1

انهزامية بالسُكَّر

قرابة قرنٍ من الزمان مرّ على سقوط آخر دول الخلافة الإسلامية، حيث أصبحت الأمة الإسلامية في آخر القائمة الأمميّة سياسيًّا بعد تخلّفها فكريًّا، فكانت الخاتمة الطبيعية للبعد عن سنن الله في الحضارة والصعود والهبوط، فبينما كانت أراضي المسلمين تمتد من الأندلس غربًا الى الهند شرقًا، أضحى ذلك الحال تاريخًا يُروى ولم تعُد للدول الإسلامية مكانتها السابقة، بل لم يبق لها من الأمر شيءٌ، وإنما أصبحنا أمةً منقادةً فكريًا وحضاريًا وثقافيًا.

ابن خلدون وقانون العمران

وضع العالم المسلم ابن خلدون في مقدمته الشهيرة قانونًا اجتماعياً مستنبطًا من تاريخ الأمم في العمران، حيث اعتبر أن الأمة المهزومة تقلّد وتتبع الأمة الغالبة التي هزمتها أو احتلتها، وعلّل ذلك بقوله: “والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إمّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي وإنما هو لكمال الغالب”.

فالسبب في تلك الانهزامية النفسية والاقتداء بالأمة الغالبة هو ظن المغلوب أن الكمال مع الغالب، وهذا -لشديد الأسف- ما نراه في أحوال الأمة الإسلامية التي لم تسلم من تحقّق ذلك القانون السُنَني والمجتمعي فيها.

ولا شك أن مظاهر التغريب الثقافي حاضرةٌ بقوةٍ في مجتمعنا المعاصر، من تقليد لملابسهم وهيئتهم، وحتى في اتخاذ قصات شعرهم وتقليدها كنوع من أنواع اتباع الصيحات العالمية المنتشرة المسمّاة بـ “الموضة”.

وليتوضح لك أن هذا التقليد والاتباع نوع من أنواع الهزيمة النفسية التي أشار لها ابن خلدون، عُد بالزمن قليلًا مدة عشر سنوات أو خمس عشرة سنة وانظر الى منظور المجتمع العربي والإسلامي بشكل خاص الى إطلاق اللحية وارتداء السراويل (البناطيل) القصيرة، حيث ستجد أنه شيءٌ غير مقبول على المستوى العرفي وممنوعٌ في كثير من أماكن العمل ولا يتصف بهذه الهيئة إلا “الملتزمون دينيًّا” كما يطلق عليهم، ثم ألقِ نظرةً على الوقت الحاضر وكيف أصبح عددٌ كبيرٌ من الشباب ممن يرتدون تلك (البناطيل) القصيرة ولهم لحىً كثيفة، وذلك فقط لأن الغرب تسامح مع هذا المظهر واتخذه نوعًا من أنواع “الموضة” فانساق كثير من الشباب المنهزم نفسيًا وراءهم وقلدهم –وإن كان بلا وعي أو شعور لهذا التقليد-.

التأثر بالتغريب الفكري والسياسي

من الطبيعي أن انكسر المسلمون عسكريا وثقافيًّا وسياسيًّا أن يغيبوا عن ساحة الفعل والتأثير، خاصّة أن مشاريع النهوض الفكرية لا تلقى الدعم المناسب لإنجاحها، وكذا فإن الواقع السياسي أوهنَ المجتمعات الإسلاميّة وفتح أبوابها على مصاريعها أمام الانحطاط الثقافي والمعرفي والتخلف في جميع مناحي الحياة، فضعفت المناعة الذاتية والفكرية أمام الأمم التي لها الغلبة، وأخذوا يشربون من أفكارهم ظنًا منهم أن هذا التقليد سيوصلهم إلى ذلك التقدم والازدهار المدنيّ والعمراني والتقني الذي تعيشه تلك الأمم.

لقد كان من مظاهر تلك الانهزامية النفسية هو التأثر العميق بالتيارات الفكرية الغربية، كالتأثر المعاصر بالحركة النسوية التي تدعو إلى المساواة الكلية بين الرجال والنساء في إطارٍ من التمرد الواضح لدعاة النسوية على الاختلاف الواضح بين الجنسين، وهنا لم تعدم بلاد المسلمين ظهور بعض من النسويات –في مواقع التأثير- لتدعو إلى التمرد الداخلي ضد العرف والمجتمع والدين، فكانت الدعوة للمساواة المطلقة في الميراث وإلغاء القسمة الشرعية التي تنص -في بعض حالاتها- على أن نصيب الرجل ضعف نصيب المرأة، ولا عجب أن يتمّ إصدار قانون ينص على المساواة في الميراث بين الجنسين في عدة دول –كما في تونس سنة 2018 وإن لم يتم التصديق عليه بعد-.

وهنالك من تأثر بالتيار الوجودي الذي يعظّم من شأن الإنسان كوحدة الوجود، فزعموا أنه تزداد قيمة الإنسان بمقدار خدمته للإنسانية فقط، حتى أن بعض شباب المسلمين ترحّموا على العالم الملحد “ستيفن هوكنج” بعد وفاته، وذلك تقديرًا لمساهماته العلمية (الإنسانية) الكثيرة، مع أن ذلك شرعًا غيرُ جائزٍ، ولكن الإنسانية أو الوجودية تركت في نفوسهم أثرًا، أدركوا ذلك أم لم يدركوه، ولستُ هنا لبيان ضلال تلك الفكرة ولكن لتوضيح تداعيات ذلك على الأفراد وإظهار مدى تأثر البعض الفكر الغربي المهيمن.

ونجد على سبيل المثال -أيضًا- تصاعدًا واضحًا للنزعة العِلموية التي تقدس من التجارب الحسية وكل ما يقدمه العلم المادي فقط، إلى جانب التفاخر بإمكانية التحدث باللغات الأجنبية –على أهميتها- مقابل الاستهزاء بالعربية، حيث إنه من المفترض أن تكون تلك اللغات مجرد آلةٍ أو أداةٍ يُستعان بها على تحصيل العلم، ولكن الوضع تغير وأصبح تعلمها غايةً في حد ذاته، لما له من آثار في إظهار هالة معيّنة لأصحابها.

زاد انبهار المسلمين بحضارات الغرب المهيمن حتى ظنوا أن اتباع أنظمتهم السياسية والاقتصادية سيؤدي لنفس النتيجة التي انتهى إليها الغرب، فرفع البعض شعار الاشتراكية التي تحلم بالقضاء على الطبقات الاجتماعية بهدف منح الفقراء حياة كريمة وإعطاء طبقة العمال الكادحة حقها المسلوب، ورأى البعض أن العلمانية حلٌ لدولة متقدمة متحضرة يتساوى فيها كل الأفراد ويحكمها قانون مدني يفصل الدين عن إدارة وسياسة البلاد، وهنالك الكثير من التيارات الفكرية والسياسية التي تم استجلابها من الغرب، كالليبرالية وغيرها، وذلك سعيًا -من أصحاب النفوس المنهزمة- لنهضة الأمة الإسلامية والعربية على نفس المسار الذى اتخذه الغرب سابقًا، عسى أن يصلوا إلى ما وصل إليه الغرب، ولكن “ما هكذا تُورد الإبل”.

انهزامية بالسُكّر

إذا أزعجتك مرارة القهوة، فما عليك إلا أن تضيف عليها القليل من السُكّر!. وهكذا الأفكار المرّة، تحتاج إلى القليل من الإضافات أو السُكّر ليتقبلها المجتمع.

هكذا سعى المنظّرون لتطويع الإسلام بما يناسب أفكارهم ومنطلقاتهم التي اكتسبوها بهزيمتهم النفسية وتقليدهم للغرب الغالب، حيث كان ذلك أكثر خطرًا من أن تُنشر تلك الأفكار مجردةً دون إدخال أي رابط إسلامي بها، فالفكرة المجردة يمكن تبيين ضلالها إذا ما قورنت ووُزِنَت بميزان الشرع، أما إذا ما خلطتها أو شرعنتها بالدين فذلك تلبيسٌ لكل أهل هذا الدين وإضلال لهم، لاعتقاد الشخص المتبنّي لها أنه لا يعارض الشرع، ويصعُب بعد ذلك إيضاح ضلال تلك الأفكار.

ومن النماذج التي يمكن التمثيل بها هذه القضية هي ظهور بعض النسويات اللواتي يرتدين -مجازًا- عباءة الإسلام ويستدللن على أفكارهن بمقتطفات القصص النبوية التي تظهر قيمة النساء ومكانتهن في الإسلام، أو قصص النساء اللاتي خرجن مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغزوات، وإذا وجدن ما يخالف فكرهن أوّلوه أو ادّعوا أن ذلك الحكم كان لفترة زمنية معينة وانتهى بانتهاء تلك الفترة.

ولا ريب أن هذا الاستشهاد وما لحقه من التأويل هو السُكّر الذي يوضع في مقالتهن ليسهل على الناس تقبل أفكارهن.

وقسْ على ذلك كل ممثلي التيارات الفكرية من مختلف الخلفيات الإسلامية؛ فالتيار الوجودي يدعمه الإسلام الذي اهتم بحرية الإنسان في عقيدته، ويستشهدون بقوله تعالى: {لكم دينكم ولي دينِ} [الكافرون: 6] أو قوله: {لا إكراه في الدّين} [البقرة: 256]، وأن الإسلام هو دين العفو والسلام والكرامة، وكل هذه القيم تُعلي من قيمة الإنسان والإنسانية.

وجاء غيرهم ليزعم أن الاشتراكية إسلامية المنشأ؛ فالإسلام يحث على دفع الصدقات للفقراء، وفرض الزكاة على الأغنياء أو الطبقة الرأسمالية، وكانت تلك الأموال تُقسّم على طبقة الفقراء الذين هم من طبقة العمال حسب ما يدّعون، أما عن العلمانية التي تُقرّ بفصل الدين عن سياسات الدولة، فإن بعضهم يسوّغها بأنها مهمّة لحفظ الدين المقدس بعيدًا عن ألاعيب السياسة القذرة!

وهكذا يستمر بعض متبنّي هذه الأفكار في إضافة القليل من السُكّر لإيجاد قبول لها في أوساط المجتمعات الإسلامية.

الإسلام متبوعٌ لا تابعًا

من الضروري الاعتقاد بأن الإسلام دين متبوعٌ وليس تابعًا لغيره من الأفكار، وأن الأصل يكون باتباع ما جاء به، فإذا عارضه أمر ما فمن التسليم -الذى هو أساس الإسلام- أن نترك ذلك الأمر ونتجنّبه، ومن الخطأ الكبير أن ينحاز المرء لفكرةٍ ما أولًا ثم يحاول البحثَ والتنقيبَ في السنة والقرآن عمّا يناسب تلك الفكرة ليسوّغها ويدعو لشرعنة ما افترضَ من صحتها مسبقًا.

إن الأصل –إذًا- بأن نجعل نقطة البداية والميزان في الإسلام والشريعة؛ فنزن عليهما كل الأفكار المستحدثة، فإن وافقت الإسلام فلا حرج وإلا وجب رفضها والنهي عن اتباعها.

الاستعلاء بدين الله

ومن البديهي هنا أن نسأل بعض الأسئلة: مثل، كيف تنهض أمتنا دون الاستعانة بعلوم الغرب الحديثة؟ وما المقدار الذي يكفينا من تلك العلوم دون أن ينعكس بالسلب على أمتنا؟!

الحقيقة أني لست هنا لأسرد لك خطةً خمسينيةً تستطيع بها الأمة أن تعود لمجدها السابق، ولكن يمكنني أن أشير لك على فترةٍ زمنيةٍ مرّ فيها المسلمون بما مررنا به الآن من ضعفٍ وتشتتٍ، ولكن قاموا وأقاموا الدنيا عمارةً وحضارةً دون التخلي عن مبادئهم الأولى، وتمسكوا بمعتقداتهم التي تعلموها على يد خير معلمي الناس الهدى محمد صلى الله عليه وسلّم، وأقتبس هنا من كلام الأستاذ محمد قطب –رحمه الله-:

“لقد كان المسلمون في نشأتهم الأولى في طور من البداوة لا يملكون شيئًا مما يملكه المتحضرون من حولهم من أسباب الحضارة المادية أو من العلوم، وكان لزامًا عليهم إذا أرادوا الحضارة المادية والعلم أن يأخذوا أسبابها من الدولتين العريقتين عن يمين وشمال، فارس والروم. وقد صنعوا ذلك بالفعل.. ولكنهم لم يحنوا رؤوسهم أبدًا، ولم يشعروا بالانبهار، وكانوا هم الأعلَين؛ لأنهم كانوا هم المؤمنين”[محمد قطب، واقعنا المعاصر]

وهنا يتضح الفارق بين أمةٍ منهزمةٍ نفسيًا تبحث عمّا ينتشلها من التيه ولو كان في جحر الضبّ، وأعينها مذهولةٌ منبهرةٌ بالغرب المهيمن، وبين أمةٍ مستعليةٍ بدين الله؛ فرغم حاجتهم لعلوم الكفار المادية ولكنهم لم ينكسروا تحت سطوة التقدم المادّي فأخذوا منهم ما ينفعهم وتركوا ما يعارض عقيدتهم وإيمانهم.

وهذه المنهجية في أخذ علوم الغرب هي التي نحن بحاجةٍ لها الآن، فينبغي أن ننتقيَ من العلوم التي تُعين على قيام إقامة المجتمعات والمقاصد الإسلامية، وترك كل ما يخالف عقيدتنا ومبادئنا الإسلامية، وهذا لا يتم -في وجهة نظري- إلا بتأسيس القاعدة الشرعية السليمة على فهم سلف الأمة، والتي تؤهل الأفراد لتنقيح ما يتم استيراده من أفكارٍ تؤثر بالسلب ولا تنفع عامّة المسلمين، وعلى العلماء الشرعيين دورٌ كبيرٌ في الاطّلاع على تلك الأفكار من أجل تبيان أضرارها وتحذير الناس منها.

في الختام فإني أؤكد على ضرورة الاعتزاز والاستعلاء بدين الله، وبدلًا من البحث عن أسباب التقدم المادي في ظل السلطة الغربية الماديّة والثقافية المهيمنة، فإنه ينبغي علينا أولًا أن نرجع إلى الوراء قليلاً لنتلقّى العلم بمنظور ومنهجية سلفنا الصالح، الذين عمروا الأرض وأقاموا الدين والدنيا بلا تعارض، فقد علِموا أنهم على حق وأن ما يوحى إليهم هو النظام الإلهيّ الذي له العزّة وليس لأنظمة الأمم المهيمنة، فلم ينكسروا أمام سطوة الأقوياء، ولم ينساقوا خلف أفكارهم، ولم يهنوا ولم يحزنوا، لأنهم كانوا هم المؤمنين. فالله تعالى يقول: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}[آل عمران: 139]