1

الصراع الأمومي: حرب الوجود وأوهام الإرادة المسلوبة

تبعًا لعقيدة اليهود والنصارى تحمل حواء وزر إخراج آدم عليه السلام من الجنة، ولأجل خطيئتها تلك عوقبت وبنات جنسها بالحمل وآلام المخاض، في حين جعل فريق آخر من حواء رمزا للتضحية لأنها آثرت العصيان على الطاعة إنقاذا لزوجها من شر مُتَوَهَّم، وما من فريق إلا ويخضع تفسيراته لأهوائه ويجعل من الطرف الآخر سببًا في ظلم يلحق به، فبين مهاجم للأنثى ومدافع عنها حد الغلو، وبين من يجعل الرجل ظالماً تارة ومستكيناً للمرأة تارة أخرى، وفي كلٍّ من الخطابات مذمة للرجل والأنثى معاً دون استثناء.

لنفترض جدلاً أن الحرب الذكورية الأنثوية والتي يعتبرها البعض أزلية، قد بدأت مذ نفخ الله في نبيه وزوجته الروح، فأنّى للبشر أن يزدادوا ويتكاثروا وللأرض أن تُعمر؟ وإن اعتبرنا التكاثر والإعمار سبباً بدهيّاً هادماً لفكرة الصراع الذكوري الأنثوي التاريخي، فسيفقد هذا المنطق قيمته خدمة لنظرية مؤامرةٍ تغذيها شرايين حب الصراع وخطاب الفئة المسحوقة.

المرأة قوية مسلوبة الإرادة

تكاد تكون دعوى “المرأة المظلومة والمسلوبة الإرادة عبر التاريخ” العبارة المفضلة لدعاة تحرر المرأة والتمركز حول الأنثى، ومن وجهة نظر امرأة تُنصّب دعواهم تلك في رأس قائمة الخطابات المهينة للنساء، فمفهوم الإرادة المسلوبة يُجرد الإنسان من مقومات القدرة على التعبير والتغيير ونبذ الظلم، وهي حجة على المرأة لا لها، ودليل ضعف لا قوة، وذلك لاحتمالها عددا من الأوجه المتناقضة في ذاتها:

أما الوجه الأول فيحتمل معنى المرأة غير القادرة على الإدراك -أي نقص في العقل- ويسقط هذا الوجه مع معارضة النسوية له بتصديرهم المرأة كمخلوق ذي قدرات عقلية عالية تفوق الرجل، وهو منفي أيضاً بطبيعة الحال.

 وأما الوجه الثاني فالمرأة ضعيفة بنيويّاً بالمقارنة مع الطرف المقابل الأكثر قوة وشدة، أي عدم تكافؤ القوى فيغلب القوي الضعيف، وقد نفته النسوية بتأكيدهم على قوة المرأة وقدرتها على التغيير، فضلا عن نفي الاختلافات البيولوجية بين الذكر والأنثى. وإن كنا نحن نؤمن بالاختلافات التي وضعها الله بينهما فخلق الرجل أقوى جسديا وأقدر على البطش، إلا أنه ليس من الإنصاف تعميم تهمة تسلّطه وظلمه للمرأة في أصقاع الأرض كلها ومنذ مئات وآلاف السنين، وإن صح ثبوته في جزء من العالم.

والوجه الأخير بعد انتفاء الاحتمالات السابقة، أنها دعوى مشوبة بالخداع، ومحاولة مبتذلة لشحذ الاستعطاف، وسلب العقول، فكيف تجتمع القوة بالضعف؟ وقد بات أتباع النسوية يحتفلون بدراسات الأنثروبولوجيا، الدالة بناء على بعض التماثيل القديمة والأحفورات والرسومات التاريخية، إلى أن بداية الحكم على الأرض كان للمرأة وسميت المجتمعات الخاضعة لحكمها بالبدائية (الأمومية)، وأن الآلهات كن من النساء حتى سلبها الرجل -بقيامه بما يسمى الانقلاب الذكوري- تلك الامتيازات والقدسية بل جعلها مسحوقة وأخفى وجودها، فلماذا التزمت الصمت واختارت الخضوع لآلاف السنين؟

أزمة الهوية والإرادة

مساندة لنظرية المؤامرة الذكورية، تبنت بعض النسويات فلسفة فوكو الذي يفسر خضوع الأفراد للسلطة عبر تشكيلهم جسديا ليكونوا خاضعين، معتبرين أن المرأة إن تخلت عن صفات الخضوع من الناحية الجسدية كالإنجاب والحمل، أي التخلي عن أنوثتها، ستتحرر بذلك من سلطة الرجل والمجتمع، وقد عززت هذا المفهوم جوديث بتلر بدراساتها عن نظرية الجندر (النوع) لتؤكد على مفهوم “الإنسان لايولد بجنس محدد بل يُفرَض عليه”، مما أثار حفيظة بعض النسويات ضد تلك المفاهيم، فمفهوم الإرادة المسلوبة ينفي وجود صفات طبيعية في الإنسان تدفعه للمقاومة والتحرر، وبإلغاء صفة الأنوثة عن المرأة لم يعد هناك جدوى من الدفاع عن حقوقها كامرأة، “فالواجب الانطلاق من سؤال ماذا نريد كنساء، وليس من التساؤل عن ماهيتنا(نوعنا)؟”[1]

حواء وحرية الإرادة

بالعودة لقصة أبينا آدم وأمنا حواء عليهما السلام وإيماناً منا بالإسلام الذي جاء داحضًا للخرافات، مبيناً للحق، حاسماً للصراعات، لابد أن نقف موقف المتأمل في قصة أول بَشريّين في القرآن، قال تعالى:{وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِين*فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ*وقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ*فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ}[الأعراف:20-23]، كم من اللافت صيغة التثنية التي انفردت بها الآيات من بداية النهي عن الأكل من الشجرة إلى الوقوع في الذنب وطلب العفو والمغفرة، باستثناء آيات أفردت لآدم عليه السلام في غير موضع[2]، وما أدق الأوصاف وأعدلها في الدلالة على حرية الإرادة التي تميز بها آدم وحواء، فلم تؤخذ حواء بذنب زوجها ولم يؤخذ هو بذنبها، وقد خلق الإنسان من ذكر وأنثى حُرَّين في إرادتهما، يتمتعان بمقدرة الاختيار والتغيير والتأثير، فهل يمكن للإرادة أن تسلَب؟

نصف المجتمع ظالم أم مظلوم؟

لا تناضل النسوية من أجل تحرير المرأة بقدر ما تحارب لتحريرها من دورها في المجتمع، فتنفي أن يكون للمرأة أي دور فيه سوى من الناحية المهنية والإنتاجية الوظيفية، وما سواه من مشاركات مجتمعية وأسرية في جانب الإعفاف والإصلاح والتربية، يتحمل مسؤوليتها الرجل ولها الحرية المطلقة في ما تشاء.

وتترافق خطابات النسوية عن الفئة المسحوقة مع خطاباتها المؤكدة على قوة المرأة وأهمية مكانتها في المجتمع، مثيرة لتساؤلات لا تنفك تصطدم بها النسوية، عن دور المرأة في التاريخ؟ وعن الغموض الذي يحيط صمتهن عن الظلم؟ وإن كان جزء من النساء مستضعفات فأين البقية؟ إن إيجاد التفسيرات والإجابات مُرهقٌ لأسباب ناقشناها أعلاه، فنحن نتحدث عن 50% من المجتمع بزعمهم وهو رقم عظيم! ولذا كان لابد من مخرج للمأزق بالاستعانة بنظرية متهاوية تسمى “الجندر”.

وشهد التاريخ لنماذج نسائية مشرفة وأخرى فاسدة، مما يدل على أن المرأة كانت ذات دور في المجتمع، سلبي وإيجابي، لم تكن مغيبة إلى حد منعها من التغيير، وإن كانت فئة من النساء مستضعفات لكنه ليس الحال العام، ولذا من الحكمة ألا تلصق مشاكل النساء بالرجل فقط لأنها قضية متداخلة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومسؤولية مجتمع بأكمله، بنسائه ورجاله، فالنسوية التي تقاد من النساء بحد ذاتها ظلم للمرأة عندما شوهت فطرتها وقتلت أنوثتها، والمرأة كانت ومازالت أما ومربية وأختا و زوجة وابنة ومعلمة، وعليه فيجب أن يحل إصلاح المجتمع مكان التمرد والصراع، والاعتراف بالأخطاء مكان إلقاء اللوم.

تجاذب المرأة بين السلطة الأبوية والأمومية

المفترض من حركة تحرير المرأة تحقيق حرية الاختيار لها وتمكينها في المجتمع، ولكن شرط بقائها ضمن حدودٍ فرضوها ومن ثم جعلوها الحق المبين، فأصبح الحجاب رمزا للعبودية، والدين قاهرًا للمرأة، والإنجاب والتربية عملًا وضيعًا معيقًا للمجد، والزواج مقبرة، ومزاحمة الرجال واجبًا، وإن خالفت المرأة أهواءهم وخرجت خارج حدودهم، فإنهم يندهشون من كونها امرأة ويشكّكون في عقلها واختياراتها، ولايملكون غضاضة في قتل أي مشاعر جميلة مرتبطة بالأنوثة، “ففي الحريم العلماني الليبرالي لا مكان لامرأة ذات اختيار حر، والحرية المقدسة لايدنسها سوى الخيار الديني” [د.ملاك الجهني، من مقال الحريم العلماني الليبرالي] وكان في إجابة إمرأة أمريكية بسيطة نظرة للمستقبل عندما سألت عن رأيها في النسوية: “يريدون أن يخرجوننا من سلطة الرجل إلى سلطة الأنثى وهو أشد خطراً!”، فَضَحيَّة حركات تحرير المرأة هي المرأة أولا.

أسطورة المرأة الخارقة

ومع إعراض النسوية عن كل الدراسات المؤكدة للاختلافات بين الرجل والمرأة وعمّا هو واضح عيانا، كان الإسلام واقعيا في التعامل معها، فلنفترض مثلًا أن أمًّا أتت بأخوين إلى مربِّية، فنبهتها لطبيعة أحدهم الرقيقة الحساسة والمختلفة عن أخيه القوي، فهل يعتبر وصف الأم انتقاصا من الأخ الرقيق؟ أم حرصًا منها وتنبيها للمربية إلى طريقة التعامل معه لأنه أكثر عرضة للأذى؟ وكيف للمربية أن تتنبه لهذا لولا قول الأم؟

إن الإسلام لم يقدم أوهاماً عن قوة المرأة الخارقة للعادة، وبالتالي لم يفرض عليها ما لا تحتمله وخاصة مع ارتباطها بالحمل والرضاع والتربية، وروعيت أشد رعاية في تغيراتها الجسدية والهرمونية، فالمرأة القوية القادرة على كل شيء “وَهمٌ” جعلها تقاصي ما لا تحتمل ويُنتظر منها أكثر مما تستطيع، وكثيرات تهاوين أمام هذا التحدي.

{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ }[يوسف:40]

في الكون لا سلطان إلا سلطان الله، ولا حكم لامرأة ولا لرجل إلا بأمر الله، الذي سبحانه كلف الرجل بالقوامة وأمر المرأة بطاعة الزوج والأب أو الوالدين، فلله ورسوله الطاعة المطلقة وما لغيرهم طاعة مقيدة وجاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف) [أخرجه البخاري في الصحيح][3]، لأن المرأة أمة لله في المقام الأول وكذلك الرجل وكلاهما خاضعان لحكم الله، ولهما على بعضهما حق التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعدم المجاراة فيه، وجُعل الإصلاح والدعاء والاستعانة بالقضاء وغيره حلولا للزيغ عن الحق والواجب، وأُكد على معاني المودة والرحمة والاحترام والمعاشرة بالمعروف والإحسان. ومادون ذلك من المعاملات بين الرجل والمرأة الأجانب عن بعضهم تخضع لضوابط الإسلام، والأصل فيها التساوي إلا فيما فصل الشارع، فقال سبحانه وتعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة:71].

بين عمل وضيع وعمل يوصل للجنة

إن التزام المرأة بالطاعة لزوجها لا يلغي عنها صفة الحرية والعقلانية، فالمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عنه، ولعظم هذا الأمر جعل سببا في دخول المرأة للجنة، وإن دل ذاك الإكرام على شيء فإنما يدل على صعوبة تطبيق الطاعة، وأهمية دور المرأة في تحقيقها لخلق التوازن في الأسرة، ولا يمكن لأحد أن ينكر الخير الكثير في النساء وغيرتهن على الدين واهتمامهن بصلاح حال الأمة، لكن لا يجب أن يأخذها الحماس بعيدا فيصرفها عن واجباتها الأساسية، والتي لاتقل أهمية عن أي مهمة شريفة في الإسلام، بل تقترب من كونها من أعظم الأمور وأكثرها مجاهدة في زمن تقتلع فيه من أنوثتها وأسرتها، فالأمر منوط بالتوازن والحكمة.

نساء في القرآن

عند تتبع سير النساء القرآنية، نجد منهن من كنَّ مثالا في الكفر والعصيان كامرأة نوح وامرأة لوط، بينما أخريات كنَّ رمزًا للإيمان باختيارهن العبودية لله على عبودية البشر وما سواهم من العبوديات، فلم يمنعهن تجبر الزوج وطغيانه وكفره عن الإيمان بالله كمثال زوجة فرعون، وغيرهن ممن لم يَردُّها قتل أولادها وحرقهم والتنكيل بهم أمام أعينها عن التصديق بالله رَبّاً كتلك التي جاء ذكرها في حديث رسول الله: (لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، قلت: ما هذه الرائحة؟ فقيل لي: هذه ماشطة بنت فرعون وأولادُها) [أخرجه الإمام أحمد في المسند]، ومثلهن ممن لم تتكبر عن أن تكون أَمَةً لله وهي صاحبة الملك والرفعة كملكة سبأ، ولا حصر للنماذج النسائية المشرفة اللاتي عرفن معنى العبودية بإخلاص لربهن فما زادهن ذلك إلا رفعة وشرفا وحرية.


مصادر للتوسع والازدياد

-استفدت من:

  • الحريم العلماني الليبرالي، د.ملاك الجهني، مركز باحثات.
  • قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى، د. عبد الوهاب المسيري، دار نهضة مصر.

[1]ترجمات:ميشيل.فوكو-والنسوية

 https://bahethat.com/report/r35506/

[2] حواء.وخروج.آدم.من.الجنة.القرضاوي

 https://www.al-qaradawi.net/node/4034

[3]للاستزادة:

 https://islamweb.net/ar/article/213217/