1

المسلمون والتغيرات العالمية

يَشهد عالمنا اليوم تغيرات كُبرى مُتسارعة على المُستوى الدولي، ومؤخرًا الصراع العسكري الذي نُتابعه جميعًا بين روسيا وأوكرانيا، وكذلك نُلاحظ صراعات أخرى حول مصادر الطاقة وتأمينها، واللجوء لجريمة التطبيع مع الكيان الصهيوني من أجل ذلك كما فعلت مؤخرا عدة دول بهدف الوصول لاتفاق حول حقول الغاز في المُتوسط. ونحن المُسلمين يجب علينا التوقف على هذه الأحداث الكُبرى وتحليلها برؤية عميقة حتى نتعرف على المخاطر المُستقبلية والتحديات التي سوف نواجهها، ومن أجل ذلك وجب علينا العودة لعلم الجيوبولتيك الذي يُبرز لنا الدوافع والغايات وراء ما يَحدُث اليوم.

 والتعريف المُبسط لهذا العلم هو التحديد الجغرافي والمدى المكاني للدول والحضارات فبه يتم وضع الاستراتيجيات من قِبَل السلطة للتوسع الجغرافي للأمم وبسط نفوذها السياسية. وقد بين لنا أُسس هذا العلم الألماني فريدريك راتسيل المُلقب ب”أب الجيوبولتيك” فقال:” تتشكل الدولة مثل كائن حي مرتبط بجزء مُحدد من سطح الأرض وتتطور سماتها طبقا لسمات الشعب والتربة. أما السمات الأهم فهي الأبعاد ومكان التوضع والحدود”(1)، فنظرية راتسيل قائمة على أن الدولة كائن حي وتوسعها الجغرافي عملية طبيعة شبيهة بنمو الكائنات الحية. وما يحدث اليوم من صراعات إقليمية هو امتداد لهذه النظرية وما حرب روسيا وأوكرانيا إلا تجسيدًا لها وإيقاظ لنا من سُباتنا وجمودنا المُتواصل.

حُلم الإمبراطورية العالمية

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب العالمية الثانية قامت الولايات المُتحدة الأمريكية بتأسيس حلف أطلسي جديد بالشراكة مع أوروبا الغربية مُكونًا الغرب الأطلسي، يهدف لبسط نفوذه والتوسع وضمان المصالح المُشتركة، ومن أجل نجاح هذا الحلف واستمراره كان لابد من ضمان عدم وجود قوات استراتيجية تُهدد مصالحه وبالتالي وجب اتخاذ بعض الخطوات حماية له حيث يقول هنتينغتون، مدير معهد جون أولين للدراسات الاستراتيجية لجامعة هارفارد: “على الغرب ضمان قيام التعاون الأكثر اتثاقًا وتوحدًا في إطار الحضارة الذاتية وبخاصة بين جزئيها الأوروبي والأمريكي الشمالي، أن تتكامل في الحضارة الغربية تلك المُجتمعات القائمة في أوروبا الشرقية و في أمريكا اللاتينية، والتي تتقارب ثقافتها مع الثقافة الغربية […] الحد من التطور العسكري للدول الكونفوشيوسية والإسلامية، وقف انكماش القوة الحربية الغربية وضمان التفوق العسكري في الشرق الأقصى وفي جنوب غرب آسيا، استغلال المصاعب والنزعات في العلاقات المتبادلة بين الدول الإسلامية والكونفوشيوسية، ودعم المؤسسات العالمية التي تعكس المصالح الغربية وتُضفي عليها الشرعية وتحقيق اجتذاب الدول غير غربية إلى هذه المؤسسات”(2).

خريطة تقسيم العالم بعد الحرب العالمية الثانية

خريطة تقسيم العالم بعد الحرب العالمية الثانية

وما حدث مؤخرًا من محاولة ضم أوكرانيا المنتمية لأروبا الشرقية للحلف الأطلسي الغربي الأمريكي ليس إلا امتدادًا للعمل بهذه الاستراتيجية، للتوسع والسلطة والحد من الخطر الروسي المُهدد لمصالحهم وما كانت هذه الحرب إلا ردة فعل قامت بها روسيا أيضًا حماية لأهدافها الجيوبولتيكية وتحقيقًا لها.

فهدف الولايات المُتحدة والغرب هو إقامة حكومة عالمية يقومون هم بإدارتها ويُخضعون باقي المُجتمعات للقيم العالمية التي يرونها هم حسب نظرتهم هي الأنسب حيث يقول  المحلل الاستراتيجي ألكسندر دوغين: “إن الخط الأساسي لكافة مُخططات العولمة يتمثل في الانتقال إلى النظام العولمي الواحد تحت السيطرة الاستراتيجية الغربية والقيم (التقدمية والإنسانية والديموقراطية)”(3)، وفي المُقابل نجد روسيا التي تهدف بدورها بإعادة بناء امبراطورية عالمية خليفة للاتحاد السوفييتي سابقًا ذات خصائص ثقافية مُختلفة ومُحاولة تعميمها، وتأكيدًا على هذا يقول دوغين:”فروسيا شيء ثالث مُستقل وخاص لا هي الشرق ولا هي الغرب، وعلى هذا فإن المصلحة العُليا لروسيا تتمثل في الحفاظ بأي ثمن على فرادتها، الدفاع عن خصوصيتها أمام تحدي الغرب وتقاليد الشرق، وأحد المطالب الجيوبولتيكية الأكثر إلحاحا لروسيا هو تجميع الإمبراطورية، فإذا ما اختارت روسيا طريقا آخر غير طريق تجميع الإمبراطورية فإن دولاً أخرى أو تحالفات دول ستتبنى رسالة الHeartland القارية. وفي هذه الحالة تغدو الآماد الروسية هدفًا استراتيجيا أساسيا لتلك القوى، فإما أن تقوم الصين بقفزة يائسة باتجاه الشمال نحو كازاخستان وسيبيريا الشرقية، أو تتحرك أروبا الوسطى باتجاه الأراضي الروسية الغربية نحو أوكرانيا وبيلاروسيا وروسيا الكُبرى الغربية، أو يقوم المعسكر الإسلامي بمحاولة التكامل مع آسيا الوُسطى، منطقة الفولجا والأورال بالإضافة إلى مناطق روسيا الجنوبية.”(4)، فما تقوم به روسيا اليوم في حربها على أوكرانيا لا يعدو أن يكون امتدادًا لهذا الحُلم وما قامت به في سوريا أيضًا ينتمي لهذا الهدف حيث تسعى روسيا للسيطرة على الدول ذات الشريط الساحلي الاستراتيجي وسوريا ساحلها يطل على المتوسط المُتنازع عليه والغني بالغاز ولم تضيع روسيا الفُرصة لتخوض هذه الحرب كما فعل الاتحاد السوفياتي في حربه مع أفغانستان سابقًا.

فالعامل المُشترك بين الغرب وأمريكا وروسيا هو بناء حكومة عالمية مُوسعة وتحقيق السيطرة العالمية كل يُحاول من خلالها بسط سُلطته ونشر ثقافته وقيمه التي يراها الأنسب في نظره، ومن هذا المُنطلق نُشاهد هذه الحروب والصراعات المُتتالية في عالمنا.

حُلم الدولة اليهودية الكُبرى

تُعتبر دولة الكيان الصهيوني في بدايتها امتدادًا للاستعمار الغربي الذي أراد الحفاظ على مصالحه من خلال توطين اليهود في الشرق عندما اختارت الحركة الصهيونية بقيادة تيودور هرتزل فلسطين كموطن لها فقامت برعايتها بريطانيا وفرنسا ومن ثم أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية هي الداعم الرسمي لها بهدف أيضا الدفاع عن المصالح الأمريكية في الشرق وتواصلا لامتداد النفوذ الأمريكي والسيطرة العالمية لها. ولكن كان حلم الحركة الصهيونية أكبر من ذلك فهي لن تكتفي فقط باحتلال فلسطين والاستيطان فيها بل هدفها هو إنشاء دولة يهودية كبرى تمتد من نهر مصر إلى الفرات قادرة على احتواء مختلف اليهود في العالم بل منهم من يضع حدود لا نهائية لدولتهم الكبرى على حسب هجرة اليهود في العالم إليها وتأكيدًا على هذا المعنى يقول الحاخام فيشمان عضو الوكالة اليهودية: “الأرض الموعودة تمتد من نهر النيل حتى الفرات، وتشمل أجزاء من سوريا ولبنان”(5)، ومن أجل الوصول إلى الحلم اليهودي فلا بد لدولة الكيان الصهيوني من تفتيت الشرق الأوسط وإضعافه في مختلف الميادين وإخضاعه لها وما موجة التطبيع إلا جزء من هذه الاستراتيجية، فما تقوم به دولة الاحتلال من قصف عسكري في سوريا وتدخلاتها في سيناء تحت مسمى صفقة القرن وفي العراق ما هو إلا مرحلة من مراحل إقامة إسرائيل الكبرى بل هنالك من يرى أن ما تقوم به السعودية اليوم في الشمال الغربي تحت تسمية مشروع نيوم، الذي يتوافق مع حدود دولة الاحتلال الكبرى كما تشير إليه الخريطة، عن طريق إخلاء المنطقة وتهيئتها هو مواصلة للهيمنة اليهودية وتحضير هذه الأرض لها، ولا ننسى أيضا البحث عن مصادر الطاقة وتقوية دولة الاحتلال اقتصاديا في المتوسط من خلال الاتفاق مع تركيا والتحكم في توريد الغاز لبسط نفوذها أكثر في العالم.

خريطة دولة اليهود الكبرى أصدرتها منظمة (Young Judaea) في نيويورك عام 1917

إن هدف دولة الاحتلال التوسع والسيطرة في الشرق الأوسط عن طريق تفتيت الدول العربية وتقسيمها وبسط النفوذ داخلها، وفي ظل هذه التغيرات العالمية من الحرب الروسية الأكرانية والحلم ببناء امبراطورية عالمية روسية وغربية وأمريكية، والحلم اليهودي بإنشاء دولة كبرى، فلنا أن نتساءل أين نحن المسلمون من هذا كله وما هو موقفنا منه؟!

المسلمون.. إلى أين؟

في ظل هذه الصراعات العالمية، مازلنا نحن كمُسلمين نعيش في التبعية من مؤيد للغرب أو لروسيا أو لأمريكا، ومنا من يلتزم بخيار الهروب والحياد السلبي ويكون فقط مُشاهدًا كأن الأمر لايعنيه، بدون أن تكون لنا نظرة عميقة لما يحدث، فكل الأطراف تسعى لفرض السيطرة العالمية وجعل قيمهم وثقافتهم هي السائدة وباقي العالم في نظرهم هو عدو  وجب إخضاعه لأنظمتهم وفكرهم وجعله تبعًا لهم، فليس من الغريب اليوم أن نرى مُرتزقة من سوريا وجيش الشيشان يُحاربون في أوكرانيا إلى جانب روسيا، وليس من الغريب اليوم أن نرى انتشار الرذائل من زنا المحارم والشذوذ والربا والفساد في العالم باعتبارها -وفق نظرتهم- هي القيم الأنسب للعالم في ظل طموحاتهم التوسعية.

الروس يؤمنون بتفوقهم العرقي وفرادتهم وتميزهم الثقافي الذي يُخول لهم أن يحكموا العالم، والغرب وأمريكا يؤمنون بسيادة الرجل الأبيض وحقه في السلطة العليا وباقي البشر عبيد لهم، والصهاينة يؤمنون بأن اليهود هم شعب الله المُختار والأجدر بالسلطة العالمية وباقي الأمم خدم لهم! فما بالك أنت أيها المُسلم يعتبرونك عقبة في طريقهم يجب إزاحته، ما زلت تخجل من دينك وقيمك وتُظهر الضعف في التمسك به وتطبيقه وتشعر بالنقص بانتمائك لهذه الأمة المُسلمة والعربية؟! فإلى متى سوف تبقى في الذل ترضي بالعبودية والتبعية لمن يكيدون لنا وتخضع لهم؟! ألم يأن لك وأنت في شهر القرآن أن تستعيد عزك ومجدك وقوتك المُرتبطين بمدى التزامك بشريعة الإسلام وتطبيقها؟! فمن الأجدر اليوم بالسيادة العالمية هل الذين يتبعون أهوائهم وشياطينهم من الجن والإنس فيظلمون البشرية من أجل مصالحهم وينشرون الفساد أم الذين يملكون شريعة ربانية لا تُحابي أحد ولا تخدم مصلحة فئة على حساب الأخرى بل هدفها نشر العدل والمساواة ونشر دين الله في الأرض الذي فيه الخير الكثير للبشرية جمعاء؟!

فهم يُبيحون اليوم قانون التوسع الجغرافي للدول وحقها في السيادة العالمية وفق علم الجيوبولتيكا، وفي المُقابل غرسوا فينا على امتداد سنوات عدة فكرة الخوف من الجهاد والشريعة وجعلونا نشعر بالخزي منها حتي أصبحنا ننكر تطبيقها العملي في مُختلف ميادين الحياة وكل من دعا لها أصبح مُتهمًا بالإرهاب والتحريض عليه والانتماء إلى جماعات مُتطرفة التي هي في حقيقة الأمر أبعدُ ما تكون عن رسالة الإسلام ومبادئه بل أغلبيتها لا تخدم إلا مصالح القوى العُظمى ولا تُساهم إلا في تدمير أوطاننا، ونحن نُقبل في شهر رمضان على القرآن الكريم فإننا سنقرأ حتْمًا قوله تعالى: {الذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشيْطَانِ إِن كَيْدَ الشيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76.]، وسنقرأ أيضًا قوله تعالى: {فَقَٰاتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللهِ لَا تُكَلفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللهُ أَن يَكُف بَأْسَ ٱلذِينَ كَفَرُواْ ۚوَٱللهُ أَشَد بَأْسًا وَأَشَد تَنكِيلً} [النساء: 84.]، وسنقرأ أيضًا: {يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍۢ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَد عَن سَبِيلِ ٱللهِ وَكُفْرٌۢ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتىٰ يَرُدوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُواْ} [البقرة: 217]، والآيات في هذا السياق كثيرة وفيها دعوة للجهاد والقتال ونُصرة للحق في ظل ما نعيشه اليوم من صراعات هدفها طمس الآخر واستعباده، فليس لنا بعد اليوم أن نبحث عن مُبررات لهذه الآيات كأنها تُهمة لنا، فالخطر مُحدق بنا وهم يعلمون جيدًا أن قوة العالم الإسلامي في تمسكه بدينه ولن يُخضعونا لهم إلا بإبعادنا عن تعاليمه، فبالعودة إلى الجهاد كما أمرنا به الله في كتابه سنُحافظ على كِياننا  وسنسترد فلسطين المُحتلة وسنُدافع عن إخواننا المُسلمين المُضطهدين في كل مكان وسنُحارب الفساد والفُسوق والفُجور وسننشر مكانه قيم العدل والطهر والعفاف وسنُعيد للإنسان فطرته السليمة النقية التي شوهتها المذاهب المادية، فهم يؤمنون بالحروب والإبادة وسفك دماء الأبرياء بغير حق من أجل فرض سيطرتهم العالمية وتوسعهم الجُغرافي ونحن نؤمن بالجهاد العادل كما شرعه الله من أجل إعادة بناء حضارة قائمة على شريعة الإسلام يستعيد بها الإنسان إنسانيته ويعرف غايته من الوجود.

ولكننا لن نصل إلى ذلك إلا إذا بدأنا أولاً بإصلاح أنفُسنا وعرضها على القرآن وأن تكون منه نقطة البداية للتغيير.. وأن نؤسس عليه رؤية مُستقبلية جديدة، فإذا عاد أفراد المُجتمع إلى دينهم وبدأوا بتطبيقه في أنفسهم وداخل أُسرهم والتزموا به فإنهم لن يرضوا بحكمٍ مُستبد ظالم وراثي، ولن يرضوا بالذل والضعف والجهل والجمود، بل سيكون أكبر همهم الإصلاح والبناء والعلم والصناعة والاستقلال الاقتصادي والسياسي والتقدم والريادة في مُختلف المجالات ونشر الحق بين الناس، فنقطة البداية في الحفاظ على وجودنا في ظل هذه الصراعات العالمية وفي تحقيق وظيفة الإنسان الأولى الخلافة في الأرض ونشر رسالة الإسلام للبشرية جمعاء تكون بالعودة إلى شريعة الإسلام وأخذها عن علم ووعي من منابعها الصافية.

الهوامش:

(1):كتاب أسس الجيوبولتيك مستقبل روسيا الجيوبولتيكي لألكسندر دوغين، ترجمة الدكتور عماد حاتم، دار الكتاب الجديد المتحدة، سنة 2004، ص 77.

(2): نفس المصدر السابق، ص161.

(3): نفس المصدر السابق، ص 166.

(4): نفس المصدر السابق، ص 207- 212 – 214.

(5): كتاب الأيديولوجية الصهيونية للدكتور عبد الوهاب المسيري ، سلسلة عالم المعرفة، ديسمبر 1982، ص137.