ران العصر

أضحت ظاهرة الفضول المعرفي شائعة هذه الأيام بين مختلف الفئات والأعمار، خاصّةً الشباب والمراهقين منهم، يدعمهم فيها الفضاء الإلكتروني الشاسع الخالي من كل رقيب وعتيد، مما سهّل عليهم الغوص فيها والبحث عن كلّ ما يدور في خلدهم، وقد كان هذا الأمر سببًا في هذا النوع الجديد الملاحظ من الران على القلب والعقل، فلم يعد يقتصر على ما سبق في الأذهان منه، بل صار أخطر وأشدّ أثرًا، فهو طريق الردة، بل وربما الانتحار.

إنه من المحزن أن تكون طاقات الشباب في عمر الزهور، كالدبابير التي تسعى لخراب أعمارها وأعمالها، فلا يعرف المرءُ منهم أي شي عن العلم الشرعي، ويوم ترد على قلبه شبهة يستسلم لها ويرتد إلى الطرف الآخر كأنه مريضٌ نشط من عقاله، فهو لا يذهب لمعرفة أصلها والردود عليها في الكتب الإسلامية قديمها وحديثها مما فنيت فيها الأعمار والأفكار في توضيحها، بل يذهب للبحث عن الشبهة في حد ذاتها ليجد الكثير من المتأبلسين يؤكدونها ويزينونها له، وعوضاً عن رد الشبهة نراه قد وضع في جعبته مئات الشبهات التي تجرّه للنفور من الإسلام رويدًا رويدًا، فلا هو نال حلّ الإشكال ولا الراحة منه، بل زاد عقله الطنين وغلّف قلبه ران العصر! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الران بين الماضي والحاضر

يقول رب العزة ﷻ ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:14] يقول مجاهد في تفسيره للآية: “هو الرجل يذنب الذنب، فيحيط الذنب بقلبه، ثم يذنب الذنب فيحيط الذنب بقلبه، حتى تغشى الذنوب قلبه” ويروي الطبري في تفسيره عن مجاهد أيضًا قوله في شرح الران: “القلب مثل الكهف ورفع كفه، فإذا أذنب العبد الذنب انقبض، وضم إصبعه، فإذا أذنب الذنب انقبض، وضم أخرى، حتى يضم أصابعه كلها، ثم يطبع على قلبه. قال: وكانوا يرون أن ذلك هو الرين”

فكما هو واضح من هذا النقل عن معنى “الران” أنه كان عاماً لكل المعاصي التي يعتاد الإنسان ارتكابها في حياته، ومنها إلف الحرام والاعتياد عليه، وتتبُّعه الذي استحدث في عصرنا هذا، فإن المعاصي تنال بالكسب وربما بدون دراية من صاحبها كالغيبة والنميمة، حتى يستغفر إذا درى، أما الآن فقد تضمنت أشكالا مستحدثة منها الذي يخصنا في موضع البحث وهو إلف المعصية وطلبها وتتبّعها، مع سبق العلم بأنه طريق المهالك، فاستجدّ هتْكُ المحارم التى حذرنا الرسول ﷺ منها في حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حين  قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ -وأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: (إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وهِيَ الْقَلْبُ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فالقلب هو بيت القصد فأيُّما عبد استعان بالله على صلاحه هداه الله وأعانه بإخلاص النية لله تعالى..

لم يعد الأمر يقتصر على القلوب بل صار أقوى لتشتيت العقل وهدم الهوية حتى أصبح يدافع عن الباطل ويستمال فيه مع داء الكبر والاعتزاز بـ “خالف تُعرَف”، فالباحث عن الحقيقة كما يزعمون بشعاراتهم الجذابة  الرنانة حينما تقع الشبهة عليه، يذهب مدفوعا بشعارات العصر – مثل أن الباحث والمثقف هو الرجل أو المرأة العصريين والمتحررين وغير ذلك-، إلى البحث عن أجوبتها في الانترنت وفي وسائل التواصل الاجتماعي فيزداد الران وتتعاقب الشبهات على قلبه ويظن أن الأمر عادي ويعبر بأنه يستطيع التفريق بين ما هو حق وباطل ولن ترد عليه الشبهة مدفوعا بحماس الشباب و لكن للأسف فإن انطلاقه خاطئ، وبالقياس “بالماء، فإذا كنت سباحا ماهرا فستنجو، و إذا كنت غير ذلك فستغرق و لو في بركة صغيرة و بأقل شبهة” [د. إياد قنيبي].

 

فإن الشبهات كالمستنقع ولن نقول بأنه لم يكن في الماضي شبهات أو حتى ملحدون لكن الأمر لم يكن بكل هذه البساطة والسهولة فهذه الموجة قديمة حديثة؛ قديمة في اشكالاتها ومواردها، حديثة في طرقها وأساليبها وسُبل نشرها.

وكثير من الواقعين في شباكها من الكوادر العلمية الذين اغتروا بالعلم الطبيعي وبما وصلوا إليه ويرون غيرهم في مرتبة الدون لا يصلون بعقولهم لما هم توصلوا إليه وهم وإن لم يصل الكثير منهم للإلحاد -برغم تهويل أرقامه- إلا أنهم مازال في نفوسهم حاجة مما ران على قلوبهم إلا من سلك طريق الحق مع درء الكبر والمعارضة والتشكيك، فيعيشون في قلق وهروب واضطرابات ويحكمون أن كل ما كتب وألف في الدفاع عن الشبهات تافه ولا يجدون فيه ضالتهم، فيشبعون نهمهم المتشكّك بكتب المستشرقين والمفكرين الرافضين لتعاليم الإسلام، ليؤكدوا لأنفسهم أنهم على حق في شبهاتهم، وهناك من يوافقهم أو يقولون لا نجد أحدًا يجيبنا، أو إن طلاب العلم الشرعي والعلماء تقليديون ورجعيون ويفتون بغير علم.. إلى غير ذلك من أوهام عقولهم الموسومة.

نسوا بانفتاحهم المشبوه هذا دون أساس ديني أو سند عقائدي يتكئون عليه -غير مسلم بالبطاقة- أحاديث الرسول المحذرة من إدمان الشبهات وإلف المحرمات، وأن الحرام يصبح سهلًا، ومعه كذلك ما يخالف الفطرة ويدعو لكل أمر شاذ..

عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال (إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتت في قلبِهِ نُكْتةٌ سوداءُ، فإذا هوَ نزعَ واستَغفرَ وتابَ سُقِلَ قلبُهُ، وإن عادَ زيدَ فيها حتَّى تعلوَ قلبَهُ، وَهوَ الرَّانُ الَّذي ذَكَرَ اللَّه كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [رواه الترمذي في صحيحه وإسناده حسن صحيح].

نكتت عقولهم مثل قلوبهم ولكنهم لا يرجعون، فكان الوارد الجديد هو النَّكْتُ العقلي، فلا هو يفهم ولا يريد أن يفهم، وإن جادله أو حاوره أعلم الخلق تراه ينظر إليه من برج عالٍ، ويتكلم بالسفسطة، فعقله نُكت حتى غُلف فصار كمن يحمل أسفارًا دون أن يدرك ما فيها، كما في قوله عز وجل ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[الأعراف:179].

هل من سبيل للخلاص؟

من الإجحاف القول بأن هذه الحالات هي الغالبة والعامة لشباب المسلمين فهذا من باب التهويل المفرط ولكن بحسب الدراسات فإنه من بين 6.4 مليار نسمة في العالم وصل عدد الذين لا يؤمنون بدين معيّن قرابة 1.1 مليار -بحسب مركز بيو للأبحاث- والمتحولون إلى اللادينية بين المسلمين هم الأقل نسبةً مقارنة بغيرهم من الأديان، مع احتمال وجود أعداد تتكتم عن هذه الميول خوفًا من التصريح بذلك فالإحصائيات في الوطن العربي غير منضبطة عمومًا؛ والموجة قد استقر عددها هذه الأيام.

وهنا لن نقول إن الشبهات نتاج العصر الحديث فقط، وأن الساعون إلى النجاة هم أهل هذا الزمن فقط، فالأمر لم يسلم منه حتى بعض صحابة رسول ﷺ فقد (جاءهُ ناسٌ من أصحابه فقالوا: يا رسولَ اللهِ! نجدُ في أنفسِنا الشيءَ نعظِّم أن نتكلَّم به –أو الكلامَ به– ما نحبُّ أنّ لنا، وأنّا تكلّمْنا به، قال: أو قد وجدتموه؟ قالوا: نعم! فقال: ذاك صريحُ الإيمانِ) [رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

فهذا حال غالب أصحاب القلوب لم يسلم منه أحد قل أم كثر حتى إن لم يجد الشيطان له سبيلا ذهب للوسوسة، ولكن الفرق أنهم طلبوا المعنى الصحيح من رسول الله، وستروا أنفسهم فسترهم الله ولم يماروا أو يبارزوا الله وعباده بالشبهات المبعوثة من بين الرفات كما يفعل مفسدو هذا العصر من خلال كافة الوسائل الممنهجة وغيرها فحقّ عليهم قول الله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾[الصف:8].

وبمبدأ الوقاية خير من العلاج وجب إظهار الخطر والتحذير منه قبل استفحال خطره أكثر من ذلك، حتى لا نقع فيما وقع فيه أسلافنا في عصر الترجمة للعلوم اليونانية ونقل التراث الفلسفي للأمم الأخرى بما فيه من انحرافات وعقائد باطلة وانكباب الخلق عليه مما أحدث فتنة عظيمة، فلكل علم أهله، وما أشبه اليوم بالبارحة، فلا بدّ من تعلم أخطاء الماضي ومعالجة المسائل بطرق جديدة مستقيمة بجهود مجتمعية أو حتى فردية..

أما في طلب الوقاية والهداية فعلى الدعاة وعلماء الشريعة العبء الأكبر فهم أمناء الله على عباده، وعلى المجتمع، وأخيرا الفرد وهو المحور فالكل مسؤول أمام الله ﴿ ِإنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾[الأحزاب:72].

والموضع ليس موضع إطناب، فلنختصره في قول الرسول ﷺ حين قال: (يَأْتي الشَّيْطانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولَ: مَن خَلَقَ كَذا وكَذا؟ حتَّى يَقُولَ له: مَن خَلَقَ رَبَّكَ؟ فإذا بَلَغَ ذلكَ، فَلْيَسْتَعِذْ باللَّهِ ولْيَنْتَهِ)[رواه أبو هريرة ، وأخرجه مسلم في صحيحه].

فقد أمر الرسول ﷺ بعماد الأمر كله وهو الكف عن الاسترسال في تلك الشبهات، ثم شغل النفس والفراغ بالاستغفار والذكر فالعقل مهما اغتر به صاحبه لن يتجاوز ما هو أبعد من حدوده وما وراء مساحته، وإن زاد فهو الجنون بعينه والتخبط على عتبات الغيب؛ وعليه فإن من ورد بخاطره  شبهة من جيل المؤلفة قلوبهم فليعرض عنها وليتناسَ ورودها ويستغفر الله ويتفكر في  كتابيه المسطور والمنظور بتدبر على بصيرة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس:57] فإن أبت شبهته إلا التعمير على حياته وصفوة مزاجه فليراجع أهل العلم مع سبق الإصرار على طلب الحق لا للسفسطة والجدال والظهور، وليراجع ردود العلماء عليها فيجد بعون الله ما يشفى الغليل ويريح العقول، ومن أراد مزيدا من الغوص فليلزم العلم الشرعي ولينهل من أصوله، حتى يكون على علم وبصيرة ولا يذهب بدون أساس فيُضَلَّ ويضِلّ ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:109]

يجب علينا إعادة البناء العقدي لأبناء هذا الجيل المؤلفة قلوبهم، فلا يكون إيمانا بالتوارث والفطرة فحسب، بل نزيد عليه أن يكون بمعرفة الأمور التى نظن أنها ضرورية وبديهية لهم، فهذا جيل الشك ويجب علينا إعادة تأسيس البنيان ليستمر ما قدّر الله، والله المستعان وعليه التكلان.