1

المفكر الحق.. دوره وصفاته!

كل إنسان مفكر بطبيعته، فالإنسان العادي دائم التفكير في كيفية تحقيق مصالحه ومتطلبات نفسه، بداية من إنجاز المهام اليومية، كتأمين حاجيات أسرته المعيشية، مرورًا بأهدافه العلمية أو الوظيفية، ثم تحقيق طموحاته وأحلامه المستقبلية البعيدة، إلى جانب ذلك، ثمة طائفة قليلة من الناس تكرّس جل طاقتها وأوقاتها في التفكر في أحوال الجماعة أو الأمة التي تنتمي إليها أكثر من اهتمامها بشؤونها الخاصة، فتتأمل في أسباب انحطاط أمتها، وتبحث عن أسباب نهضتها، وتحاول تشخيص أمراضها ومعرفة مكامن الضعف فيها، وتحديد نقاط قوتها ومكامن الطاقة فيها وما شابه ذلك.

من هو المفكر؟

إذا كان الإنسان البسيط يحرص بفطرته على التواصل مع محيطه، فالمفكر يتأمّل في طبيعة الوشائج بين عناصر المجتمع وسمات النظام الاجتماعي الناتج عن هذه العلاقات، وإذا كان كل فرد في المجتمع يسعى إلى الحصول على عمل أو وظيفة يؤمّن بها رغيف الخبز لأولاده، وأجرة المسكن الذي يعيش فيه وما إلى ذلك، فإن المفكر يدرس طبيعة النشاط الماليّ، وسمات النظام الاقتصادي المتشكّل من هذه الحركة، ويسعى إلى استنتاج القوانين التي تحكمه، وقد يدعو إلى ابتكار أدوات جديدة تنعش الحركة الاقتصادية وتنمّيها، بما يعود بالنفع على عامة الناس، وهكذا الحال بالنسبة للمفكر في سائر المجالات.

المفكر –إذًا- هو الذي يشغل نفسه بقضايا أمته الكبرى، ويسعى لاستخراج السنن والعبر من حركة التاريخ، ويطوّر الرؤى والمفاهيم، ويرتقي من مستوى الجزئيات التخصصية إلى الكليات الحاكمة لسير الحياة وتطور المجتمعات، وينصّب نفسه الحارس الأمين على تحقيق قيمها في النفوس، وفاعلية مبادئها الأساسية في شعاب الحياة، كما أنه يسعى إلى استشراف الأحوال المستقبلية من مصائب وانتكاسات محتملة، فيحذّر منها قبل وقوعها، ويصف العلاج للوقاية منها.

لكن لا يحصل هذا إلا بعد أن تصغر نفسه في عينه، ويمتلئ كيانه بالشوق إلى المجد المنتظر، فيسعى إلى البحث عن أسبابه بالقراءة المتفحصة والدراسة المتأنية دون كلل أو ملل، مُفنيًا بذلك نفسه ومتصدّقًا بعمره، مُفتديًا ليالي الأنس والسمر، والنزهات بين خضرة الشجر، بسهر الليالي بين الكتب، وتجرُّع كؤوس الكدّ والتعب.

المفكر الحق يرى نفسه نقطة في بحر أمّته، ولكنه في الواقع المنارة التي تهتدي بها في مسالك الترقي بين الأمم. وإنّا لن نجد أمة لها حظ من التقدير والاحترام تخلو من مفكرين عظماء رسموا لها خارطة الطريق، ووضعوا خلاصة أيّامهم في ورقات من نورٍ كُتبت في سجلات الخلود عبر العصور. في المقابل لا تتنكّر هذه الأمم الواعية لهؤلاء الكبار، ولا تنسى أفضالهم عليها، بل يصبحون الأيقونات الشهيرة، والأسماء المنيرة في مسيرة تاريخها، حتى تقترن أسماؤهم باسمها، فإذا ذُكرت ذُكروا والعكس بالعكس.

من إشكالات الواقع الفكري المعاصر

ومن المؤسف أننا صرنا نرى انحراف بعض المفكرين عن الدور المنوط بهم في توعية الجماهير وتثقيفهم، وتوسيع آفاق النظر والتفكير عندهم بما يمهّد لتقبّل الرأي المخالف ومعذرة صاحبه، وبالتالي تقريب الناس من بعضهم، وتوحيد جهودهم في خدمة قضايا الحق والعدل، حيث أصبح خطاب البعض منهم سببًا في إحداث اللبس والفتن والخصومات بين العامة، لا سيما مع وجود وسائل التواصل وحرص بعض المثقّفين على الحضور والتأثير، وبالتالي ضرورة التواصل اليومي مع المتابعين.

وقد صرنا نشاهد يوميًّا الكثير من المنشورات المتسرعة والأفكار الطائشة التي صارت مناسبة للمناكفات بين المتابعين وتبادل الشتائم وتعزيز الفرقة، وقد طالت هذه الانحرافات كافة المجالات، من المجال السياسي المتعلق بالأحداث السياسة اليومية إلى المسائل العقائدية والإيمانية، ولذا فإنا اليوم بأمس الحاجة لوضع أصول أدبية ومنهجية ضابطة للتعامل مع وسائل التواصل، سواء للمؤثرين أو المتابعين.

ومن الإشكاليات الواضحة هي الفجوة السائدة منذ عقود بين الخطاب الثقافي والفكري من جهة وعامة الناس من جهة أخرى، وذلك يرجع إلى عدة عوامل وإلى أسباب متداخلة، منها يرجع إلى السياق التاريخي والحضاري، والواقع الذي نعيشه وما يتعلق به من مؤسسات تعليمية وتثقيفية وإعلامية وما سوى ذلك، ومنها ما يتعلق بالمثقف نفسه، ومنها يعود إلى الفرد العادي باعتبار تركيبته الثقافية والنفسية.

صفات المفكر الحق

تُعنى هذه المقالة بإلقاء الضوء على بعض سمات المفكر الحق والتذكير بها، بما يشكل لبنة في سبيل هدم هذه الهوة، وإصلاح الانحرافات المذكورة. وسيساعد ذلك في تحصيل نوع من النضج المعرفي في التمييز بين المفكر الحق، وغيره من أصحاب المآرب والغايات الشخصية. وهذه الصفات اخترتها – بما يناسب المساحة المتاحة هنا – من بين كثير من الصفات الضرورية، وذلك لأهميتها ولتأثير فقدانها على إنتاج الإشكاليات العويصة التي أشرت إليها.

  1. الربانية

نحن المسلمون نؤمن بأننا لم نأتِ إلى هذه الدنيا عبثًا، ولكن وجودنا القصير فيها له غاية واضحة وأمر محدد، وهو تحقيق العبودية لله تعالى أولًا، ثم تحقيق عمارة الأرض والقيام بواجب الاستخلاف فيها على الوجه الذي يرضي الله تعالى، كما بينّه في شرعه الحكيم. إذاً نحن هنا لا لندعو الناس إلى أنفسنا، ولا لنضيّع أوقاتنا المحدودة بكثرة السجالات وبترف الأفكار والأقوال.

إن المفكر الحق يعرف ماذا يريد، وإذا اضطُر إلى خوض المعارك الكلامية فإنه لا ينسى غايته، ولو كان تحت ظلال السيوف، ولا تزيغ الرؤية عنده في أي ظرف من الظروف.

وعليه فإن المفكر الحق هو الذي يسخّر فكره وإنتاجه العلمي والأدوات المنهجية التي يتقنها وكل ما حوى وعاؤه العقلي في سبيل الدلالة على رب الأرباب، وهداية الناس إلى المنهج الحق، والدفاع عنه وتبليغه للخَلق، وتطوير العلاجات لأسقام الإنسانية التائهة، وكل ما يفضي إلى ذلك من تذليل العقبات المركوزة في رؤوس المعاندين، ونسف الكِبر الثاوي في قلوب المتكبرين.

ولكن كيف يقدُر المفكر على هذا إذا كانت صلته منقطعة بمالك القلوب والعقول، وغفل عن المداومة على الوقوف بين يدي المولى عز وجل والالتجاء إليه؟

ستلاحظ عند المفكر الغافل انحراف البوصلة بكثرة الجدل والسجالات، واللدد في الخصومة ومخالفة الآداب، والتربص بالمخالف، والغرق في الموضوعات التي لا تغني ولا تسمن من جوع، ولا ينبني عليها عمل في حياة الناس، فتجده كالذي يمشي بين الأشواك واضعًا قربة الماء على رأسه، وإذا وصل إلى بر الأمان كسرها بيديه!

فلا تتعجب، إذ هو يريدك أن ترى مهاراته في الموازاة الدقيقة والتحليلات العميقة، فلا تحسبنّ أنه يريد منك الريّ والهدى، إنما يقول ليسقي غروره ويُشبِع تطلّعات نفسه.

إنّ شرب الروح من مناهل الوحي الصافية تُكسِب المفكر الحق نفاذ البصر ووضوح الغاية، ونبل الأخلاق والهمة العالية، وصدق اللسان والنية الصافية، إذ ليس هناك أصفى من الفكرة الممزوجة بالأنوار المتسلّلة إلى الإنسان من وراء ستائر المحاريب، والمتمخّضة من نظرات العقول المتأملة، فهي النور الخالص!

  1. بين المشروع الخاص والتشتت

لا يوجد مفكر دون مشروع خاص به، يعمل عليه ويسعى إلى نشره بين الناس، فهل يمكن أن ترى ساعي البريد دون رسالة يحملها؟ وكذلك شأن المفكر كذلك لا يمكن أن يكون حائرًا فاقدا للهدف؛ إلا أن المشروع حصيلة السنين، وخلاصة الفكر الذي يسعى المفكر لينتشل به أمته من براثن الظلمة. كما أن المشروع لا بد أن يشمل معالم كبرى، ووصفة عملية في أحد المجالات الحيوية لتكون الركن الركين في بناء المستقبل المكين.

قد ترى بعض المثقفين يكتب في كل شيء، ويعلّق على كل حادثة! والسؤال الذي نسأله إياه: أليس عندك مشروع تعمل عليه؟! وهل عندك الوقت بلا حساب لكي تشتّت نفسك بين سراديب اللانهاية.

إن المشروع يحتم على صاحبه أن يحدد مسارات معينة يمشي ضمن إطارها معظم الوقت، ولا يخرج عنها إلا قليلا، ثم يسابق الزمن لتشييده على أسس ثابتة ومتينة، والموقع الذي يأخذه بعض الكتاب، وهو ردة الفعل على مجريات الواقع هو التشتت بعينه، إذ لا يمكن مجاراة الأحداث اليومية، والإحاطة بتفاصيلها لكثرتها وتشعبها وتنوعها. وهكذا يلزم المفكر بعد أن يحصّل جمعيّة قلبه (الربانية) أن يحقق جمعية فكره وعقله، من خلال تجلّي مشروعه الخاص.

لقد اضُطر بعض المفكرين إلى عزلة مؤقتة ابتعدوا فيها عن متابعة الأحداث والانخراط فيها لينجزوا مشاريعهم الأساسية، وليستطيعوا التحرر من إكراهات النظرة الجزئية المنقوصة التي تفرضها تطورات الأحداث اليومية. ومن ذلك ما رواه الدكتور عبد الوهاب المسيري –رحمه الله- في سيرته، إذ صرح بأنه توقف عن قراءة الأخبار في الصحف اليومية في فترة من فترات العمل على موسوعته الشهيرة عن اليهودية والصهيونية، كما أنه امتنع عن متابعة الأخبار وقت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية – وهو المتخصص في اليهودية والصهيوينية – مسوّغًا ذلك بأنه لو سلّم نفسه لسيل الأخبار الجارف لما استطاع إنجاز هذه الموسوعة الفريدة.

عبد الوهاب المسيري

إن العزلة الدائمة مبدأ سلبي بحد ذاته، لكن العزلة المؤقتة قد تكون ضرورية في بعض الأحيان لصفاء الفكر والحد من تشويش مجريات الواقع، وهنا نشير –للفائدة- إلى كتاب “الماجريات” للشيخ إبراهيم السكران الذي يعالج هذه القضية، حيث يعرض فيه خمسة نماذج لكبار علماء عصرنا ممن خاض العزلة المؤقتة.

  1. تيسير لغة الخطاب

بعض المفكرين يجعل بينه وبين الناس حاجزًا، من خلال استغلاق لغته وصعوبة مصطلحاته وتعقيد تراكيبه اللغوية. ومنهم من يريد أن يبهرك باقتداره اللغوي، فيأتي بالعبارات المنمقة والديباجات المطوّلة، إلا أن كثيرًا من ذلك يحصل على حساب المعنى فيكون مبتَذلًا مكرَّرًا، لا إضافة فيه للقارئ سوى المعاناة وتضييع الأوقات.

مقابل ذلك ثمة مفكرون يخبئون في جعَبِهم جواهر مكنونة، لكن بعضهم يعرضها بصور مشبّعة بالرموز الغامضة والإيحاءات المحيّرة، فتصير كبعض اللوحات التي تعرَض في المعارض الفنية، يفسرها الزوّار كلٌّ حسب رؤيته، ولا أحد يدري ماذا أراد الرسام بلوحته، وإن على وجه التقريب.

ماذا يستفيد من يعرض فكره داخل أقفاص الغموض سوى ظلم نفسه، وتضييع فكرته، وحرمان الناس من الاستفادة من تجربته!.

أما عند عظماء المفكرين فإنا نرى العكس تماما، حيث الحرص على تبسيط الفكرة قدر المستطاع مع الحفاظ على عمق الطرح.

إن الجمال اللغوي مطلوب لا محالة، والفكرة التي تُصَبّ في قالب أدبي أنيق تتناقلها الألسن وتحفظها الذاكرة بيسر وسهولة، مثل الأمثال الشعبية والأشعار والمتون (وإن من البيان لسحرًا)، لكن الجمال والفصاحة لا تنافي البساطة، بل البساطة هي من أنواع الجمال. والله تعالى قد جعل كتابه ميسرا وهو الغاية في البلاغة والفصاحة {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} [القمر: 22]، وإنك لتجد عبارات النبي صلى الله عليه وسلم – وقد أوتي جوامع الكلم – مفهومة ميسرة بعيدة عن الوحشي من العبارات. وإن وجدنا بعض الكلمات الغريبة، فهي غالبًا كلمات موجودة وشهيرة في عصره إلا أنها اندثرت في أيامنا، فهي إذًا مسألة اختلاف أزمنة لا علاقة لها بالصعوبة أو السهولة اللغوية.

ولا بد من الإشارة إلى أن هناك بعض الكتابات التي قد يستعصي فهمها على معظم الناس، لكن الصعوبة فيها مبررة على الرغم من ذلك، إذ قد تكون دراسات علمية تتطلب ذكر مصطلحات معينة غير متداولة إلا في مجالاها، وقد تكون متونا كُتبت بتكثيف في المعاني واختصار في المباني ليسهل حفظها واستظهارها وما سوى ذلك. وهذا نستطيع أن تقبله ونتفهمه، إذ فيه فائدة وإعانة لطالب الغاية.

صفات أخرى

وهناك أيضا غيرها الكثير من الصفات العلمية والأدبية التي يجب على المفكر الحق أن يتحلى بها -أذكر بعض منها بإجمال دون تفصيل لضيق المقام- مثل: (شمولية المعرفة) أي إدراك تكامل المعارف والعلوم، والسعي إلى استنباط العلاقات بينها، وتوحيد الجهود والربط بين الإسهامات المختلفة، فلا إقصاء لمجال من المجالات على أنه غير مهم، أو الادعاء بأهمية مجال بعينه دون سواه، وهذه خطوة أولية في سبيل تجاوز خلافاتنا وفرقتنا، مثل الخلافات التاريخية المعروفة بين المتكلمين والفلاسفة، والمتكلمين والفقهاء، والفقهاء والمحدثين وما شابه.

والتنبّه لـ (تركيبية الإنسان): فالإنسان مخلوق مركب، يحوي عقل وعاطفة، روح وجسد، ولكي يفلح الإنسان يجب أن تعمل كل مكوناته بالتوازي في الإطار المحدد لها، ولا نؤيد الذين يقطّعون الإنسان إلى مجالات موضوعية معزولة عن الكل، ويحاولون إصلاح الإنسان بإصلاح إحدى مكوناته بمعزل عن الأخرى.

إضافة إلى (الانفتاح) المحمود: أي الاطلاع على فكر الآخر (أفرادا وحضارات) وتجاربه ومحاولة الاستفادة منها، ولكن مع مراعاة الخصوصية للمجال التداولي للبيئة العلمية والاجتماعية التي نعيش فيها وننتمي إليها، و(التخلّق بالصبر) على المخالفين وعفة اللسان والتحلي بأخلاق الإسلام، و(الواقعية): أي الاهتمام بالمباحث النافعة من العلوم، وما يتصل بحياة الناس العملية. ولا بد هنا من الإشارة إلى الإشكالية الكبرى في تحديد العملي والنظري، أي ما يبنى عليه عمل، وما هو من قبيل التَرَفِ الفكري، حيث يمارس الكثير من العوام نوع من الشغب في حق المفكرين والعلماء، وكيل الاتّهامات بالتنظير والفلسفة، غير مدركين خطورة بعض الأفكار النظرية، التي تولد في رؤوس شياطين الإنس، ولكنها قد تحتاج مئة عام ليراها الناس انحرافًا سلوكيًّا أو أخلاقيًّا جارفًا، يقتلع الفضيلة من جذورها، ويعصف بالمجتمعات الآمنة، ويُسقِط دولًا برمّتها. وهذه مسألة تحتاج إلى التفصيل وتحرير القول، وليس هذا مكانه هنا.