1

المعارك الفكرية.. من صفحات الصحف الجادة إلى مقاهي الإنترنت!

في القرن الماضي، كانت رحى المعارك الفكرية تدور على صفحات الصحف، وكان أقطابها هم أعلام الفكر والثقافة من كل التيارات، أما الجمهور فكان محصورًا بمن يملك المال والوقت والاهتمام لشراء الصحيفة، أو استعارتها، ثم الانكباب على قراءتها. فالصراع محصور بالنخب، ومتابعته مقتصرة على المهتمين فقط.

وفي السنوات العشرين الأخيرة فقط تغير كل شيء، ففي العقد الأول من القرن الحالي انتقل الصراع إلى المدونات والمنتديات على الإنترنت، واحتفظت بعض المنتديات بميزة النخبوية من خلال قدرة مدرائها على التحكم في صلاحيات النشر والتعليق، لكن ميزة الانفتاح ساهمت في توسيع دائرة الاطلاع، بالرغم من عدم قدرة جميع شرائح المجتمع على الاتصال بالإنترنت وفي كل وقت.

تغيّرات على واقع الأفكار

في العقد التالي، ازدادت رقعة الانفتاح، فأصبح الإنترنت متاحا للجميع تقريبا، وابتلعت منصات التواصل الاجتماعي وسائل النشر الأخرى حتى كادت تقضي عليها. هنا تلاشت الحدود بين منتجي الأفكار ومستهلكيها، فصار الجميع قادرين على إنتاج “المحتوى”، وأصبحت المنافسة على جودة الإنتاج وجاذبيته، وخسر المثقفون المعركة أمام طوفان المحتوى التافه الأكثر قدرة على لفت الأنظار وإشباع الغرائز.

المعارك الفكرية تغيرت جذريا أيضا، فعندما يتعارك طرفان مثقفان على هذه الساحة فعليهما أن يخضعا لشروطها الاستثنائية. لم يعد الجمهور اليوم هو ذاك الذي كان يشتري الصحف ويكتفي بالقراءة، فالساحة اليوم مفتوحة للجميع، والجمهور المتنوع قادر على الاطلاع بالتساوي بين كل الشرائح والأعمار، وهو يملك أيضا خاصية المشاركة بدلا من الاكتفاء بالاطلاع، وقد تغريه سهولة التعليق عن بعد ومن وراء حجاب على الجنوح نحو الشتم والافتراء والتكفير، بل يملك مع كل ذلك سلطة الحشد والتهييج والمشاغبة، بما يسمح له باغتيال شخصية أي مثقف مضاد، وقد ينجح هذا الحشد في حملات إضافية للتبليغ والشكوى لدى إدارات مواقع التواصل، فيتمكّنُ أيضًا من إغلاقُ المنابر في وجه المثقّف وإسكاته بعد تشويه سمعته، وهذه السلطات الهائلة لم تكن متاحة إلا للمتنفذين والحكومات قبل عشرين سنة، وكان بالإمكان اللجوء للقضاء في مواجهتها، أما اليوم فأصبحت بعض الحكومات ضحية لهذه الأسلحة المعولمة.

أبعاد التردّي .. كيف ولماذا؟

بالنتيجة، لم يعد المنتصر في المعارك الفكرية هو الطرف الأقوى منطقيا، ولا الأكثر قدرة على الإقناع والمحاججة، بل هو حرفيا الأكثر مشاغبة، وإليك ثلاثة أسباب رئيسة:

أولا، لأن المثقفين العقلاء ليسوا متفرغين أصلا لهذه الساحة، فهم أكثر اهتماما بعالم النشر والوسط الأكاديمي، وإذا رغبوا في النقاش فهم أكثر حذرا وتحفظا من ولوج مواقع التواصل، والكثير من المؤلفين والأكاديميين وكبار المفكرين لا يملكون صفحات وحسابات في هذا الوسط، أو يقتصر وجودهم فيها على أدنى درجات المشاركة والتفاعل. وفي المقابل، لم يشتهر المثقفون المزيفون إلا في هذا الوسط أصلا، فهم على الأرجح ليسوا مؤلفين ولا كتّابا ولا محاضرين إلا نادرا، وإن كان لهم نتاج متنوع فلا يمكن مقارنته كمّيا بما يطرحونه على مواقع التواصل.

ثانيا، جمهور العقلاء هم الأقل وجودا وتفاعلا أيضا، فمواقع التواصل وُجدت أساسا للترفيه، وهي مساحات مجانية وسهلة الوصول، مقارنة بحال الصحف التي كانت ساحة للمعارك في الماضي القريب. وإذا كان المهتمون بالثقافة الجادة أقل عددا في المجتمع من العوام أصلا، فهم أقل تفرغا أيضا للمتابعة، وأقل اهتماما بقضاء أوقاتهم على مواقع التواصل ممن هم أقل سنا وأدنى ثقافة. وعندما يتعلق الأمر بمعركة فكرية، فمن البدهي أن يجد المثقف المزيف جمهورا أكبر في هذا الوسط، وأن تترجح كفته من التفاعل والتشجيع والانتشار، وهذا يزيده انتفاخا وغرورا فيحسب حقا أنه انتصر لأنه أقرب إلى الحق من خصمه.

ثالثا، جمهور العقلاء أكثر سلبية، فبينما ينتصر السفهاء للمثقف المزيف ويشاغبون لتأييده، يتقاعس مؤيدو المثقف العاقل عن التفاعل غالبا، إذ لا يجدون من الفراغ والهمة ما يدفعهم للنزول إلى مستوى الجدل والصراع، والأسوأ من ذلك شيوع مغالطة “انتصار الحق الذاتي” فيما بينهم، وهذا من سوء فهمهم لنصوص من قبيل {وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد:۱۷}، فيسودُ الاعتقاد بأن الحق لا يحتاج إلى تأييد أمام جلاء الحق الذي يرونه، مع أن الباطل هو الأكثر انتشارا في كل العصور كما تقول الآية {وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]، والعجيب أن يشتكي عمر بن الخطاب رضي الله عنه من هذه السلبية وهو في خير القرون، فروي عنه قوله “اللهم إني أشكو إليك جلَد الفاجر وعجز الثقة”، كما روي من شكوى علي رضي الله عنه من تقاعس معسكره في مقابل حماس معسكر معاوية ما هو أكثر إيلاما وأسى، فما بالنا إذن بما نحن فيه؟!

زد على ذلك جنوح السلبية لدى بعضهم إلى التثبيط، فهو لا يكتفي بدور المتفرج على مشاغبة السفهاء، بل يوجّه نقده للمثقف العاقل بدلا من المزيف، مستنكرا عليه اهتمامه بالدفاع عن نفسه إذا تعرض للافتراء، ومطالبا إياه بالانشغال ببيان الحق فقط، والترفع عن مدافعة الباطل وعن رد سهام الأذى التي تمس سمعته وعرضه، وهذا انحطاط أخلاقي وليس مجرد تقاعس، وهو أشد ظلما من أذى السفهاء نفسه، ولن تجد شيئا منه لدى جمهور المثقف المزيف، بل هم دائما متحفزون للدفاع والهجوم!

نماذج لواقع السقوط الفكريّ

من أجل ذلك كله، تترجح غالبا في هذا الوسط كفَّةُ الفكر الشعبوي والمتطرف والتكفيري والمتهافت والمليء بالمغالطات المنطقية، وتروج قصص المؤامرات الحمقاء، وتتكاثر الشائعات بشكل فيروسي.

على سبيل المثال، لاحظتُ كثيرا أن أي منشور يُنشر على صفحة عامة في فيسبوك (لديها ملايين المتابعين) عن خبر يتعلق بالفضاء والفلك، سرعان ما يتلقى مئات أو آلاف التفاعلات المؤيدة (الإعجابات)، مقابل عدد أقل بكثير من التفاعلات الساخرة (الضحك)، أما التعليقات فتكتسحها المشاغبات ممن يجزمون بأن الأرض مسطحة، وأن كل ما يتعلق بالفضاء والفلك ليس سوى مؤامرة.

ولو تنبّه المتابع إلى المقارنة لوجد أن عدد المعلقين الساخرين أقل بكثير من عدد الذين اكتفوا بالنقر على زر الإعجاب، لكن النظرة العابرة غير الفاحصة ستعطي انطباعا محبطا بأن غالبية المجتمع باتت تؤمن بأننا نعيش على أرض مسطحة، وأن كل ما تعلمناه عن الكون ليس سوى كذبة هائلة. وكل ما في الأمر أن الشرائح الأصغر سنا والأقل ثقافة هي الأكثر اهتماما بالمتابعة والتعليق والمشاغبة والهجوم، لذا تبدو أكثر وضوحا، وعندما تصبح هذه هي سمة مواقع التواصل فمن الطبيعي أن ينسحب العقلاء من المواجهة، وألا يكترثوا للتعليق والرد وخوض المعارك الخاسرة.

وفي مثال آخر، قارن بين من يطرح مقالات جادة في الجدل العقدي (الكلامي) وبين من يخوض المعارك لتحقير وتكفير مخالفيه، فربما لا تجد للأول أمثلة تتجاوز عدد أصابع يديك، وإن وُجد عاقل كهذا فلن يكون مشغولا بطرح أفكاره الهادئة في هذا الوسط، ولن يجد من المتابعين إلا القلة. أما الآخر فهو الأكثر حضورا ونشرا وتفاعلا وجماهيرية، ولديه من المتابعين جيش لا يتورع عن توزيع اتهامات التبديع والتكفير والتهديد بالقتل ضد كل من لا يروق لهم، حتى لو لم يفكر –هذا الخصم- بخوض المعارك معهم أصلا.

ما العمل؟

هل نترك الساحة لهم؟ هذا هو السؤال المطروح دائما، وسيظل مثيرا للجدل. وإذا كان القارئ ينتظر مني جوابا مختصرا فأرى أن المطلوب هو البقاء في هذا الميدان مع محاولة تخفيف أضراره.

تقييد إمكانية التعليق أمر ضروري، ولو كان مؤقتا ومحددا في بعض الحالات، وتجنب خوض المعارك الفكرية في هذا الوسط يجب أن يكون من المبادئ الثابتة، فالمعارك الخاسرة تستنزف طاقة المثقف المهموم بإيصال رسالته للناس، ويكفي أنها تشوه صورته وسمعته وتعرقل مهمته.