1

بين تهمة النسوية ومخاوف الالتزام.. أين تذهب الفتاة المسلمة؟

بعد عدد لا بأس به من الشبهات التي وردتني، والقصص التي اطلعت عليها من صديقاتي ومَن حولي، وجدت إشكالاً متكرراً لدى الفتيات اليوم، فشريحةٌ كبيرةٌ منهنّ واقعةٌ بين تصوّر مغلوط عن الالتزام تخشى الاقتراب منه، وبين تهمة النسوية التي تتجنب أن توصف بها، فتكون الفتاة في مكانٍ ترى فيه المتديّنات متشددات يعِشْن في عالم آخر، والنسويّات منفلتات يدعين إلى الفاحشة والرذيلة، بينما هي ذاتها تحمل أسئلة وشبهات تخشى الإفصاح عنها أمام أحدٍ لئلا يسحبها أيّ من الفريقين إليه.

ولذا رأيت أن أوجّه لهؤلاء الفتيات اللواتي يرفضن الفكر النسوي، ويردن الله ورسوله والدار الآخرة ولا يعرفن كيف السبيل إلى مبتغاهن هذه المقالة، وعسى الله ينير دربنا جميعاً ويتقبل منا.

اعلمي أولاً يا عزيزتي أن مطلبك ليس بالبسيط ولا بالقليل، أنتِ تريدين رضا مولاكِ العليِّ القدير، وجنته التي عرضها السماوات والأرض التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، تريدين في هذه الدنيا حياةً مطمئنة وفي الموت تثبيتاً وفي البعث أمناً وفي النهاية شربة من حوض المصطفى وجواراً له في دار النعيم حيث لأهلها ما يشاؤون والمزيد. فمطلبك إذاً يستحق الجهد والعمل، وتهون لأجله المشقة والألم، فضعي هذا نصب عينيك، ثم امضِ رعاك الله.

أما وقد وضعنا الهدف المرجوّ أمامنا فلنتحدث عن الخيارين الذين تتجنبين الوقوع فيهما.

تصورات مغلوطة عن الالتزام

حين يتخيل كثيرٌ من الناس صورة الشاب المتدين فإنه لا يرى إلا رجلاً متجهماً في ثوبٍ ذي طراز معيّن مع غطاء رأس، لا يبدأ كلامه إلا بـ “يا أخي” أو “يا أختي”، ولا يتحدث إلا بالفصحى المتقعرة، ولا يقضي يومه إلا في المساجد والحلقات، لا يجيد تكوين العلاقات الاجتماعية، ولا هو طيب المعشر ولا يبتسم لغيره ولا يعرف كيف يعيش الحياة الواقعية كإنسانٍ متوازن وسوي. وكثيرٌ من تلك التصورات تنطبق بشكل تلقائي على ما هو شائع في الأذهان عن الفتاة الملتزمة التي اعتزلت الناس واختلفت عنهم بكل شيءٍ ثم لم تعد قادرة على التعامل معهم حتى.

وإن كان التدين والالتزام يدعونا لنبذ العادات والتقاليد الجاهلية، وإعادة التفكير بكثيرٍ من الموروثات الاجتماعية، فإنه من المهم معرفة مصادر ما نحمله من تصورات عن الإنسان الملتزم، فعلى مرِّ عقودٍ من التعرض لضخّ منتجات الإعلام العربي العلماني المؤدلج رُبِط التدين والالتزام بصور نمطية سلبية كثيرة تغلغلت في أذهان الناس، حتى بات من الصعب عليهم الانفكاك عنها أو تخيل الواقع بخلافها، رغم أنها بعيدةٌ عن الحال الحقيقية التي نعيشه ونراها، فكم من طالب علمٍ ملتحٍ بشوشٍ يوزع الحلويات على أطفال حيه كل أسبوع، وكم من فتاة ملتزمة بحجابها الشرعي وحضور حلقات العلم تمكنت من التأثير بأسرتها ومحيطها الضيق وتحبيب كتاب الله وسنة رسوله لهم، وكم من طالب علمٍ يجتهد ليوازن بين مسعاه وبين الارتباط بالواقع ورحمة غيره والاقتداء بخلق نبيه الذي قال: (المؤمن يأْلَف ويُؤْلَف، ولا خير فيمن لا يأْلَف ولا يُؤْلَف) [رواه أحمد وصححه الألباني]، وقال: (المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) [رواه الترمذي وأحمد وابن ماجه].

وإن كان في المجتمع قلةٌ ممن يشبهون صور الالتزام النمطية ببعض الجوانب، فما ذاك إلا لنقصٍ عندهم، وضعفٍ لديهم يحتاجون للاجتهاد على تجاوزه وسدّه، لأنهم بشرٌ ككل الناس، يخطئون ويصيبون، لم يبلغوا بوصف الالتزام مرتبة الأنبياء ولا تحولوا بها إلا ممثلين عن الدين الحنيف في كل حركاتهم وسكناتهم، لكن اجتهادهم ذاك يظل محموداً لأنه في سبيل الله وسعياً للتقرب إليه، ودربُ إصلاح النفس والمجتمع سواء سمّيناه التزاماً أم طلب علمٍ أم بحثاً عن السنة أو اقتداءً بالصالحين هو الذي نحتاج جميعاً لسلوكه لنكون مؤمنين بالله على علمٍ وداعين إلى دينه في كل مجالات حياتنا كما يحب سبحانه ويرضى.

التجنب المبالغ به لتهمة النسوية

رغم وجود الإشكالات الكبيرة التي سببها الفكر النسوي، وتسرب آثار وانعكاسات هذه الحركات إلى عقول ومشاعر فتياتنا، فإن كثيراً منهنّ لم تعِ من هذا الفكر إلا الخوف من تهمته في أي فعلٍ أو فكرةٍ تحملها، فصارت تخشى الإفصاح عمّا لديها من أسئلة وإشكالات أو التعبير عن التناقض الذي يعتصر دواخلها؛ وذلك لئلا توصَم بتهمة النسوية، أو لئلا تصنّف ضمن زمرة لا تحبها ولا ترضاها.

ولذلك أود هنا تقديم تعريف مختصر للنسوية لأوضح لأي فتاة ذات أسئلة، وفي حاجة للتعبير والإبانة عنها أن ذاك أمرٌ ضروري ولازم ولا علاقة له بالنسوية بغض النظر عما قد يقال أو ينسب للفتاة بسببها.

بدأ ظهور أول موجات النسوية في أواخر القرن التاسع عشر باعتبارها رد فعلٍ نفسي وعمليٍ طبيعي على تهميش النساء وظلمهن في المجتمع الغربي، حيث كنّ يُمنَعْنَ من التملك والانتخاب والتعليم وأيّ مشاركة غير أنثوية في المجتمع، ثمّ تحولت الحركة مع الرفض الذي واجهته والاستغلال الذي تعرّضت له من حركة حقوقية إلى تيارٍ مناهض للسلطوية الذكورية والتحكّم الرجالي، فصارت حركة متعصبة ضد الرجل بجنسه، وتحولت إلى المطالبة بالتسوية والتساوي، والمناداة بالتمرد على الطبيعة الذكورية وخصائصها وأدوارها.[i]

لم يتوقف تعصب النسوية على الرجال، بل امتد ليشمل النساء أنفسهن، والدعوة لتحوير طباعهن الأنثوية وما يوافقها من مهامٍ ليتشبّهن بالرجال الذين صاروا بنظر النسوية مثلاً أعلى وقدوة، فصارت الذكورية ذاتها معياراً للقوة والأهلية، وكلما شابهتها المرأة واتصفت بها كانت نسوية بحق. وانتشرت ظواهر استرجال انساء إمعاناً في المغالبة الجنسية وإثباتاً للكفاءة، وازدادت شراسة مطالب المساواة وخفت صوت مطالب العدل. فلم تعد النسوية تعنى بتحصيل الحقوق المسلوبة أو المشاركة المجتمعية الطبيعية، إنما صار سعيها وراء التكافؤ مع جنس الرجال رغماً عن النساء والوقوف بنديةٍ أمامه بأي ثمن![ii]

أما اليوم فقد تفاقمت عصبيات النسوية حتى صارت في الغرب ولدى تابعاتها في الشرق تطالب بتقديس حرية المرأة المجرّدة، وترى في زواجها وأمومتها وتربيتها لأولادها قيوداً ينبغي تجاوزها عبر إتاحة الزنا المفتوح دون أي التزامات، وتشريع قوانين تسمح بالإجهاض، بل وتغطّيه بالتأمينات الصحية، وتتيح استخدام حبوب منع الحمل للفتيات منذ سن الثانية عشرة بغض النظر عن آثار ذلك المدمرة على المجتمعات بأسرها.[iii]

ومن تلك المسيرةِ وترافقاً معها انطلقت الأدبيات النسوية واستمرّ الفكر النسوي بآثاره المدمرة اليوم، فهو وإن كان له حاجةٌ حين ظهر في الغرب، فتلك الحاجة انتهت حين حقق مساعيه الأولى، أما في ظل شرع الله الذي نريد العودة له؛ فلا حاجة لدعاوى نسوية من أساسها، ولا دور لمطالب التسوية أو استرداد الحقوق انطلاقاً من أهواء أو قيم علمانية سائلة؛ إذ {الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 71]، وحيث المرأة والرجل متكاملان لا يسعيان للتنافس ولا مكان بينهم للندية، وإن كان المجتمع ابتعد عن ذلك فالحل بالعودة إليه عبر رفع شرع الله فوق البشر لا عبر استبداله بمزيد من الجاهليات المستوردة التي لا تناسب زماننا ولا ثقافتنا.

ومن ثم –بعد هذا الشرح عن النسوية- ينبغي أن يكون واضحاً لكل فتاة مسلمةٍ تسعى لرضا مولاها أن سؤالها عن شبهات تسربت إليها لا علاقة له بالنسوية وحقيقتها، فدين الله لا يأمرها بالالتزام بمعايير مجتمعية ظالمة تأمرها بالصمت والقعود عن طلب العلم، ولا يمنعها عن دورها كمربيةٍ ومعلمةٍ وداعية إلى الله بحسب مجالها وقدرتها واستطاعتها.

هذه الأفعال لن تجعلك نسوية

أختم هذا المقال برسالةٍ لكل فتاة مسلمةٍ تسعى لأن تلقى الله بقلبٍ سليم، فأقول لها: أفهم تماماً يا عزيزتي أن حياءك زينة لا تقدر بثمن، وأنَّك تأنفين الجدال، وتترفعين عن لغو الكلام، وتعتزين بأنوثتك عن صغائر الأمور والأفعال، لكن هذا كله ليس مانعاً من السؤال والتعبير والإبانة وطلب العلم الشرعي والبحث والاستشارة عما لكِ وما عليكِ، وعما لا يسعك جهله من واجباتك وحقوقك، فسعيك لتكوني من المؤمنات اللواتي أثنى الله تبارك وتعالى عليهنّ بالغفلة في الآيات الكريمات لا يعني الغفلة عن مكانتك في شرع الله، ولا يعني امتناعك عن المطالبة بحاجاتك التي تتعب نفسك من إنكارك لها وترفّعك عن الاعتراف بوجودها، وكونك مؤمنةٌ تقيّة لا يعني أن تنكري الشبهات التي تدور في خلدك لأنك تريدين أن تطابقي الوصف المشهور للمسلمة التي وُلِدت مطمئنة بالدين الحق، لم تدخل عليها شبهةٌ ولم تسمع بفتنة ولم يساورها شكٌ أبداً.

قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: (نعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَكُنْ يَمْنَعُهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ) [أخرجه مسلم]، وسألت امرأة رسول الله: (يا رسولَ اللَّهِ! إنَّ اللَّهِ لا يستَحي مِنَ الحقِّ، هل على المرأةِ غُسلٌ إذا هيَ احتَلَمت؟ قالَ: نعَم إذا رأَتِ الماءَ فضحِكَت أمُّ سلمةَ، فقالت: أتَحتَلِمُ المرأةُ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ: ففيمَ يشبِهُها الولَدُ) [أخرجه النسائي]، وفي مسند الإمام أحمد عن يزيد بن بابنوس أنه قال: (ذَهَبتُ أنا وصاحِبٌ لي إلى عائِشةَ فاستَأْذَنَّا عليها، فألقَتْ لنا وِسادةً، وجَذَبَتْ إليها الحِجابَ، فقال صاحِبي: يا أُمَّ المُؤمِنينَ، ما تقولينَ في العَراكِ؟ قالَتْ: وما العَراكُ؟ وضرَبْتُ مَنْكِبَ صاحِبي، فقالَتْ: مَهْ، آذَيتَ أخاكَ! ثم قالَتْ: ما العَراكُ؟! المَحيضُ، قولوا: ما قال اللهُ: المَحيضُ، ثم قالَتْ: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يتَوَشَّحُني، ويَنالُ مِن رَأْسي، وبَيْني وبَيْنَه ثَوبٌ، وأنا حائِضٌ).

وكذلك كانت نساء خير القرون يطلبن العلم ويعلّمنه ولا يمنعهنّ من ذلك خوف مما قد يقال أو توقف عند أعرافٍ جاهلية جاء شرع الله ليشذبها ولا يبقي منها إلا ما يرضيه. ووجودُ تهمٍ يتناقلها الناس اليوم لا يبدل من ذلك شيئاً، خصوصاً والفتاة باتت في حاجة أكبر لطلب العلم والبحث في الأحكام الشرعية التي تلزم المرأة المسلمة ولا يسعها جهلها ومعرفة الخلاف فيها، إلى جانب دراسة التاريخ الإسلامي من مصادره المعتبرة التي تروي الأحداث كما هي دون تقسيمها إلى أفعال الذكور والإناث، ثم سؤال أهل العلم للوصول إلى الحق ورضا الله، والمتعلّمات كذلك في حاجة أكبر لنشر ما رزقن من علمٍ والدعوة إليه.


الهوامش

[i] د. هدى النمر. قضية المرأة بين الشريعة الإسلامية وسجالات النسوية. ص43

[ii] المصدر السابق

[iii] د. هدى النمر. قضية المرأة بين الشريعة الإسلامية وسجالات النسوية. ص44

وللاطلاع على قصة النسوية بأسلوب سهل ومبسط أنصح ببرنامج النسوية للدكتور البشير عصام المراكشي على يوتيوب