1

الكَيِّس والعاجز

هل يمكن للحياة أن تستمر وتنمو في طريق التطور من دون أن يكون هناك تقويم مستمر لمساراتها؟

ندرك الجواب مسبَقًا، ومنه نعلم أننا بحاجة للتقويم المستمر، فإننا لن نجد تاجراً ناجحاً إلا ونراه مراقباً عمّاله فيما يصنعون، داعماً المصيب منهم في الاستمرار على النهج الذي انتهجه، مقوماً المخطئ آخذاً بيده إلى ما عليه فعله، وكذلك عمل العبد المسلم مع ربه، فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة، وهو الذي نقدم له العمل الصالح فيضاعفه لنا بالأجر والثواب أضعافاً كثيرة.

الحياة في سبيل الله

إنّنا نتعامل في هذه الحياة الدنيا مع الله، فالغاية الكبرى من وجودنا هي عبادته وأن نتقيه ونخافه وألا يمنعنا ذلك من أن نرجوه وندعوه، وقد خلقنا الله فأنزل علينا شريعةً واضحةً، وبين لنا أوامره ونواهيه، وما ذلك إلا لأنه أراد صلاح مجتمعاتنا وسعادتها، إلا أن الإنسان كان قد جُبل على الخطيئة، إذ كل ابن آدم خطّاء، فالعبد في طريقه إلى الله قد تزل قدمه، فيجدر به حينها أن يتوب ويرجع ويواصل المسير، لا أن يغرق نفسه في الذنوب والشهوات ويحيد عن الطريق الذي أراده الله للبشر.

ليست المشكلة الكبرى في أن يذنب الإنسان وتزل قدمه، بل في ألّا يعرف العبد أنه يذنب! وكيف يعرف أنه يذنب وهو لا يراقب نفسه؟

مثل ذلك الشخص كمثل تاجرٍ افتتح مشروعاً ضخماً وموّله بمئات الملايين وقد مضت عليه السنون دون أن يحصي ماذا دفع لأجله وماذا جنى، ولا جرد بضائعه ولا أحصاها، ومن كان هكذا حاله فقد يكون رابحاً ولكنه قد يكون خاسراً أيضاً، وحين يكون خاسراً فإن لن يقوى على تحمل الخسائر التي مني بها إذ سيكون حينها قد فاته الأوان.

حاسب نفسك تسلَم

ومثل هذا كمثل العبد في تعامله مع الله إما أن يحاسب نفسه على كل كلمة نطق بها لسانه وكل نظرة أطلقتها عينه وكل مجلس قد حضره وكل فعل قد فعله، ويراجع نواياه فينظر أيها كانت خالصةً لوجه الله وأيها قد داخلها رياء أو عجب أو كبر، حيث يسلط بصره على قلبه فيفتش في أمراضه فيعالجها بالتزكية، من قرآن وأورادٍ ودعاء، أو يترك نفسه على هواها فلا يبالي بعرض من قد خاض ومن اغتاب وكم من المرات قد كذب وخدع، وأين أطلق بصره، وهل المجالس التي يحضرها ترضي الله أم أنها مبنية على اللهو المحرم.

أما أمراض القلوب فحدث ولا حرج، إذ هي أشد من الذنب الظاهر للعيان، فما القول إن كانت الذنوب الظاهرة للعيان غير مهمّة لكثير من الناس، فكيف بالذنوب التي لا يدركها إلا صاحبها؟ كأن يداخل قلبه عجب بعمله الذي يظن أنه صالحاً، أو أن يرى نفسه خير خلق الله، أو أن يتصدق عندما يحاط بأناسٍ بينما يكون إخراج روحه أهون عليه من إخراج الصدقة عندما يكون لوحده.

لكل مجتهد نصيب

إن الأولى للمحاسب نفسه أن يقف عند كل صغيرة وكبيرة، بهدف أن يخاف الله خوفاً صحياً لا مرضياً، وهذا الخوف هو الذي يتبعه أمناً يوم القيامة، فالطالب الذي يخاف من صعوبة الامتحان خوفاً يؤدي به إلى الاجتهاد في الدراسة يصل للنجاح في خاتمة المطاف، أما الذي يخاف خوفاً كبيراً لا مسوغ له فإنه قد ينتهي به الحال في المشافي أو المصحات العقلية أو الموت في بعض الأحيان!

هذا ما يحدث في كل عامٍ لعدد من الطلبة الذين يخافون من الامتحان أكثر من اللازم، وهذا ما لا يطلب من الطالب فعله ولا من العبد كذلك، إذ على الإنسان العمل وعلى الله الجزاء، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وفي المقابل فما دام الخوف في بعض الحالات النادرة قد يؤدي إلى فقدان العقل أو الموت، فهل نقول للطالب عليك ألا تخاف مطلقاً من الامتحان وأن تأمنه؟ بالطبع لا، بل نقول له: ادرس واجتهد وافعل ما بوسعك فعله ثم لا تلامُ بعد ذلك، إذ حينها تكون قد أديت ما عليك أداؤه.

هذا عينه ما نقوله لذاك الذي يدّعي أن الله محبة وأن الله غفور رحيم ودود، وأن علينا ألا نخاف الله، متجاهلاً أن الله لا يجمع على عبده أمْنَين، فإن أمنه العبد في الدنيا أخافه الله يوم القيامة، وإن خافه في الدنيا أمنه الله يوم القيامة.

إن من أمن الله في الدنيا –بمعنى الغرق بما حرمه الله عليه- ولا يبالي بالظلم الذي يوقعه بحق نفسه أو بحق العباد لترديده مقولة:  إن الله غفور رحيم! فإنه ولا ريب لن يكون كذلك الذي يخاف الله في الدنيا، حيث يقوده خوفه لئلا يظلم نفسه ولا يظلم خلق الله بل يسعى جهده إلى أن يكون عبداً صالحاً راجياً بعد ذلك أن يرحمه الله يوم القيامة.

الكيّس من دان نفسه

لقد لخّص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حال هذين الفريقين بجملتين قصار واصفاً حال كل منهما، ومرشداً إيانا إلى أي فريق ننحاز وعن أي فريق نبتعد، فقال: “الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني” [أخرجه الترمذي في السنن] وقد أعطانا الحسن البصري -الذي قيل إن كلامه أشبه بكلام الأنبياء- تطبيقاً عملياً لأفعال هذين الفريقين، فقال: “إن المؤمن -والله- ما تراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمة كذا؟ ما أردت بأكلة كذا؟ ما أردت بكذا؟ ما أردت بكذا؟ وإن الفاجر يمضي قُدماً قدماً ولا يحاسب نفسه ولا يعاتبها” [مدارج السالكين بين إياك نعبد وإياك نستعين، ابن قيم الجوزية، ج2: 6]