1

تأليه الإنسان والمعايير السائلة!

تشكّل النسبية موضوعًا مهمًا في مختلف المدارس الفلسفية المعاصرة، كما أنه موضوع يناقَش باستمرار خارج نطاق الفلسفة كما هو الحال عند السياسيين –على سبيل المثال- إلا أن نشر النسبية في مختلف المجالات لا يوحي بمزيد من الصلابة المعرفية والأخلاقية والفلسفية بقدر ما يوحي بمزيد من السيولة وغياب المعيارية، وربما الاندفاع المستمر في تأليه آراء الإنسان وإقصاء أوامر الله في رسالاته إلى البشرية.

تظهر سيولة المعايير المعاصرة في كثير من الأفكار التي بدأت تغزو عقول الشباب ومنازل الآباء والأمهات، كما هو الحال في الدعوات لتقبل الشذوذ، أو تجديد الفكر الإسلامي ليتطابق مع معايير معيّنة من تيارات النسوية!

القوامة بمنظور نسوي تجديدي!

لو أننا سألنا أي نوع من النسـويات أفضل؟ وضربنا مثالًا بين زوج يدعم زوجته ويشجعها على ” تحقيق ذاتها” واستقلالها المادي، وآخر يمنعها من العمل –إلا لضرورة- لأنه يؤمن بمركزية الوحي الذي أمر النساء بالقرار في البيت، وعزز من أهمية دورها الذي خلقت له، وبه تستقيم الأسرة؟
أو بين زوج يتقاسم مع زوجته الأعمال المنزلية كالتنظيف وإعداد الطعام والغسيل والكيّ… إلخ، ويشاركها في المصاريف كنظام مساواتي، وآخر يُعيل زوجته في كافة شؤونها إلا أنه لا يؤدي معايير المساواة في تدبير المنزل داخليًّا؟

ما الجواب الذي ستقدمه نسويّات الزمن المعاصر –من ذوات النفَسِ الديني-؟

على الأغلب فإنها سترى أن من يشجع زوجته على العمل ومن يشاركها في أعمال المنزل أفضل من النماذج المقابلة، لكنك –على أي حال- ستجد أنها لا توافق على النظام المساواتي كاملًا، فهي تريده خاضعًا لرؤية النسوية في مشاركته لها بالتنظيف والطبخ، بينما –على الأغلب- لا توافق على مشاركتها له في التكاليف المنزلية، وستحتكم هنا إلى الأصول الدينية في المجتمع الذي تنتمي له، وهي ذاتها ستوافق على العمل في بيئة تناقض نفس الأصول الدينية، بل إنها تخالف فطرتها وصفاتها الأنثوية تلبية لشعارات “صنم الاستقلال المادي”، وسنراها تُقحِم النصوص الشرعية وتحرفها لتؤكد على صواب رؤيتها، فتستشهد بعمل السيدة خديجة –مثلاً- لكنها لن تمر بعين الرضا على ما كانت تفعله السيدة خديجة مع الرسول صلى الله عليه وسلم من رعاية للمنزل وتدبير لشؤونه وهي التي قد بلغت من العمر قرابة 60 عامًا، فكانت تذهب له بالطعام إلى غار حراء رغم وجود بناتها، وقد جاءه جبريل بالبشارة لها بالجنة كما في الحديث، (أتى جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام، أو طعام، أو شراب، فإذا هي أتتْك فاقرأ عليها السلام من ربها، ومنِّي، وبشِّرْها ببيت في الجنة مِن قصب، لا صخبَ فيه ولا نصب) [أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وسنده رجال الصحيح].

هذه النسوية التلفيقيّة ستأتي بآراء ترفض خدمة الزوجة لزوجها، وستسعى لتضع مفاهيم جديدة لفكرة القوامة بهدف جعلها أكثر مناسبة لمعايير العصر النسوي، إلا أنها للأسف ستخرج بصورة نافرة عن الخط الذي في الإسلام وأكثر قربًا أو أقل مصادمة للثقافة الغربية “التمركز حول الأنثى”.

لا تدري أيهم أقرب إلى الله .. “الخلل في المعيار”

لعلك أيها القارئ الكريم تسأل دعاة النسوية “المتأسلمة” من الأفضل برأيك، المرأة المنتقبة أم المتبرجة، أو تتساءل أمامها عن الأفضلية بين الشخص الملتحي الذي ظاهره التدين والشخص غير المتدين؟

وهنا أخبرك أن كثيرًا منهن ستُجيبك ألّا أحد أفضل من الثاني، بل إن منهن من ستتهم الذي ظاهره التدين بالنفـاق وأنه يمكن للمنتقبة أن تأكل مال اليتيم وتخطف الأطفال وتتاجر بأعضائه.

وربما تخبرك أن المتدين الملتحي قد يكون متشدِّدًا أو تكفيريًّا أو عضوًا في جماعة مصنّفة على القوائم السوداء، أو أنه ممن يضرب زوجته بسلك الكهرباء وأنه شهوانيٌّ يميل للتعدد -لا سمح الله- وأنه رجل ظالم –إذ لا رجلَ يعدّد ويعدل أصلاً- وهكذا إلى غير ذلك من الأفكار التي لم تكُ يومًا إلا ثمرة من ثمار تغلُّب العولمة والثقافة الليبرالية، ولعلها ستقول لك إنه ينبغي عدم التعرض لحرية المــرأة سواء من حيث حرية الجسد، أو أكّدت على نسبية الأخلاق.

أصول ومبادئ

بعد ما تكلمنا عن تلك النماذج يبقى لنا فهم الأصول لتلك المبادئ، فالنسـوية تقلل من القيم والأخلاق، وتصفها بأنها نسبية، وأنها يمكن أن تتغير إن غيّرنا في المجتمع، لذا تسعى النسوية بالمجهودات الجماعية في تغيير القوانين والتصورات والهيكلية الأسريةـ حتى وإن كان ذلك سيسبب ضرر أكبر لها ولمن حولها وللمنظومة الأسرية!

ولأنها متمركزة حول ذاتها فهي تريد ما تهواه نفسها ولو كان ذلك مناقضًا للفطرة والأخلاق، ولهذا لم تضع حدودًا، وإنما أظهرت أفكارها وما تريده من انفلات الضوابط ثم حاربت الحدود ورفعت السقف! وذلك المبدأ أو تلك المبادئ الثلاث تعارض الإسلام، لأنه وضع ضوابط للإنسان فيها الصلاح له، وإن كان لا يهواها.

نعلم أن ضروريات الدين تتركز حول حفظ النفس والعرض والمال والعقل والنسل، فما يخالف هذه الأصول الخمسة فإنه مرفوض ولا يعتد ولا يحتج به إلا لدى من يسود هواه على عقله وقلبه!

مشكلة تأليه الإنسان

إن المعضلة هنا تكمن في تأليه الإنسان وتعظيم دوره وجعله مركزًا للكون، مقابل تحجيم مركزية المعايير المطلقة و”الإله” و”الوحي” أو ربما أنسنتها لتوافق المعايير الغربية، فنغض الطرف عن أوامر الله ونواهيه و نخترع أوامر ونواهي من عندنا عامة ما تتناسب مع النسوية والإنسانوية والليبرالية ونستبدل دين الله بها، ونُلبسها  قدسية ننزعها عن دين الله نفسه.

صورة تعبر عن تأليه الإنسان

تحت شعارات أن الله هو من يحاسب ولا تنصب نفسك إلها للكون، يناقض  أمثال التنويري والليبرالي أنفسهم ويعطونها حق محاسبة الناس حقًّا فيدخلون الجنة من يريدون حتى ولو كان ملحدًا أو محاربًا لدين الله ولمز نبيه عليه الصلاة والسلام، وذلك لمجرد أنه معتنق للفكر النسوي أو اللبيرالي، ويدخلون النار من يريدون رغم أنف الأدلة والبراهين اتباعا للهوى الخاضع لثقافة السلطة الغالبة، وهنا نستذكر قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الجاثية: 23- 24] يقول الإمام البغوي في تفسير الآية: إن الموصوفين بأنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا، إنما جاء لبعدهم عن طريق الحق رغم وضوحه، فالبهــائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها الذين يتعهدونها، بينما لا يعرف الكفار طريق الحق، ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم.

وهنا نرى أن النسوية “المتأسلمة” يتبعون هذا السبيل الذي وصفته الآية على نحو مختلف، فهذه النسوية تأتي بالمبادئ الغربية ثم تعمل على أسلمتها، ثم إنها تتدثر بالتراث رغم ذلك، فتسعى بكل الطرق والبحث في التراث والأصول، لإخراج تلك المبادئ من الإسلام نفسه، فتقع في التحريف والتأويل، والتعطيل، والتمسك بالشذوذ وتشذيب الإسلام.

إن دين الله لا يخضع لأهواء الناس، وتعاليمه تتوافق مع الفطرة السليمة التي لم تحرفها دعاوى العصور المتغيرة، بل إن تعاليمه تريد من الحضارات الإنسانية الحرة أن تتخلص من عبودية غير الله –أي الهوى- وأن كل ما دون وحي الله باطل.

“إن إنجازات حركة التحرير النسائية لم تكن إلا انتصارات كاذبة، فقد فقدت المرأة كل ما تمتلكه في سعيها إلى الوصول إلى هذه المساواة الوهمية”. [كتاب المساواة المطلقة ليست عدلًا، ص82]

الخضوع للثقافة الغالبة

كل ما نحن فيه الآن ليس من كثرة الشبهات وتأثيرها وإنما التأثر بسلطة الثقافة الغالبة والإنهزامية، وقد جاء إشارة إلى ذلك في الحديث النبوي الشريف، (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) [متفق عليه]

لذلك يروج المبشرون بما عند الغرب كالأعمى الذي لا يرى ماذا جنى الغرب من معيارية الهوى وحرية الجسد التي خلفت فشو الزنا والإجهاض والعلاقات، وكيف انحدر الأمر إلى مبادئ الجندر والعلاقات المثلية والبيدوفيليا قريبًا، ناهيك على ماخلفته تلك المعيارية إلى هدم الأسرة وعجز الغرب عن سد تلك التجاهات، وازدياد من مشاكل تزعم النسوية حلها مثل التحرش.

إن النسوية الإسلامية تستند إلى مرجعية مادية نفعية تساعدها لتكون متمركزة حول ذاتها، ترى كل شيء نسبي ولكنها ترى الحرية المطلقة، والأعجب هو أنها تحاول التوفيق بين تلك المبادئ والإسلام! وتحصرها بكل سطحية في الدفاع عن التحرش لحشد النساء بشكل سطحي، وكأن مبادئها قللت من التحرش في منبع الفيمنزم، لكنها تسعى سعيًا حثيثًا إلى تمرير تلك المبادئ وغيرها عن طريق تلك القضايا: فربما شخص رآك عطشانًا يقول لك “تفضل اشرب ولا أريد منك أي مقابل”  فيعطيك كوب ماء به سُم، فتموت. لكن {اللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27] أي أن دعاة الشيطان يريدون من الناس أن ينحرفوا عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين. يريدون أن يصرفوهم عن طاعة الرحمن إلى طاعة الشيطان، وعن التزام حدود من السعادة كلها في امتثال أوامره، إلى مَنْ الشقاوةُ كلها في اتباعه. فإذا عرفتم أن الله تعالى يأمركم بما فيه صلاحكم وفلاحكم وسعادتكم، وأن هؤلاء المتبعين لشهواتهم يأمرونكم بما فيه غاية الخسار والشقاء، فاختاروا لأنفسكم أوْلى الداعيين، وتخيّروا أحسن الطريقتين.