الصليبية

ربى الحسني

 

الصليبية وصف أطلق على الحروب التي شنها الغرب المسيحي على العالم الإسلامي نهاية القرن الحادي عشر الميلادي/الخامس الهجري، واستمرت معاركها العسكرية لمدة تزيد عن مئتي سنة، وكان لأحداثها ونتائجها أثر بالغ في تاريخ العالم الإسلامي لايزال مستمراً بقوة إلى الآن.

وإذا كانت المعارك العسكرية قد انتهت فإن الفكر الصليبي الذي أسس لهذه الحرب وأشعلها لم ينته، بل على العكس لا يزال مسيطراً على الفكر الغربي وعقلية من يحكمونه من نخب سياسية وثقافية واقتصادية.

وسنهتم هنا بدراسة الخلفية الفكرية (الأيديولوجية) لهذه الحروب؛ لا سرد تاريخها ومعاركها، فقد شكلت هذه الأيديولوجية عقيدة راسخة لها أبعادها وخفاياها وليست مجرد فكرة طارئة خرجت من ذهن متهورٍ أو جاهل، كما أن الرؤوس المدبرة لهذه الحروب لازالت موجودة إلى الآن، وتشهد اليوم ذروة قوتها وهيمنتها.

 

لوحة تخيلية لمجمع نيقية تعود إلى القرن السادس عشر

الصراع الإسلامي المسيحي
تعود جذور الصراع بين الإسلام والمسيحية إلى وقت مبكر من تاريخ الإسلام، فقد بدأت البعثة النبوية في القرن السابع الميلادي عندما كانت الدولة البيزنطية تمثل القوة المسيحية الأساسية الكبرى التي تسيطر على مساحات واسعة من العالم، بما فيها الشام ومصر وشمال أفريقيا، وكان من الطبيعي أن تنظر هذه الدولة عقائدياً بعين العداء لعقيدة جاءت وركنها الأعظم توحيد الإله ونفي الشريك والولد عنه، مقابل ما تبنته تلك الدولة من عقيدة مشوهة منذ عقد إمبراطورها قسطنطين مجمع نيقية (325م) وصدر عنه مقررات اعتمدت تعديلات بولس الرسول (شاؤول اليهودي) القائلة بألوهية المسيح، ثم أضيف إليها فيما بعد ألوهية الروح القدس، فأصبحت بنسختها المعدلة تقر بالتثليث مقابل التوحيد الذي جاء به المسيح نفسه.

وكان الصدام العسكري الأول بين المسلمين والمسيحيين في معركة مؤتة (8هـ- 629م)، ثم تبعتها سلسلة من الصدامات التي دلت على أن الدولة البيزنطية ستتولى قيادة الصراع مع المسلمين في القرون المقبلة. ومع توالي الفتوحات الإسلامية زمن الخلافة الراشدة وما بعدها؛ شكَّل فتح المسلمين لبيت المقدس (16هـ-637م) محطة مفصلية لما تمثله المدينة من مكانة دينية هامة للطرفين، مما سيجعلها المؤثر الأبرز على مستقبل الصراع الإسلامي- المسيحي، بل واليهودي أيضاً كما سيظهر.

وشهد الصراع بين الطرفين مراحل من المد والجذر إلى أن دبَّ الضعف في العالم الإسلامي نتيجة عوامل عديدة، على رأسها التشتت والخلافات، إضافةً إلى عامل مهم تمثل في خضوع أقاليم واسعة منه لسيطرة دول شيعية، أهمها الدولة العبيدية التي تعرف بالفاطمية في مصر وأجزاء واسعة من الشام، مقابل خلافة عباسية سنية ضعيفة في العراق وما حوله، مما جرأ الدولة البيزنطية على التفكير في استعادة ما فقدته من بلاد، وعلى رأسها بيت المقدس، وأصبحت خطابات ملوكها التي توجَّه لجيوشها المقاتلة مشحونة بالعبارات الدينية التي تؤكد الروح العقدية التي تحرك حروبها.

أما في غرب أوروبا -منطلق الحملات الصليبية- فكانت السيادة والهيمنة للسلطة الدينية ممثلةً بالكنيسة الكاثوليكية وبابا الفاتيكان، إضافة إلى مجموعة محكمة التنظيم من الأديرة والكنائس التي تديرها أسر من النبلاء والأمراء الإقطاعيون والتي تمتع بعضها بنفوذ وثروات كبيرة واستقلالية تامة بعيدة عن سلطة الكنيسة وأعينها.

 

يُطلق مصطلح العصور المظلمة على المرحلة التي عاشتها أوروبا قبل الحروب الصليبية التي سمحت لها بالاحتكاك بالمشرق الإسلامي واكتشاف حضارته وعلومه، حيث كانت أوروبا تغرق قبلها في العنف والجهل والأوبئة

دوافع الفكر الصليبي
بعد استقراء معظم ما كُتب في تحليل دوافع الحروب الصليبية يتبين أن آراء الباحثين تنوعت ما بين من يرجع أسبابها إلى مجموعة من الدوافع الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حركتها وقدحت شرارتها، وبين من يجعل لها سبباً واحداً أسهم في نشأة الفكر الصليبي وما نتج عنه من حروب عسكرية وفكرية.

ويلاحظ تركيز البعض على ضرورة استبعاد الدافع الديني الذي حرك تلك الحشود الضخمة وجعلها تطوف في البلاد وتسفك الدماء، مع أن أفرادها كانوا يرسمون الصليب على أكتافهم ويرفعونه في حروبهم ويصرحون بأن هدف حملاتهم هو “إنقاذ المسيحيين والقدس من المسلمين واستعادة الضريح المقدس”.

ومع البحث يتضح أن لهذا الفكر دوافع عديدة، منها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، إلا أن الدافع الديني هو المهيمن، ويشكل الأصل الذي تفرعت عنه تلك الأسباب كلها، فلا شك أن أوروبا كانت تعاني اقتصادياً وأن معظم شعوبها محرومة من رغد الحياة، مما أطمعها في خيرات الشرق الغني، كما تغلبت رغبة الثراء على عقول الأمراء الإقطاعيين، فكانت الحرب فرصة لتحقيق طموحات استحال عليهم تحقيقها في أوروبا بسبب قانون الإرث الذي يمنح الثروة بأكملها للابن الأكبر، إضافة لما تجلبه الحرب من امتيازات وثروات لتجار الموانئ الأوربية التي تساهم أساطيلها فيها.

أما سياسياً، فقد رغب ملوكها وأمراؤها بتوسيع نفوذهم، وانتبهوا إلى ضعف الدولة البيزنطية (والتي كانت تتبع المذهب الأرثوذكسي وتمتد على تركيا وأوربا الشرقية) مما شجعهم على فتح الباب الشرقي لأوروبا أمام خطر المسلمين، إضافةً إلى خطر إخوانهم في الغرب أي الأندلس الذين كانوا يخوضون معهم حروباً لم تتوقف.

أما على الصعيد الاجتماعي، فكانت أوربا تعيش حالة مزرية مع تفشي الفساد الأخلاقي الذي امتد ليشمل رجال الكنيسة، كما كانت تعاني من انتشار الجريمة، إضافة إلى معاناة شديدة عاشتها جموع الفلاحين والعبيد بسبب حياة الذل والعبودية التي فرضها الإقطاعيون مقابل حمايتهم من هجمات خارجية تشنها عصابات قطاع الطرق.

أوربان الثاني

ساهمت هذه العوامل دون شك في إذكاء الحروب الصلبيبية، لكنها مجتمعة ما كان لها أن تضرم نار سلسلة من الحروب استمرت طوال هذه المدة الزمنية ودمرت وقتلت مئات الألاف، لولا وجود دافع رئيسي مؤثر غذّاها وأمدها بأسباب القوة والاستمرار، ألا وهو الدافع الديني. فالفكر المحرك لتلك الحروب كان ولازال نتيجةَ دافعٍ عقدي رئيسي تفرعت عنه تلك الدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عانى منها الغرب طويلاً، لكنها لم تشعل حرباً على العالم الإسلامي إلى أن ظهرت شخصيات مؤثرة كالبابا أوربان الثاني، الذي كان العامل الديني لديه ولدى كثيرٍ من القواد والأمراء واضحاً منذ البداية، فأفلح في الاستفادة من تلك العوامل وتجنيدها لخدمة غايته العظمى وهي شنُّ “حرب مقدسة” على العالم الإسلامي.

كان الدين هو الهدف المعلن لتلك الحملات التي دعت الحشود إلى “إنقاذ الأرض المقدسة وضريح المسيح والإمبراطورية البيزنطية من المسلمين الوثنيين الكفار”، ونجح البابا في تهييج الجموع الكبيرة التي اجتمعت في كليرمون جنوب فرنسا سنة 1095م لتستمع إلى خطبته الشهيرة، التي أكد فيها أنه يتكلم نيابة عن المسيح نفسه عليه السلام، فقال “ومن ثَمَّ فإنني لست أنا، ولكن الرب هو الذي يحثكم باعتباركم وزراء المسيح أن تحضوا الناس من شتى الطبقات”، كما استخدم نصاً من إنجيل لوقا يقول “ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا”، ووعد المشاركين بالغفران من الذنوب التي كانت شائعة للغاية، فازداد حماسهم في ظل شيوع التعصب الديني والخرافات والاعتقاد بالعودة الوشيكة للمسيح إلى الأرض ونبوءات آخر الزمان، وهي عقائد سادت بقوة في ذلك العصر بفعل اليهود المتغلغلين بقوة في المجتمع الأوروبي بأفكارهم وعقائدهم [انظر مقال المسيحية المتصهينة].

كما استغل البابا قدرته الخطابية في التصوير غير النزيه لمعاناة الحجاج النصارى في الأراضي المقدسة على أيدي المسلمين الذين سمّاهم بالوثنيين، واستثار الحشود التي كان معظمها لا يعرف القراءة والكتابة مؤكدا لهم أن بيت المقدس هو جنة الأرض وقلب العالم المليء بالخيرات، وما إن انتهى من خطبته حتى ثارت الجماهير وصاحت: “الرب يريدها.. الرب يريدها” وهي الصيحة التي صارت شعارًا للحرب بعد ذلك.

تواصل البابا مع المجامع الدينية في أوروبا الغربية ليأخذ رجال الكنائس على عاتقهم مهمة تحميس الناس، وكلّف بطرس الناسك (الذي سيكون له دور بارز في الحملة الصليبية الأولى) بالقيام بجولات مكثفة في أوربا لجمع المقاتلين، مستغلا براعته في الخطابة.

واستثمر البابا حماسة الأمير ريمون الرابع الذي كان يحكم تولوز وبروفانس، وغيره من الأمراء الكبار، ولا سيما الذين شاركوا سابقا في محاربة المسلمين بالأندلس، والذين سبق لهم أن زاروا القدس كحجاج.

لوحة تعود إلى القرن الرابع عشر للحملة الصليبية الثانية

وكان اختيار البابا لفرنسا -موطنه الأصلي- لتكون المكان الذي سيعلن منه بدء الحملات الصليبية مقصوداً، فقد كان جنوب فرنسا بمثابة منطقة تماس مع الحرب التي شنها النصارى الإسبان ضد المسلمين في الأندلس، كما كانت ذات دلالة رمزية وتاريخية خاصة تمثلت في أنها شهدت وقف المدِّ الإسلامي وإعاقته خلال معركة بلاط الشهداء أو بواتييه التي هزم فيها المسلمون سنة (732م)، وهو أمر لم يغب عن بال أوربان الثاني فأراد لها أن تكون منطلق حملاته التي يريد شنَّها على العالم الإسلامي.

وهكذا استطاع أوربان الثاني أن يوحد أوربا في مشروع واحد رغم الاختلاف البيِّن بين شعوبها المختلفة، فتوحدت على الحرب المقدسة ضد الأعداء مع شيوع الاعتقاد بقرب نهاية العالم، وأصبحت الحرب مشروعاً لتحقيق أحلامهم الدنيوية وخلاصهم الأخروي في آن واحد، حتى اعتبروا أنفسهم “فرسان المسيح” و”جيش المسيح” و”الشعب المقدس ” و”شعب الرب “، وآمنوا فعلا بأن الحرب استجابة لأوامر الرب نفسه.

 

أبعاد خفية
ذكرت دراسات عديدة في الشرق والغرب أن هناك أبعادا أخرى للحروب الصليبية تم إخفاؤها عمداً عن صفحات التاريخ، وكان من أحدث هذه الدراسات التي صدرت حديثاً كتاب “اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبيبة” للباحث المصري د. بهاء الأمير، حيث أشار إلى أن تلك الحروب لم يكن لها من المسيحية إلا الغلاف والقشرة، أما في جوهرها فكانت يهوديةً خالصة.

وقد عمد الأمير في كتابه إلى جمع وثائق ومراجع غربية عديدة لكتَّاب من عصور مختلفة والنظر فيها وتمحيصها، ككتاب “الدم المقدس: الكأس المقدسة” لميشيل بيجنت وهنري لنكولن، وموسوعات غربية شهيرة كالموسوعة البريطانية، وما كتبه روبرت لوماس أحد الخبراء في تاريخ الجمعيات السرية وأشهر من أرَّخ للماسونية، وألبرت بايك سيد الماسونية في القرن التاسع عشر وغيرهم، ورجّح من خلالها وجود تلك الدوافع الخفية للحروب الصليبية.

وتفصيل ذلك أن أوروبا عرفت منذ القرن الثالث الميلادي ظهور ما يعرف بالأسرة الميروفنجية، وهي مجموعة من الأسر التي ترتبط فيما بينها بعلاقات نسب ومصاهرة قوية، وتعتبر الفرع الأكبر والأشهر من قبائل الفرانكا (الفرنجة) التي سيطرت على مناطق واسعة من جنوب أوروبا وغربها، فيما كان يعرف قديماً باسم “غالة”، والتي كانت تضم فرنسا وبلجيكا وسويسرا وغرب ألمانيا وجزءاً من أسبانيا، ولم تدخل في المسيحية إلا في القرن الخامس الميلادي، حيث أنشأت سلسلة أديرة خاصة بها في كل أنحاء غالة ودعمتها مادياً ومعنوياً لضمان ولائها لها، ولتبثَّ من خلالها أفكارها في أتباعها، حتى نجحت بالتدريج في التغلغل بالمجتمع وصولاً إلى الطبقة الحاكمة، ولتصل في النهاية إلى تأسيس مملكة دينية من الأديرة والكنائس تنافس الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، وتمنع تسرُّب أفكار الفاتيكان إلى شعوب “غالة” التي صارت تحت حكمها.

ويؤكد في كتابه اعتماداً على وثائق ودراسات غربية أن نسب الأسر الميروفنجية يعود إلى من بقي من سبط بنيامين (أحد أسباط بني إسرائيل الإثني عشر)، الذين فروا بحراً إلى أوربا بعد خراب الهيكل الثاني في القدس على يد الرومان واستقروا فيها، ثم حرصوا على التصاهر مع أسر يهودية من سبطي لاوي ويهوذا، أي أن جذورهم تعود إلى بني اسرائيل ودينهم اليهودي، وأن اعتناقهم المسيحية كان مجرد غطاء.

ولاحقاً، نجحت تلك السلالة من خلال رهبان الأديرة التي أسستها في اختراق الكنيسة الكاثوليكية نفسها، واستطاعت إيصال ستٍ من الباباوات ذوي الأصل اليهودي إلى رأسها، وكان أشهرهم البابا أوربان الثاني الذي أوقد شعلة الحروب الصليبية، فقد كان راهباً يرأس دير كلوني، أحد أكثر أديرة الأسرة الميروفنجية نفوذاً وثراءً.

وبهذا يمكن فهم أبعاد العبارة التي افتتح بها البابا خطبته الشهيرة في كليرمون عندما قال “يا شعب الفرانكا (الفرنجة) العظيم القادم عبر الجبال، يا شعب الله المحبوب المختار”. فقد كان يوجه خطابه إلى الفرانكا وليس إلى المسيحيين أو المؤمنين، ووصفهم بأنهم شعب الله المختار، وهو أسلوبٌ يهودي خالص.

كان أمراء أوروبا يتعاونون مع رهبان تلك الأديرة لتهيئة الأجواء باتجاه الحرب، فوثقوا صلاتهم بالإمبراطور البيزنطي (الأرثوذكسي) وأقنعوه بضرورة الاستعانة بهم لمساعدته في صراعه ضد السلاجقة المسلمين، وعندما استنجد بهم فعلاً أثاروا مشاعر الجماهير للزحف تجاه الأرض المقدسة.

غودفروي دي بويون

ومن الملفت أن قادة الحملة الصليبية الأولى اتفقوا على أن تعيين غودفروي دي بويون حاكماً للقدس (أورشليم) بعد السيطرة عليها، ولم يكن اختياره مصادفةً إذ كان أصرحهم نسباً في الأسرة الميروفنجية، فهو سليل داوود عليه السلام مما جعله في دين اليهود وريث أورشليم الشرعي، ويبدو أن استعادة القدس وتنصيب ملكٍ من بني إسرائيل عليها هو الهدف الحقيقي للحملة الصليبية.

وبالرغم مما قلناه عن الدوافع الاقتصادية للحرب فقد كانت متداخلة مع العقيدة، إذ تؤكد مصادر عديدة أن اليهود كانوا سادة المال والتجارة في أوروبا منذ القرن الخامس الميلادي، وأن التجارة بين أوروبا والعالم الإسلامي أصبحت في أيديهم بحلول القرن العاشر الميلادي، فكان تدبيرهم للحملات الصليبية وسيلة لاستكمال سيطرتهم على المال والتجارة العالمية، حيث راجت التجارة أثناء الحروب الصليبيبة وأثرى التجار (ومعظمهم من اليهود) ثراءً فاحشاً.

ولعل السِّمة اليهودية الأبرز للحملات الصليبية تتجلى في منظمة “فرسان الهيكل” التي كانت أشهر منظمة عسكرية في تاريخ أوروبا، علماً بأن اسمها الكامل هو “الجنود الفقراء من أتباع المسيح وهيكل سليمان”.

ويكتنف الغموض تاريخ هذه المنظمة، إلا أن ما كشفته بعض الدراسات الحديثة ساعد على ربط الكثير من الخيوط وكشف خفاياها، فقد أنشأها عام 1118م رجلان أحدهما الكونت دي شامبان رأس الأسر الميروفنجية، والآخر هو القديس برنار دي كليرفو رأس مملكة الأديرة التي أنشأتها تلك الأسر، وبذلك يعتبر الفرسان نموذجاً مثالياً للتحالف الوثيق بين تلك الأسر والأديرة التي كونتها ومولتها.

“كنيسة المعبد” التي كانت مقرا لفرسان الهيكل في لندن ويبدو من مظهرها أنها كانت أقرب للقلاع من الكنائس المسيحية

نجح دي كليرفو في اختراق الكنيسة الكاثوليكية حتى أصبح أهم مستشاري البابا، وأقام علاقات وثيقة مع ملوك أوروبا وأمرائها، واستطاع بنفوذه الحصول على اعتراف البابا بفرسان الهيكل ومباركته، حتى منحها من الامتيازات ما جعلها خارج سلطة الملوك والأمراء والأساقفة.

أعلنت هذه المنظمة ظاهرياً أن الهدف من إنشائها هو حراسة طرق الحج من يافا إلى أورشليم، وحماية الحجاج المسيحيين من أعمال السرقة والنهب التي كانوا يتعرضون لها بزعمهم، وأظهرت كفاءة قتالية عالية بمشاركتها مع الجيوش الصليبية، وحققت انتصارات كبيرة كان أشهرها معركة تل جازر سنة 1177م، والتي استطاعوا فيها تشتيت جيش صلاح الدين الأيوبي وهزيمته نتيجة خطأٍ عسكري ارتكبه، فزادت امتيازاتها وأصبحت القوة المنظمة الأولى في مملكة أورشليم الصليبية.

وأكد باحثون أن ما أظهرته المنظمة من أهداف وما قدمته من بطولات كانت ستاراً لهدف خفي، وهو الوصول إلى المسجد الأقصى والتنقيب تحته لكشف آثار هيكل سليمان الذي حملت المنظمة اسمه صراحةً، حيث اتخذوا مقراً لهم داخل المسجد، أي بعيداً عن طرق الحج التي أعلنوا عن حمايتها، وحفروا أنفاقاً تحته عُثر عليها سنة 1867م وفيها أدوات وأسلحة تحمل شعاراتهم.

اللباس التقليدي لفرسان المعبد

يدل ارتباط هؤلاء الفرسان بالهيكل دلالةً واضحة على أصلهم اليهودي ويرجح صِحَّة وقوف اليهود خلف الحملات التي رفعت الصليب شعاراً لها، إذ يبدو أن هدفهم من تحريكها كان الوصول إلى الهيكل الذي يصفه تيودور هرتزل بأنه: “عقيدة آبائنا التليدة التي جمعتنا معاً”، فالهيكل هو لبُّ اليهودية، وإعادة بنائه غايتها في كل زمان ومكان، فلا يوضع اسم الهيكل في منظمة أو تنظيم إلا ويكون يهودٌ خلفه، ولا علاقة للمسيحية به من قريب أو بعيد.

ومع أن أورشليم مقدسة عند المسيحيين، إلا أن المقدس فيها هو القبر وكنيسة القيامة وليس الهيكل، لأن خراب الهيكل وهدمه من علامات صدق المسيح عند أتباعه كما نص إنجيل متى. فلماذا تنسب منظمة -تدَّعي أنها كاثوليكية- نفسها إلى الهيكل وتضعه في اسمها إلى جانب المسيح، مع أنه ليس له أي قداسة في المسيحية بل العكس هو الصحيح؟!

لذا يرجح باحثون أن وضعهم كلمة المسيح ضمن اسم المنظمة كان غلافاً يخفي غايتهم الحقيقية وهي “الهيكل”، وهذا من سمات اليهود التي يغفل عنها الكثير من المؤرخين، ولا سيما المتعلقون بظاهر الأحداث.

ومع تنوع أسباب الحروب الصليببية وتشتتها في نظر معظم مؤرخيها، يبدو أن بعض الدراسات الحديثة نجحت أخيرا في الكشف عن انبثاقها من أصل واحد ضمن إطار العقيدة اليهودية، وأن اليهود تعمدوا إظهارها مشتَّتةً لإخفاء الهدف الحقيقي وتركه محل جدل على مدى قرون، وليبقى الآخرون غافلين عن السلاح الفعال الذي لا يمكن مواجهتهم إلا به، ألا وهو عقيدة الوحي غير المحرفة.

 

نتائج الحروب الصليبية
لعل أهم نتائجها هو ما خلفته من آثار على الصعيدين الثقافي والفكري، فالحملات الصليبية انتهت عام 1291م بفشل عسكري ذريع، إلا أنها أقنعت الصليبيين ومن وراءهم بضرورة تحويل المعركة مع العالم الإسلامي من حرب مسلحة إلى حرب مقنعة وأن يكون سلاحها الرئيس هو الغزو الفكري، وذلك تحت أقنعة العلم والصناعة والتجارة والبعثات الطبية والأثرية، وغيرها من المجالات الإنسانية التي لا تثير حفيظة الشعوب.

فالغزو الفكري لا يولد ردَّ فعل مقاوم كما يحدث مع العدوان العسكري، لذا شاع في الغرب قولهم “إذا أرهبك سلاح عدوك؛ فأفسد فكره ينتحر به”. وقد كان اليهود العقل المدبر لهذا الغزو ثم سار الصليبيون على أعقابهم بعد خيبة الحروب الصليبية، ونجحوا خلال قرون من التجريب والتطوير في تحقيق أهدافهم، والتي تتجسد في المجالات الثلاثة الآتية:

  • التنصير: لجؤوا إليه لاستمالة المسلمين بطرق ودية بعد فشلهم العسكري، فأرسلوا البعثات التبشيرية التي نشطت في العالم الإسلامي مستغلةً ضعفه، حيث استغل المبشرون مجالات التعليم والطب والتواصل الشخصي مع المسلمين لتحقيق غايتهم. وقد أثبتت الكثير من البعثات التبشرية حرصها الشديد على تنصير المسلمين وتحملت في سبيل ذلك مشاق عظيمة لا يتحملها إلا من يمتلك دافعاً عقدياً قوياً يهيمن عليه.
  • الاستشراق: هو تعبير أطلقه الغربيون على الدراسات المتعلقة بالشرقيين، بما يشمل دراسة شعوبهم وتاريخهم وأديانهم ولغاتهم ، وقد اهتم معظم المستشرقين بدراسة الإسلام وشعوبه أكثر من أي شعب شرقي آخر، وأثبت التاريخ توظيف أبحاثهم في خدمة أغراض التبشير والاستعمار.
  • التغريب: يقصد به نقل مفاهيم الحضارة الغربية وسلوكياتها وأفكارها إلى العالم الإسلامي عبر الأنظمة التربوية والسياسية والثقافية، وذلك بأيدٍ إسلامية تلقت تعليمها على الأغلب في المدارس الغربية وتشبعت بالعداء لبيئتها ودينها.

إدموند إلّنبي

ويبدو أن الغرب استثمر هذه الوسائل الثلاث جيداً على مدى قرون، ليعود إلى العالم الإسلامي غازياً ويستكمل حربه الصليبية بحملة جديدة تحت مسمى الاستعمار، حتى قال الجنرال إدموند إلّنبي -اليهودي كما جاء في الموسوعة اليهودية- وهو يدخل القدس سنة 1917م “اليوم انتهت الحروب الصليبية”، كما توجه الجنرال الفرنسي هنري غورو فور احتلاله دمشق سنة 1920 إلى قبر صلاح الدين الأيوبي، وركله بقدمه قائلاً: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”، وهي مقولة استحضرناها مؤخراً عندما أفلتت من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن عبارة “إنها حملة صليبية جديدة”في وصف حربه على العراق سنة 2003م [انظر مقال المسيحية الصهيونية].

والملفت في جميع تلك الحملات القديمة والحديثة الدور اليهودي غير المعلن، فقد نجح اليهود في اختراق المسيحية منذ شاؤول في القرن الميلادي الأول حتى أصبح رسول المسيحية الأول وحمل اسم بولس الرسول، وتمكن بذلك من تحريف الوحي الذي جاء بها المسيح من عقيدة توحيد إلى عقيدة تثليث، ثم اخترقت الأسر الميروفنجية الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى وهيمنت عليها، وأنشأت منظمة فرسان الهيكل لتصل إلى المسجد الأقصى وتسعى لإنشاء هيكل ينسبونه إلى سليمان عليه السلام، واليوم يمثل البروتستانت تياراً مسيحياً متصهيناً يهيمن على القرار السياسي الغربي ويتحكم به للوصول إلى الهدف ذاته، وهو إنشاء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى.

ما زال الأوروبيون يحيون ذكرى الحملات الصليبية حتى اليوم

 

ملاحظات على بعض الدراسات العربية
يرفض كثير من الباحثين والمؤرخين من العرب والمسلمين تسمية الحروب الصليبية بهذا الاسم ويصرون على تسميتها بحروب “الفِرَنجة”، مع نفي الطابع الديني الذي صبغ أهداف الأوربيين آنذاك أو التقليل من شأنه، ويدللون على ذلك بما فعله مؤرخو الإسلام الثقات عند تدوينهم لتاريخ تلك الحروب، حيث استخدموا مصطلح “الفِرَنجة” و”الإفْرَنج” في وصفهم، وينقلون عن صلاح الدين الأيوبي قوله “انظروا إلى الإفرنج.. انظروا بأي ضراوة يقاتلون في سبيل دينهم في حين لا نبدي نحن المسلمون أية حمية للجهاد في سبيل الله”، مع أن عبارة السلطان هذه تفنِّد دعواهم، فقد أدرك صلاح الدين أن الحرب مع الفرنجة صراع عقائدي بالدرجة الأولى.

حتى لو استخدم القدماء صفة “حروب الفرنجة” فهذا لا ينفي طبيعتها العقدية، لا سيما بعد ما بيَّنته بعض الدراسات الحديثة من علاقة قبائل الفرانكا أو الفرنجة ببني إسرائيل، والدور الذي لعبته اليد اليهودية الخفية لتحريك لتلك الحروب.

ويبالغ البعض بالقول إن نسبة تلك الحملات إلى الصليب لا تصح، لأنها تسمية لا توافق مضمونها، ويقررون أن الصليب رمز للفداء والتضحية بالنفس ولم يكن يوماً رمزاً للحرب والقتل. وهذه مغالطة، ففكرة الصليب تمثل نقطة تحول الوحي الذي جاء به المسيح من التوحيد وتنزيه الإله عن مشابهة مخلوقاته، إلى عقيدة تنسب إلى الإله الولد وتجعله عاجزاً عن حمايته ومضطراً إلى التضحية به لتكفير ذنوب عباده.

وفي ما سبق من التبريرات صرفٌ للعالم الإسلامي عن حقيقة الصراع إلى دوافع ثانوية تفقده السلاح الوحيد الفعال في معركته، مع أن الصليبيين كانوا أكثر وضوحاً وسمّوا حربهم بمسماها الديني ولا نجد في مراجعهم عن تلك المرحلة إلا مصطلح “Croisades” و”Crusade” أي “الصليببية”.

يسارع بعض الباحثين أيضاً إلى تبرئة نصارى المشرق من الولاء لنصارى الغرب ويؤكدون رفضهم للحملات الصليبية بدوافع وطنية، مع أن التاريخ ووقائعه تشهد بأن هذه الدعوى لم تكن دقيقة بالمطلق، وقد كشف هذه الحقيقة مفكرون نصارى مثل المستشرق الأميركي لبناني الأصل فيليب حتّي، فأكد في كتابه “لبنان في التاريخ” على متانة العلاقات الودِّية بين الصليببين والموارنة، حيث قدم الموارنة للحملة الصليبية الأولى أدلاء يرشدونهم إلى الطرق والمعابر، وأرسلوا فرقة من النشَّابة (الرماة) المتطوعة لدعم الصليبيين في القدس، كما ذكر حتّي أن لويس التاسع عندما نزل عكا وجد في استقباله 25 ألفاً منهم محملين بالمؤن والهدايا، وكانت لهم المكانة الأولى بعد الصليبيين في كل مملكة أسسوها.

وقد وصف المؤرخون استقبال نصارى دمشق للقائد التتري النصراني كتبغا عندما دخل مدينتهم محتلاً، وكيف خرجوا إليه مرحبين ورافعين الصلبان ورشوا الخمر على أبواب المساجد، كما نالوا حظوة عظيمة عند هولاكو حتى أَذِن لهم بتحويل المسجد الأموي إلى كنيسة، كما تشابهت تلك التصرفات من قبل النصارى الشرقيين في مدن كثيرة دخلها التتار والصليبيون كحلب وبغداد التي حرص التتار على الحفاظ على كنائسها وأنعموا على بطرقها (بطريركها) بالهدايا الثمينة، في الوقت الذي قتلوا فيه الخليفة العباسي وهدموا مساجدها وذبحوا أهلها المسلمين بفقهائهم وعلمائهم.

وكان التنسيق بين المغول ونصارى المشرق عالياً، حتى عدَّ المؤرخون ومنهم ابن العبري النصراني اجتياح التتار للعالم الإسلامي حملةً صليبية جديدة وفرصة للنيل من المسلمين جاءت من الشرق، وأكدوا على دور زوجة هولاكو النصرانية في توجيه اهتمامه نحو العالم الإسلامي لغزوه دون أوروبا النصرانية، وحرص هولاكو من جهة على أن تكون حاشيته وبطانته المقربة منهم،كما حرص بعض بطارقتهم وأمرائهم من جهة أخرى على ملازمة المغول في زحفهم ومشاركتهم في احتلالهم، وتحريضهم ضد المسلمين.

مخطوط أوروبي لمعركة نيكوبوليس

مع أن معظم المؤرخين يعتبرون أن الحملات الصليبية على بلاد المسلمين في المشرق انتهت في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، أي مع بدء ظهور الدولة العثمانية القوية في الأناضول، إلا أن الصراع لم يتوقف. فبعد نحو قرن من تأسيس دولتهم، نجح العثمانيون عام 1396م في دحر تحالف هائل من الجيوش الصليبية القادمة من المجر وبلغاريا وويلز وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وذلك في المعركة التي سقطت فيها العاصمة المجرية نيكوبوليس، ما سمحت للدولة العثمانية بالتمدد نحو عمق أوروبا.

 


 

أهم المراجع
راغب السرجاني، قصة الحروب الصليبية، القاهرة، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، 2008م، ط1.

علي محمد الصلابي، دولة السلاجقة وبروز مشروع إسلامي لمقاومة التغلغل الباطني والغزو الصليبي، القاهرة، مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، 2006م، ط1.

بهاء الأمير، اليهود والحركات السرية في الحروب الصليبية، القاهرة، مكتبة مدبولي، 2013م.

عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، أجنحة المكر الثلاث وخوافيها: التبشير- الاستشراق- الاستعمار، دمشق، دار القلم، 2000م، ط8.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد