1

حاجتنا إلى الفقه في الدين

لا يكاد المتابع لما يجرى على أرض الواقع أو الساحات الافتراضية يلتقط أنفاسه من توابع قضية أو جدل ما حتى تصدمه أخرى بما لم يتخيل، وكل قضية تلقي بظلالها على قناعات الناس وتتداخل تداخلا وثيقا مع ما يؤمنون به ويقيمون به أساس حياتهم، وأخص ما يحدث فيه التأثر سلبا وإيجابا هو رؤية الناس لأحكام دينهم وشعائره وما فيه من ضوابط وتزكية وأوامر.

ولقد رأينا من يهاجمون دينهم صراحة لا يصدّهم بقية خشية ولا مراعاة، ومن يتبعون الهوى في صورة دين لا يخالف ما اعتادوا عليه ولا يقف أمام تطلعاتهم، ثم رأينا ذلك الصنف المتردد المتابع الذي تشده كلمة من هنا ويجذبه رأي من هناك، وعلى حسب ما في القلب من إيمان أو مرض يكون اختياره وقبوله لما يرى ويسمع.

إن الاختلاف في مسائل الدين الفرعية مما جبل الله الناس عليه، لكن الذي عليه أغلب الناس اليوم وتدور عليه النقاشات هو ما يتعلق بركائز كانت أولى بالاتفاق مما يصدق فيها تحذير الله لنا: {ولَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105]، وإن أحد أهم جوانب حماية الدين للمسلمين حفظه من أن تنفصم عراه ويتفرق في مسائل العلم كما اختلف الذين من قبلهم، هو الفقه في الدين، وفهم مسائله فهما دقيقا، ولذلك دعا الله طائفة من المؤمنين أن يتفقهوا في دينهم وأن يكونوا رسلاً إلى أقوامهم في الإنذار والتبليغ عن الله، فقال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].

وقد يبدو لنا في عصر انفتاح الفضاءات وسيل المعلومات المتدفق بلا توقف وكتب العلم المعروضة على الناس بلا ثمن أن الجميع قد أصاب من العلم شيئا، وأن كل أحد قرأ بعض السطور أو استمع لبعض الشروح يمكنه أن يقطع برأي أو ينفرد بفتوى أو بترجيح، لكن الأمر غير ذلك بل هو أعمق وأدق. إن سهولة تحصيل العلم في زمننا تتيح لكل من أراد أن يلتحق ببرنامج أو يقرأ كتابا أن يفعل وقد يحصل على أوراق تثبت براعته أو حصوله على مفاتيح علم ما، لكنك إذا جئت تستمع إليه أو تقرأ ما يدعو إليه وجدت اعوجاجا وميلا لا يشي بفهم فضلا عن براعة. وإن زماننا الذي بلغت به الغواية حدها الأكبر وعلا فيه الزبد حتى فتن به من فتن ليتوجب فيه على من يقرأ أن يفهم ومن يتعلم أن يفقه، حتى يكون ذا بصيرة تعينه على أن يتبين مهاوي الطريق أمامه فيتجنب مصائد الغواية ويحاذر المسالك المؤدية إليها.

ماهية الفقه في الدين

يعرف غالب الناس أن الفقه هو معرفة أحكام الشرع، وقد ضبط العلماء حقيقة الفِقْهِ بأنَّه العلم بالأحكام الشرعيَّة العمليَّة المُكتَسَبة من أدلَّتها التفصيلية بالاجتهاد، والفقه في أصل اللغة يعني الفهم أو دقيق الفهم إلا أنه صار علما على أحد علوم الدين وفرع من فروع الشريعة لأنه يحتاج نظرا واجتهادا في تنزيل النص على الواقعة وسياقاتها، ولا يكون ذلك إلا بفهم النصوص الشرعية واستخراج الأحكام من مجموعها بما يتوافق مع قواعد الدين وكلياته الكبرى.

ولا يقتصر الفهم على ما في الشريعة من أحكام عامة أو تفصيلات فقهية، بل إن أعظم من ذاك هو فهم الدين فهما كليا يتصور به مراد الخالق وما يرضى به وما لا يرضى به، ويتوصل به إلى فهم مقاصد الشريعة العامة ومراتبها وأنواعها، ويرافقه بصر بالواقع وإدراك بما يجري فيه بما يمكن من معرفة مآلات الأمور وتقدير تبعات الكلمة وخطرها، فلا يلبس حينها على المتعبد شيطان ولا يزري بالعالِم سلطان.

فالفقه في معناه اللغوي يوحي بالقدرة على استخدام ما هو ظاهر وحاضر من النصوص والوقائع الشرعية للتوصل إلى حكم كان غائبا عن الأذهان أو غير ظاهر بصورة صريحة لغير المتفقهين. لذلك كان الفقيه في علمه أيا كان هو من يعرف العلم بأدلته ولديه نظر متسع يأخذ من الأصول الكلية والمبادئ الكبرى ليوضح للناس ما خفي عنهم، ولذلك وجه الله المؤمنين إلى رد الأمر لأصحاب العلم والفقه: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [النساء:59]وقوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]

 من هو الفقيه؟

ولا يكون صاحب العلم فقيها حتى تكون لديه مَلَكَة العمل مع النصوص والنظر فيها، واستخراج ما فيها من أحكام ومقاصد ودقائق، فهو يجمع النصوص ويستخرج منها الحكم ويعلم الاستثناءات وما يجرى عليه الحكم والقياس وما لا يقع عليه صورة الحكم ولا يصح وقوعه تحته.

وإن نظرة أولية لكتب الفقه بتفريعاته وأصوله ترسم للمطلع عليها صورة للفقيه المسلم والكيفية التي كان علمه فيها، فلا يقتصر على المسائل التفصيلية التي يسأل عنها الناس، بل إن علمه وفهمه لكتاب الله وسنة نبيه أدّيا به إلى استخلاص قواعد الاستدلال واستنباط الأحكام ومقاصدها وموضعها في أبواب العلم الشرعي، وكيف قاده هذا التخصص ليضع أصولا عامة وقواعد فقهية كلية أو غالبة صارت تعرف بعد ذلك بأصول الفقه.

لقد كان نظر الحسن البصري واسعًا حين عرّف الفقيه بأنه “الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه، الكاف عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم” [أخرجه نعيم بن حمّاد في مسنده] وقد تبعه الإمام الغزالي في ذلك فبين أن مفهوم الفقه شامل لكل ما يحصل به الإنذار والتذكير بالآخرة بحيث تكون الفتاوى والأحكام العملية المتعلقة بالعبادات والمعاملات جزءًا من الفقه في الدين لا تقتصر عليه ولا تختص وحدها به.

فقه العالم

لا يترك الشيطان وظيفته في إضلال الناس وإشباع غرائزهم، وكما يزين للغافلين عن ربهم وعن أنفسهم، يزين لمن أوتوا حظا من العلم، فيوحي إليهم بمكر خبيث ويلبس عليهم بحسب ما وصلوا إليه من علم، فله كيد خاص بهم، إذ يلّبس وحيه ثوب النصيحة للناس مرة، وثوب مراعاتهم والإحسان إليهم مرة أخرى، ويوقعه في الإثم وقبول الظلم حينًا بدافع المصلحة وفقه الواقع وفي فتح باب الشبهات والشهوات بدافع الضرورة والحرص على المصالح حينا آخر.

إن العالم أشد الناس حاجة إلى الفقه بمعناه الواسع الذي لا يختص بواقعه الآني فحسب، بل يجب أن تبصر عينه المستقبل القريب والبعيد، وتربط الأسباب بالنتائج ربطا مستمدا من كتاب ربه، فيبلغ الناس بلاغا يعيد إليهم رشدهم ويبصرهم بعاقبة كل أمر ولوازم كل اختبار.

وآية الفقه أن يزاوج العلم العمل وأن تصدق أعمال الإنسان في الأرض أقواله، فتحصل له المجاهدة والكبد الذي تستخرج به معادن الانسان القّيمة وتصفى به شوائبها، فإذا تحدث فعن واقع خبرة، وإذا نصح فمن حب وإشفاق، وإذا أفتى فعن خشية وإخلاص، ولا يكون ذلك لمن غاية علمه كلمات يقرأها ولا يستصحبها معه دينا تدور حياته عليه وتصطبغ به.

ولكي يكون العالم أو المتعلم على قدر حقيقي من الفقه، لابد له من أن يرد النبع بإخلاص وصدق، لا بتشكك وتغليب للهوى، فيقرر المسألة في نفسه ثم يقلب في النصوص ينتقى منها ما يوافق فهمه أو ميله، فذاك محروم من علم شريف خص الله به المقبلين عليه المعظمين لشرعه، الراغبين في نشر شريعته وبيان منهجه لعموم الناس.

فقه المتعلم

أما وقد فتحت للناس منصات للتأثير والتأثر لم تعد للعلماء فيها الكلمة الأخيرة وصارت بضائع الأفكار مزينة ومعروضة للصغير والكبير، للمتعلم والجاهل، فإن واجب الوقت ليس فقط لمن يرد تلك المنصات، بل لكل من آتاه الله عقلا يعقل به، أن يتعلم كيف يتلقى كل ما يرد عليه وما يمر إلى قلبه وعقله. فيقرأ بفهم ويرجع إلى من هم أفقه منهم فيسأل ويبحث، ويبني عقله بناء معرفيًّا صحيحًا بحيث يستطيع أن يضع التصور اللائق بكل مسألة، وأن يرتب ما يرده من أخبار ومصادر حسب ما ينبغي لا حسب ما يقرره صاحب تلك المقالة أو ذاك. لذلك فإن المتعلم على سبيل النجاة، والمقبل على ربه-وكلنا كذلك- واجبه الأول أن يعرف أصول دينه ومصادره، وأن يعرف كيف يرد الأمر إلى صاحب الأمر وكيف وعن من يتلقى قبل أن يتشرب عقله الشبهات ويخبط خبط عشواء يظن نفسه على هدى وهو أبعد ما يكون عنه ويرى أهل الدليل على هوى لأنهم يخافونه ويردون عن دينهم السهام..

نسأل الله أن يفقهنا في ديننا وأن يرزق هذه الأمة بالفقهاء العاملين الذين يدركون مواضع الخلل فيسدونها بعلمهم وفقههم.