا في السنوات العشر الأخيرة من ازدواجية فظَّة مارستها الدول المتحضرة في ملفات منطقتنا الساخنة.

يظن مرضى الصدمة الحضارية أن المنتَج الحضاري حكرٌ على الدول الموسومة بالتحضر وكأن خامة عقول أبناء المجتمعات الحضارية تفوق نظيراتها في المجتمعات الخارجة عن هذا التصنيف!

ماهية المنتَج الحضاري

إن المنتج الحضاري في كل حضارة سائدة أو بائدة هو منتَج العقل الإنساني بعمومه عبر الحضارات المتناوبة، وهو تراكم لما أنتجته الحضارة الإنسانية على مر العصور، فهو لا يحمل ختم البقعة الجغرافية المنتجة له وإنما يحمل ختم الإنسان المعمَر آلاف السنين على اختلاف هويته ولونه وتنقلاته!.

ألا نرى أن مراكز البحث حول العالم تمثل نماذج لافتة لاجتماع العقول والأعراق والانتماءات والثقافات تحت سقف واحد؟ فمراكز البحث الكبرى ومصانع المادة الحضارية من علوم إنسانية أو تقنية أو ثقافية …إلخ المتمركزة في الدول المتقدمة ليست إلا حاضنةً لهذه العقول ومراكز استقطاب لها من شتى بلدان العالم المتحضر والنامي على حد سواء، ويُبذل في سبيل ذلك الاستقطاب ما تجاوز في حالات شتى السعي لاستقدامهم أو الاحتفاظ بهم بل تعداه لتصفيتهم عند إصرارهم على عودتهم إلى بلدانهم التي تقع خارج دائرة العالم المتحضر!

لعل غياب البديل الحضاري أو السعي لتغييبه وتشويهه في عصر العولمة والقطب الواحد قطع الطريق على عقد المقارنة بين نموذجين مختلفين لإدارة المجتمع البشري بحيث تُظهر لنا هذه المقارنة عَوَرَ أو تميز أي من النموذجين على حساب الآخر، بل أخذ بعض مرضى الصدمة الحضارية بسذاجة استحضار قوالبٍ من الماضي ثم إسقاطها على معطيات حياتية محدثة فوجد أن هذه القوالب لا تستطيع التعامل مع المستجدات! فخَلَصَ إلى أنه لا شيء يصلح لإدارة العالم سوى الطرح الحالي! وهذا قصور في النظر من عدة زوايا نحتاج شرحه في غير هذا السياق.

لا شك أن مسحة الإعجاب التي تمس زوار الدول المتحضرة لها ما يبررها، وحقٌ هو إبداء الإعجاب بكل ما هو حضاري، لكن الذي لا نجد له مبرراً عند البعض استفحال الحالة المَرضية حتى تتجاوزَ به الإعجابَ بمظاهر التحضر التي يعيشها إلى نسف التجارب الحضارية السالفة وقد تجلّت فيها القيم الحضارية بأبهى معانيها وأعظم تطبيقاتها وشهد بذلك أعلامٌ من رواد الحضارة التي أخذت بلبِّ الرجل، وذلك فقط لأن صاحبنا انتقى -مع اطلاعه الضحل على التاريخ- مشاهد مسيئة وأحداث مشينة مرت بها تلك الحقب، وهي التي تكاد لا تخلو منها تجربة إنسانية.

ولو أنه كال التجربتين بنفس المكيال لعادت عافيته إليه ووضع الأمور في نصابها الحقيقي. ولكنه انتقى من مشاهداته السطحية لصور التحضر أفضلها وجعلها معبرة عن التجربة الحضارية الحالية ناطقة باسمها! ثم انتقى من اطلاعاته التاريخية المحدودة أسوأ الصور وجعلها معبرة عن تلك المرحلة ناطقة باسمها!

ختام القول

ليس الكلام السابق تبخيسًا لتطور حاصل وتقدم ملموس في مجالات شتى فيما يسمى بـ (العالم المتحضر) ولكنه دعوة للتحرر من هذه النظرة الأنانية والتي تتبلور من منطلق أن الحضارة الحالية جعلت حياتنا أكثر سهولة وأكثر رفاهاً، كالمأخوذ بجمال قَصرٍ يقطنه؛ إذ فيه من الرفاهيات والـمُشتهيات ما يُنسيه النظر في مقدمات إشادته: كيف؟ وأين؟ ومن أين؟

إنه اجتزاءٌ للمربع الجميل من الصورة المركبة ثم إطلاق الحكم على كامل الصورة!