1

تركه ما لا يعنيه

لا يختلف اثنان في أن حياتنا في هذه الدنيا قصيرة، فمهما طال عمر أحدنا فإنه سينتهي، ومما يروى في هذا الجانب أنه قيل لنوح عليه السلام -الذي عاش في دعوته 950 سنة-: يا أطول أنبياء الله عمراً كيف وجدت الدنيا؟ فقال كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر!

إن هذا الكلام ليس بمستغرَب إذ يقضي معظمنا ثلث عمره نوماً، ونصف الثلث الآخر، ما بين مأكلٍ ومشرب! فيخرج بهذا وقد ضاع نصف عمره ما بين نومٍ وأكلٍ وشرب! طبعًا إذا ما استثنينا ما نقضيه من ساعات يومياً على الانترنت من فيسبوك وانستغرام ويوتيوب، والمعذرة، قد أخطأت التعبير إذ قلت ما نقضيه، إذ إن التعبير الصحيح هو: ما نحرقه من ساعات دون أن نشعر!

ضياع العمر
انتشر على بعض صفحات وسائل التواصل الاجتماعي فيديو لعجوز أجنبي يختبره حفيده فيسأله عن توقعه لعمره الحالي فيجيبه ذلك العجوز 79 سنة أولاً ثم 89 ثانياً وما يزال يتوقع وحفيده يقول له أكبر من ذلك حتى يصل إلى عمره الحقيقي وهو 98 سنة! وإذ بالعجوز يكاد يُصعق غير مصدق لما يسمع، فينطلق شاتماً حفيده بأقبح الألفاظ..

إذا رجعنا إلى أنفسنا لأدركنا أن شبيه ذلك يحصل معنا، فكل منا يسأل نفسه هل مرت العشرون أو الثلاثون أو الأربعون سنة التي عاشها إلا كلمح البصر؟ إننا لا نكاد ندخل بعامٍ حتى نودعه، فعمرنا هذا يمضي مسرعاً ويكاد يأتي يوم معلناً فيه عن خروجنا من هذه الدار شئنا الخروج منها أم أبينا، أعددنا لهذا اليوم أم لم نستعد له!

ضرورة العمل الصالح
إن الإنسان في حياته القصيرة جداً إما أن يرفع أعمالاً صالحةً عسى أن ينجو بسببها يوم القيامة، أو يرتكب أفعالاً خبيثة ستكون وبالاً عليه يوم القيامة إن لم يتغمده الله برحمته، والإنسان الفالح هو الذي ينشغل بما يفيده وينفعه ويكون له حجةً في الدار الآخرة، فلا يحضر مجلس لهوٍ لا خير من ورائه، ولا ينصت إلى حديث فارغٍ يتفوه به أناسٌ ليس لحياتهم أي معنى، ولا يتبع النظرة الأخرى إلى ما لا يخرج منه بفائدة، إذ تبعد هذه الأفعال جميعها الإنسان عن الغاية التي خلقه الله من أجلها، ألا وهي العبادة الحقّة.

ومن الضروري التأكيد على أن العبادة لا تقتصر على صلاة العبد الفروض التي فرضها الله عليه في كل يوم، إلى جانب صوم رمضان، وأداء زكاة المال، وحج البيت الحرام، بل تتعدى العبادة ذلك كله إلى كل شيء، كأن يعمل الإنسان حتى يكون رزقه من عمل يده، ويحادث أباه وأمه ويبرّهما ويسليهما، وأن يتودد إلى أولاده ويربيهم ويلعبهم، وأن يصل رحمه، فالله يصل من وصلها ويقطع من قطعها!

ذلك كله هو من جوهر الحياة التي أرادها الله لنا، وهذه الأعمال وما كان على شاكلتها نرجو بفعلها -مقدمين رجاء الله عليها- أن تنجينا من أهوال يوم القيامة.

الانشغال بتوافه الأمور
جاء التوجيه النبوي من حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، منبهاً إيانا أن نكون ممن تشغلهم توافه الأمور عما يجب عليهم أن يقفوا عنده وينظروا فيه، فقال: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) [أخرجه الترمذي في السنن وهو حديث حسن].

إن الإنسان الذي يقف عند كل ما لا يعنيه، فلا يترك صغيرةً ولا كبيرةً إلا ويبحث فيها وبما ورائها مستفسراً وفاحصاً إياها، ناهيك عن ضياع عمره، فإنه لا يبقي لنفسه صاحباً، فإنه إن لم يزل يسأل هذا عن ذهابه، وذلك عن ماله، وتلك عن حياتها، وهؤلاء عن سبب اجتماعهم، فلن يكون أثقل على قلوبهم في هذه الدنيا من رؤية ذلك الشخص الذي لا يترك فرصة لأن يسأل سؤالاً أو يلقي مداخلةً إلا ويتعمق فيها كيف كانت أو ستكون وعن ماهيتها وغير ذلك!

سيتعِب هذا الرجل نفسه عندما يقوم أحدهم بفعل، أو يقول كلمةً فلا تعجب هذا الرجل، فيحمل على عاتقه تفسير هذا الفعل أو تلك الكلمة والبحث فيما وراءها، فيركّب لنفسه نظارة المحقق، مصوّباً بصره من خلالها إلى ما قيل وما فعل، يريد أن يكشف عن أبعادها، ونوايا صاحبها ومقاصده وأهدافه، فيتعب بذلك قلبه وعقله، فيهجر حياة السعادة والطمأنينة لييمّم وجهه شطر الاضطراب والقلق والتحليلات التي لا أول لها ولا آخر، إذ إن كلام الناس وأفعالهم لا تنتهي إلا بانتهائهم أنفسهم، أفكلما نطق أحدهم بكلمة أو صدرت منه حركةً أخذ هذا الرجل على عاتقه تحليلها؟ فأي حياة سيحياها إن عاش كذلك؟

ثم إن أخطاءه لا تقف عند أن ينفر الناس منه ويتعب نفسه وقلبه، بل تتعدى ذلك، فالإنسان الذي يعيش حياته فضولياً لا يترك مجلساً إلا ويذهب إليه، ولا حديثاً إلا ويشارك به، ولا اجتماعاً إلا ويحضره، ثم لا يترك فكرةً قد خطرت على باله إلا ويجريها على لسانه، ولا سؤالاً قد تحرك في عقله إلا ويطرحه، فيخرج من ذلك كله بإهدار وقته وربما عمره على ما لا طائل ولا منفعة من ورائه، وكما قال الحسن البصري: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام كلما ذهب يومٌ ذهب بعضك”.

لقد أرشدنا ابن القيم إلى حقيقة إهدار الوقت قائلاً: “إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها” [الفوائد، ص31].

قال أحدهم: “لا تجعل أذنك مزبلةً للناس يرمون فيها ما معهم”، وفي قوله صوابٌ كبير؛ إذ إن الإنسان إما أن يسمع ما يفيده أو يسمع ما يضره، وإما أن يحضر مجلساً له به صلاح أو يحضر مجلساً يفسد به قلبه، وإما أن ينطق كلمةً ترفعه عند الله وعند الناس أو يتفوه بكلمة تكون وبالاً عليه وتضيق صدور الآخرين منه، وهنا نعيد ونقول: ماذا لو طبق قول الهادي صلى الله عليه وسلم “حسن إسلام المرء، تركه ما لا يعنيه”