1

النفس البشرية بين التزكية وأعباء الرسالة

جاء الإسلام دينًا متكاملًا يوازن بين العقل والنفس والروح والجسد، يعطي كُلًّا منهم حقه بما يتوافق مع الطبيعة البشرية، وأتى بتشريعات تنظم حياة الأفراد والجماعات وتضعها في أطر تضمن سلامة الفطرة الإنسانية. وطالما أن صاحب الشريعة هو خالق الإنسان وأعلم بما يحفظ فطرته فقد ضمَّن هذه الشريعة بما يزكي النفس ويحميها من براثنها، وبهذا أصبح الإسلام منظومة متكاملة للارتقاء بالنفس البشرية.

مفهوم التزكية في الإسلام

التزكية -كما يقول الغزالي- هي تكميل النفس الإنسانية بقمع أهوائها وإطلاق خصائصها العليا. وقد قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى {قد أفلح من زكاها} [الشمس: 9] من زكى نفسه بطاعة الله، وطهرها من الرذائل والأخلاق الدنيئة. فالتزكية تطهير للنفس من أدرانها الطَبْعيّة والخلقية، وتقليل قبائحها ومساوئها، وزيادة ما فيها من محاسن الطبائع ومكارم الأخلاق. فالتزكية تقوم على أمرين: التخلية والتحلية، أي تخلية النفس من كل الذنوب والسيئات، والمعاصي والبليات، والقبائح والمسترذلات. وتحليتها بالمكرمات، وتنمية المستحسن من الأخلاق والعادات حتى تبلغ بها النفس المطمئنة. [تفسير ابن كثير]

إن جوهر عملية التزكية: الارتقاء بالنفس درجة درجة، من السيئ إلى الحسن ثم ترقيها في مراتب الحسن والصفاء حتى تبلغ أعلى المستويات الإنسانية وأسماها، فتتحول من نفس أمارة بالسوء أو لوامة إلى نفس مطمئنة راضية عن ذاتها مرضية عند مولاها وربها

أعباء الرسالة وطبيعة النفس البشرية

قال الله عز وجل {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلًا} [المزمّل: 5] أي إنَّا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا العمل به، فقد جُبلت النفس على حب الراحة والدعة والركون والاثِّقال إلى الأرض، وجُبلت على اتقاء المخاطر وركوب مطايا التضحية لا سيما التضحية بالنفس فكان ثِقَل الرسالة هنا هو الأمر بالجهاد، قال الله عز وجل {كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} [البقرة: 216]، وفُطرت النفس على حب المال وحب ادخاره، قال ابن حجر [في فتح الباري]: أخبر الله عن الإنسان أنه {لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} والخير هنا المال اتفاقا، فيأتي الأمر الثقيل بالزكاة، ويأتي الأمر بإقامة الصلاة على أوقاتها بما فيها صلاة تقطع عليك نومك، وترك البيع إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، وصيامٌ يختبر تقواك وصبرك ويكبح شهواتك، وغير ذلك الكثير من تفاصيل أوامر الشريعة الإسلامية مما يستوجب وجود منظومة قوية محكمة تضبط رعونة الإنسان وتروضه، وهنا تأتي دور التزكية التي تحرر الإنسان من طبيعته الطينية لينطلق في رحاب النفخة الإلهية، وتميل نفسه للخير والطمأنينة ويستطيع التحكم في أهوائها وشهواتها بالقدر الذي يتناسب مع كونه آدمي في النهاية.

إن الإنسان مخلوق مزدوج الطبيعة، مزدوج الاستعداد مزدوج الاتجاه، بمعنى أنه في طبيعة تكوينه: من طين الأرض، ومن نفخة الله فيه من روحه، وهو لذلك مزود باستعدادات متساوية للخير والشر، والهدى والضلال، فهو قادر على التمييز بين ما هو خير وما هو شر، كما أنه قادر على توجيه نفسه إلى أيهما أراد، وهذه قدرة كامنة في كيانه يعبر عنها القرآن بالإلهام تارة {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 7-8] ويعبر عنها بالهداية تارة {وهديناه النجدين} [البلد: 10] وإلى جانب هذه الاستعدادات الفطرية الكامنة قوة واعية مدركة موجهة في ذات الإنسان هي التي تناط بها التبعة، فمن استخدم هذه القوة في تزكية نفسه وتطهيرها وتنمية استعدادات الخير فيها وتغليبها على استعدادات الشر فقد أفلح، ومن أظلم هذه القوة وخبّأها وأضعفها فقد خاب [في ظلال القرآن]

لا تزكية دون تسليم

لا يمكن للإنسان أن يصل إلى جوهر التزكية إلا إذا بدأ بالتسليم، التسليم أولًا بكونه بشري يصيب ويخطئ وتعرض عليه العوارض وتتقلب به الأحوال، وبأن نزعاته البشرية لا تستقيم له ولا يتذوق معنى الطمأنينة إلا بلجوئه إلى قوة أعظم منه تحميه وترعاه وتربيه، فيسلِّم بضعفه ونقصه واحتياجه لربٍ حكيمٍ عليمٍ قادرٍ رحيم، ثم يسلم له ولتمام علمه وحكمته فيخضع لأوامره ونواهيه. هنا تحديدًا يصل الإنسان إلى مرحلة تقبل التزكية حيث أنه سيكتشف رغم تجلي اليقين أمامه ومعرفته بحقيقة الوجود وتسليمه لها أن نفسه لا زالت تساوره بفعل المنكرات، وما فتئت تذبه عن القيام بالواجبات، فهنا تتجلى معاني مجاهدة النفس ورياضتها حتى تصل إلى مرحلة الطمأنينة التامة والثبات الدائم، بل وترى في بذلها لبارئها لذة لا يعدلها لذة، وتنزع منها كل خوف إلا من خالقها.

هل الإسلام مصحة نفسية؟

قبل مدة وجدت شابًا كوريًا دخل الإسلام حديثًا وكان يروي قصة إسلامه والتي مختصرها أنه تعرض لصدمات نفسية واجتماعية كثيرة وقاسية أدت إلى دخوله في حالة اكتئاب شديدة، فبينما هو يبحث عن الحل قرأ عن الإسلام فوجد فيه تحريرًا لروحه فلامس وواقع فطرته فأسلم، ظل فترة ينشر مقاطع يومية يعرض فيها تعلمه للإسلام ويقرأ بعض آيات القرآن، وأسلم أخوه أيضًا على إثر إسلامه وغيّرا أسماءهما إلى أسماء عربية، وبالفعل انقطعا عن شرب الخمر وأكل الخنزير وشرعا في تعلم الصلاة، وكذا حرصا على الالتقاء ببعض المسلمين الآخرين سواء من حديثي العهد بالإسلام أو من الدعاة.

 في الواقع كنت أتابعهم بشكل منتظم لأرى تطورهم في تعلم الإسلام وكنت بهما فرحة مستبشرة، إلا أنّ ثمة تَخوّف اختلج نفسي لِما رأيت عندهما من إشكالات عقدية في فهم جوهر الإسلام الذي به يصمد المرء ويتحمل القول الثقيل وأعباء الرسالة، وكان من حولهم يتجاوزون عنها بحجة أنهم حديثو عهدٍ بالإسلام، فعندما يستثقلون الخمس صلوات يقولون لهم لا بأس باثنتين في بادئ الأمر حتى تعتادوا، يُقال هذا لأناسٍ لم يعرفوا لماذا أصلًا يكابدون أعباء الرسالة!

بعد فترة من الوقت قال هذا الشاب الذي أسلم بدايةً أنه بالفعل تعافى نفسيًا عند دخوله إلى الإسلام ولكنه لا يستطيع إقامة فرائضه بشكل كامل وأن الأمر متعبٌ للغاية رغم أنه دينٌ جميلٌ حقًا وله فضلٌ في معافاته ولكن لا يستطيع، وبالفعل ارتد عن الإسلام وغيّر اسمه مرة أخرى وترك الأمر برمته.

هذا لم يكن صادمًا جدًا بالنسبة لمن لم يتشربوا معنى التسليم في قلوبهم لينطلقوا منه إلى التزكية التي تثبتهم وتعطيهم جلد لتحمل أعباء الرسالة. لأنه ما دخل الإسلام في الأصل من أجل البحث عن الحقيقة، وإنما كان احتياجًا بمجرد تحصيله خلع عباءة الإسلام ولم يتحمل ثقلها..

وهنا نسأل ما موقف رسول الله من التنازل عن بعض الأحكام الشرعية من أجل تأليف القلوب؟

 استمع وفد ثقيف إلى الإسلام، ورأى أحوال المسلمين، وطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يسلموا، لكن كان عندهم بعض الشروط يريدونها من الرسول عليه الصلاة والسلام، وهذه الشروط توضح أنهم لم يريدوا الإسلام حباً فيه، ولكن جاءوا رهباً منه ورغباً في المصالح من ورائه.

قال زعيمهم عبد ياليل بن مسعود: أفرأيت الزنا، فإنا قوم نغترب ولا بد لنا منه؟ يعني: هم يريدون أن يستحلوا الزنا، مع علمهم أن من تعاليم الإسلام تحريم الزنا، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام هو عليكم حرام؛ فإن الله عز وجل يقول: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء:32]. فقال عبد ياليل: أفرأيت الربا؛ فإنه أموالنا كلها؟ قال صلى الله عليه وسلم: لكم رؤوس أموالكم، فإن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:278]. فقال زعيمهم: أفرأيت الخمر؛ فإنه عصير أرضنا لا بد لنا منه؟ قال صلى الله عليه وسلم: إن الله قد حرمها، وقرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:90].

هذه أمور ثلاثة حاولوا أن يحذفوها من الإسلام، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام كان واضحاً تمام الوضوح، وكان حازماً تمام الحزم، لا مساومة في الدين، ولا التقاء في منتصف الطريق إذا كان الأمر يخص العقيدة والحلال والحرام، ولم يسع إلى تأليف قلوبهم عن طريق حذف أو تبديل في الشريعة.

قام وفد ثقيف للتشاور، فقال بعضهم لبعض: ويحكم إنا نخاف -إن خالفناه- يوماً كيوم مكة، يعني: لو رفضوا أن يأخذوا الإسلام كاملاً دون حذف ولا تبديل فقد يغزوهم في يوم من الأيام، ويحدث لهم ما حدث لأهل مكة، فأتوا الرسول عليه الصلاة والسلام وقالوا: نعم لك ما سألت، ثم قالوا: أرأيت الرَبَّة؟ لا زالت هناك محاولات أخرى لحذف بعض الأمور من الدين الإسلامي، قالوا: أريت الربة ماذا نصنع فيها؟ الربة هي اللات وهي الصنم المعبود في الطائف، وكانت من أعظم أصنام العرب، والجميع كان يقسم بها ويهدي إليها ويذبح عندها ويعتقد فيها، فأجاب الرسول عليه الصلاة والسلام إجابة حاسمة لا مجاملة فيها، قال: اهدموها.

ففزع أهل ثقيف وقالوا: هيهات لو تعلم الربة أنك تريد هدمها لقتلت أهلنا. فكان عمر بن الخطاب حاضراً هذه المفاوضات فقال: ويحك يا عبد ياليل إن الربة حجر لا يدري من عبده ممن لا يعبده، فرد عليه عبد ياليل وقال: إنا لم نأتك يا عمر (يعني: ليس هذا من شأنك).

لكن لم يجد أهل ثقيف بداً من هدم اللات، وأصر الرسول عليه الصلاة والسلام على هدمها، لكنهم بدأوا يسامون على توقيت هدم اللات، فطلبوا من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدع اللات ثلاث سنين قبل أن يهدمها، فأبى صلى الله عليه وسلم، فقالوا: سنتين، فأبى، فقالوا: سنة، فأبى، فقالوا: شهراً واحداً، فأبى صلى الله عليه وسلم، فأسقط في أيديهم، وقالوا في يأس: تولَّ أنت هدمها، أما نحن لا نهدمها أبداً، فقال صلى الله عليه وسلم: فسأبعث إليكم من يكفيكم هدمها. [السيرة النبوية]

إننا نجد في وفد ثقيف ما نراه في هذا الشاب وغيره ممن لا يتحمل أعباء الرسالة، لأن كليهما لم يدخلا الإسلام لأجل الإسلام أو لأجل تجلي الحقيقة، بل دخلاه لمصلحة ما سواء كانت نفسية الأبعاد أو اجتماعية، ومثل هؤلاء لا يصمدوا كثيرًا أمام القول الثقيل. ونجد أيضًا أنه لا يمكن المساومة على حكمٍ من أحكام الله، والتدرج لا يكون في مركزيات الإسلام وإنما يمكن أن يأتيه الإنسان فيما نَفُلَ منه، فلا إسلام بلا أعباء ومجاهدة، لذا نجد في جيل الصحابة أنهم كانوا يتحملون من العذاب ما لا يتخيله بشر ويظلوا ثابتين على الدين لأنهم أتمّوا التسليم وتشربوا التوحيد في قلوبهم فكان عندهم من الفهم والصبر على الأذى ما يجعلهم يلجون مطايا المنايا بتامّ الرضا. أجل الإسلام يزكي النفس ويطهرها بل هو شفاء لها، ولكن يجب على هذه النفس أيضًا تحمل أعباء الرسالة.


مصادر للاستزادة

١- http://www.saaid.net/bahoth/81.htm

٢-https://www.elazayem.com/main/islamic_encyclopedia/null/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%A9/510

٣- السيرة النبوية للدكتور راغب السرجاني.

https://youtube.com/playlist?list=PL4aBqnO2MtcFT7jgUVs5WwYa9Vi053HeU

https://al-maktaba.org/book/32238/617

٤- سلسلة حلقات فقه النفس للدكتور عبد الرحمن ذاكر الهاشمي.