1

تقنية الثقافة .. كيف تصدر الشعوب ثقافتها؟ التجربة الكورية نموذجًا!

من جملة عادات بلادنا أنها تستقبل العام الدراسي الجديد بالتجهيز وشراء لوازم الصف والتعلّم لبدء دخول الأطفال في ميدان الدراسة، ونحن في مصر -قُبيل بداية العام الدراسي  الحالي- شهدنا استعداد المحلات لعرض البضائع التي تُشتَرى في هذا الموسم، لكن الصدمة كانت عند بدء الموسم أن أحد المحال التي تبيع الحقائب المدرسية روّجت ما هو غريب جدًا؛ فأغلب الحقائب عليها صور لسبع فتيان غرباء الشكل والملامح، بألوان شعر مريبة ليست للذكور يغلب عليهم الطابع الأنثوي، وأعمارهم في العشرينات، ومن السؤال علمنا أنهم أعضاء فرقة (بي تي إس)، وما إن دخلت في نقاش مع البائع كيف له أن يبيع مثل هذه البضائع فهي تعد دعاية لهؤلاء الأجانب، وتروج لهم بين شبابنا، حتى أظهر غضبه قائًلا: “دعنا نأكل عيش؛ هذه الحقائب هي الأكثر مبيعًا هذا العام”

لم أكن أصدق هذا، إلا أن غالبية الطلاب بمختلف المراحل الدراسية في واقع الأمر كانوا يحملون هذه الحقائب، ولما رجعت للمنزل وتصفحت مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت المسلسل الكوري الجديد (لعبة الحبار) يتصدّر قائمة مسلسلات وأفلام منصة نتفليكس ويحقق مشاهدات تاريخية مذهلة، وما هي إلا أيام حتى علمت أن أغلب زملائي قد شاهدوا المسلسل وبدأوا بترشيحه للجميع، كما صدرت لاحقًا تقارير صحفية مختلفة تشير إلى أنه بسبب هذا المسلسل زاد إقبال الناس لتعلم الكورية على أحد مواقع تعلم اللغات إلى ثمانية مليون دارس، أي ما يشكل قرابة 16% من جملة الشعب الكوري الجنوبي، وهذا يظهر مدى قدرة هذه الدولة على إدخال منتجاتها الثقافية في كل بيت جنبًا إلى جنب مع منتجاتها التكنولوجية.

تفشّي الظاهرة

ربما يظن الناس أن هذه الظاهرة في مصر فقط، ولكنك إذا نظرت إلى بلاد الحرمين الشريفين لوجدت ما هو أغرب، فهذا الشعب الأكثر محافظة في الشعوب الإسلاميّة، وها قد بدأت الخطط لتغيير أحواله الملتزمة بعد إغلاق هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واعتقال عدد كبير من أبرز علمائه، فهذه فتاة تسأل الشيخ سلمان العودة قبل اعتقاله بمدة على تويتر هل يجوز الزواج من رجل كوري متأثرة بالدراما الكورية، وهؤلاء نفس الفرقة المذكورة في الأعلى يقيمون حفلًا بالرياض، وبعدها تصويب على الفرق الكورية التي يفضلها الشعب السعودي لإقامة حفلاتهم في المملكة بعد إنهاء الحجر، ولا ننسى المقابلات التي تجريها القنوات المختلفة مع هذه الفرق على الدوام.

عجبًا من هم الكوريون؟!

نتحدث هنا عن سكان الجنوب من شبه جزيرة كوريا؛ حيث إن سكان الشمال ليس لهم أي حضور ثقافي، فهم غرباء تمامًا عنا في كل شيء، كاللغة والدين والعادات والمزاج العام، فكيف لهم ولغيرهم من الأجانب أن يؤثروا في مجتمعنا بهذا الشكل؟

نظرة على التاريخ

ولكن قبل الإجابة على السؤال السابق دعنا نطرح سؤالًا لنبحث في جوابه، عسى أن يوصلنا إلى مقصدنا أو نقتبس منه نورًا يقربنا مما نبحث عنه.

هل ظاهرة الانسلاخ من الهوية والعيش بهوية شعب آخر ظاهرة جديدة لم نشهدها من قبل؟

بالطبع لا، فهي ظاهرة قديمة، وإذا أحببنا تسليط الضوء عليها فالنرجع إلى تاريخ الاحتلال الأوروبي للعالم العربي؛ فسنشهد أنه هناك تغير ملحوظ في الملبس والنظام السياسي وفي اللغة تأثرًا بهذا المحتل؛ تارة رغمًا عن الشعب وتحت سطوة السلاح والسيطرة على الاقتصاد، وتارة أخرى من خلال الإعجاب بشخصية المنتصر القوي الذي احتل هذه البلاد، وجاء ليبهرنا بالأسلحة التي لم نكن نعرف عنها شيئًا ولا عن هذه التطورات في شتى المجالات.

ولعل اليوم يشبه الأمس؛ حيث إنه يوجد منسلخون من هويتهم تحت العوامل السابق ذكرها نفسها، لكن الغريب اليوم أن هناك من ينسلخ من هويته ويعيش بهوية أخرى، دون حاجة لاحتلال أو سلاح، وربما حدث ذلك فقط تحت تأثير الانبهار بالتكنولوجيا، وتحت الإعجاب بأغنية أو من خلال التعمق الشعوري من خلال بناء سردي تجسدت حركة أحداثه وشخصياته في فيلم أو مسلسل للرسوم المتحركة المعروف بالأنمي، وهذه المنتجات رغم أنها في ظاهرها سطحية وبسيطة إلا أنها ذات تأثير قوي يدمر هوية المتلقي، حتى تم تسمية هذا النوع من المنتجات بالقوة الناعمة، حتى إنه بات لتلك القوة تقنيات محددة ومدروسة لنشر ثقافة شعب ما، تحت اسم “تقنية الثقافة”.

القوة الناعمة

للقوة الناعمة تأثير خفي لعدة أسباب، منها أنه لا يمكنك أن تعادي أغنية أو فيلمًا يروي حكاية ما كالتي نحكيها لبعضنا، فهي مجرد تسلية وترفيه، ولا يتعامل العقل الواعي والباطن معها كما يتعامل مع حرب القنابل والصواريخ، إنها مجرد أعمال ترفيهية لشركات تعمل في مجال الترفيه، كما أنه لا يمكنك القول أمام العموم إن أفلام الكرتون التي يشاهدها الأطفال تمثل خطرًا على عقيدتهم وقيمهم، حيث إنك إن فعلت ذلك لأخذت حظك من الشتم بالجنون والحساب على المؤمنين بنظرية المؤامرة.

يعرف جوزيف ناي القوة الناعمة بأن “يكون للدولة قوة روحية ومعنوية من خلال ما تجسده من أفكار ومبادئ وأخلاق ومن خلال الدعم في مجالات حقوق الإنسان والثقافة والفن. مما يؤدي بالآخرين إلى احترام هذا الأسلوب والإعجاب به فاتباع مصادره” [من كتاب القوة الناعمة]

وبما أننا نتحدث عن القوة الروحية والمعنوية إذًا نحن نقصد الحديث عن الدين والفكر والقيم والفن لشعب ما، فكما قال بيجوفيتش نقلاً عن هنري برغسون: “الفن هو ابن الدين” [هروبي إلى الحرية] وهنا تكمن قوة تأثير الأغاني والأفلام والمسلسلات على الشعوب.

لقد اخترنا النموذج الكوري كنموذج للدول التي استخدمت تقنية الثقافة والقوة الناعمة، رغم أنه ليس الأول والأخير وربما ليس الأكثر نجاحًا؛ لأنه النموذج الأكثر إثارة للدهشة؛ وأول من استخدم مصطلح تقنية الثقافة علنًا من خلال أحد منتجي الموسيقى في كوريا، فإذا بحثت عن تقنية الثقافة لوجدت أن أول من تحدث عنها الكوريون؛ وكان الهدف من هذا المشروع هو تسويق الأعمال الكورية الموسيقية خارج حدود كوريا.

الموسيقى والأغاني

الموسيقى من أهم الوسائل التي تستخدم في نشر الثقافة، خاصة أنها سهلة التعلق بالذاكرة، وتؤثر عاطفيًا على الإنسان، فمع الأغاني يمكننا نشر اللغة من خلال المقطع الأوسط المتكرر في أي أغنية، حيث يتم تكرار كلمة سهلة أشبه في نطقها من كلمات لغات أخرى أكثر انتشارًا كالإنجليزية، أو من خلال كلمات يسهل تعلقها في الذهن بسبب نطقها أو لحنها المميز، ومن الممكن أيضًا نشر بعض القضايا الاجتماعية، والتي تساعدنا على معرفة الكثير عن المجتمعات الأخرى، والتشبه بها فمثلا في أغاني فرقة (بي تي إس) الكثير عن موضوعات الانتحار في كوريا، وحالات الطلاب والمراهقين التي تدفعهم لليأس من الحياة، حيث يقدمون مجموعة من الأغاني التي تتحدث عن ذلك وطرق علاجه مثل ألبوم (أحب نفسك)، وأغنية (بي إس واي) “أسلوب كانغ  نام” التي جعلتنا نعرف عن أسلوب عيش الأغنياء في الأحياء الفخمة، والتي تكون هادئة نهارًا بسبب انشغال رجال الأعمال وأصحاب الشركات، وصاخبة بالليل لكثرة الحفلات.

في بعض من الأحيان يتطلب الأمر دعمًا ماليًّا، فمثلا أشارت بعض الصحف الكورية إلى أن الحكومة الكورية دعمت أغنية “أسلوب كانغ نام” من خلال الدفع ليوتيوب مقابل زيادة المشاهدات بطريقة غير عادية؛ لتنتشر الأغنية بين الناس على أنها الأغنية الأكثر مشاهدة؛ وقد ارتفعت بعدها الأغنية أكثر مما رفعها اليوتيوب لتغدو الأكثر شهرة بين الناس، فصارت تستَخدَم كموسيقى تصويرية في الأفلام والمسلسلات الغير الكورية لبعض المشاهد الساخرة والحفلات الثرية وفي برامج عرض المواهب الغنائية، وانتشرت بشكل جنوني، مما دفع بعض الناس لمعرفة معاني كلمات الأغنية، فسلك البعض طريق تعلم اللغة التي تتكون من 40 حرف ونظام كتابة معقد، ولم يكن يحدث هذا إلا من خلال سهولة الكلمات والموسيقى المألوفة عند المتلقي، ولهذا يتم الاستعانة بملحنين من بلاد مختلفة في هذه الشركات لجعل الأغنية مألوفة للجميع، وهنا تكمن أهمية تقنيات الثقافة وقواعدها.

البنيات السردية بأنواعها المختلفة

يقول الدكتور الطيب بوعزة في كتابه ماهية الرواية: “في البدء كان السرد” موضحًا أهمية السرد في التأثير على النفوس والتمازج معها، فالسرد أول أنواع الفنون تاريخيًا وأكثرها انتشارًا، والبنيات السردية حديثًا متنوعة وبكثرة، فمنها الروايات والمسلسلات والأفلام والأنمي، ولكل منهم ميزة مختلفة عن الأخرى في التأثير والتلاعب بالفكر.

على سبيل المثال فإن الروايات -وهي الأقل تأثيرًا في تقنية الثقافة- تستهدف النخبة من الجمهور المتلقي وهم قلة لأنها تتطلب معرفة مسبقة باللغة الأجنية التي كُتبت بها إن لم تتوافر لها ترجمة، ولكن في بعض من الأحيان تكمن أهمية الرواية عند تحولها لعمل مرئي.

أما عن الأفلام فهي من أكثر الأنواع انتشارًا وتأثيرًا؛ حيث يمتزج مع الحكاية كلٌّ من الحركة والصورة، لتكون ذات تأثير أعمق، والحوارات المسموعة والمرئية أكثر أهمية للأحداث؛ لأن المؤلف من البيئة المرغوب في نشر ثقافتها ضمن إطار سردي يتقبله الجميع، فمثلًا في فيلم الشروق الخفي تسافر أم بابنها إلى مسقط رأس زوجها المتوفي، ثم يتعرض ابنها للخطف مقابل ما تمتلكه من مال فيُقتل، وهذه حكاية عادية ربما سبق وأن تم تنفيذها على الشاشة العربية، لكن المختلف أن القصة تحكي لنا الحياة الدينية للكوريين وشكوكهم، فكانت الزوجة ملحدة ثم صارت نصرانية بروتستانتية بعد موت ابنها على يد جارتها المبشرة، ثم صارت ملحدة مرة أخرى عندما علمت أن قاتل ابنها يشعر بأن الرب غفر له.

من الممكن استخدام الأفلام كسلاح سياسي؛ لنشر صورة دبلوماسية عن دولة ما أو من خلال تشويه تيار فكري معارض للدولة، ففي فيلم الهروب من مقديشو كان هناك تلميع للسفارة الكورية الجنوبية مقابل جارتها الشمالية، من خلال تقديم العون لهم، والعطف على الثائر الصومالي الذي كان يعمل كسائق لدى السفارة.

أما عن المسلسلات فالحديث عنها كالحديث عن الأفلام، لكنها أكثر تأثيرًا من الأفلام؛ بسبب مدة عرضها وعدد حلقاتها، فتتعرض لتفاصيل أكثر عمقًا، فمثلا مسلسل لعبة الحبار عرض لحياة الطبقة الفقيرة والبحث عن حل لسد الديون، كان أكثر وضوحًا من فيلم (طفيلي) الذي فاز بأربع جوائز أوسكار، وكذلك نفس الحديث عن الأنمي، إلا أن الأخير هذا يمكنه الوصول إلى فئات عمرية حرجة فكريًا تكون في مرحلة التكوين والتغيير مما يكمن خطرها في لعبها بالخيال.

ومن أجل الترويج لهذه الأعمال يتم تصنيع بعض المنتجات التجارية، التي تحمل صورًا لأبطال الأعمال أو اسمًا لفرقة موسيقية أو جملة قيلت في أغنية أو في حوارًا في سيناريو؛ وذلك لجعل الجمهور يتعلق أكثر بهذه الأعمال من خلال هذه المنتجات، ويمكن تكوين تجمعات من المعجبين بعمل ما من خلال شراء إحدى منتجاته، مما يؤدي إلى ترسيخ إعجاب الجمهور بهذه الأعمال وتعلقهم بها، ومن أمثلة هذه المنتجات الحقائب المدرسية والملابس وغيرها.

في الصورة: بوستر بديل لفيلم (Parasite) من تصميم (Andrew Bannister)

خلاصة وخاتمة

لا بأس من الاطلاع على ثقافة الشعوب الأخرى لكن دون معصية الله، فلا نبدل أوامره لتقليد الكفار، ولكن الكثير ممن يطلعون على الثقافات الأخرى لا يكونوا مؤهلين لعملية النقد والتحليل، ومعرفة ما يمكن أخذه وما يجب رده، ولذلك يجب المرور بخطوات عديدة تكون وقاية لنا من التأثر من هذه الأفكار، منها: ترسيخ العقيدة واللغة، وتقوية ملكة التفكير الناقد وتعلم العلوم الشرعية والاجتماعية وغيرها من الأدوات التي تحصن المتلقي للشبهات.

 وفي النهاية أتساءل كما تساءل الآلاف من قبلي، ما الذي يمنعنا نحن المسلمين من نشر ثقافتنا للشعوب الأخرى؟