1

الدَجَل والمسخ المعنوي

خلق الله تعالى الناس -في الأصل- على الفطرة السليمة وعلى الهيئة السويّة عقليّا ونفسيّا وبدنيّا؛ إلا عوامل متعدّدة شوّهت هذا الخَلْق، فلم يعد سليمًا. لذلك قال سبحانه في الحديث القدسي: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمَت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) [أخرجه مسلم]. وشيئًا فشيئًا انتهى هذا التشوّه إلى مسخ عام قد استحكم في البشرية على تفاوت –طبعًا- بين الشعوب والجماعات والأفراد.

الانمساخ والتحوّل عن فطرة الله

تعدّدت صور هذا الانمساخ الكبير، فمنه ما مسّ الروح، كالشرك بالله، إذ كيف يترك البشر عبادة الإله الواحد إلى التوجّه لأنواع لا تنقضي من الأصنام والفراعنة والأوهام؟. ومنه مسخٌ مسَّ المفاهيم والأفكار، كالمكيافيلية في السياسة مثلًا، ومنه مسخ أخلاقي، كالفعل الجنسي القبيح الذي أصر قوم لوط عليه السلام الذين قالوا عن لوط ومن آمن به وأهله: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: 82]

إن المسخ الاجتماعي الشامل يبدأ صغيرًا ثم يكبر، فهو ينمو بالتدريج، ويتسلّل إلى النفوس والقلوب بهدوء ماكر. وقد ضرب لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا فقال: (كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟  قالوا: يا رسول الله، إن هذا لكائن؟ قال:  نعم، وأشد منه، كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟  قالوا: يا رسول الله، إن هذا لكائن؟ قال:  نعم، وأشد منه، كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفا والمعروف منكرا؟) [أخرجه أبو يعلى والطبراني في الأوسط]

كما أن من صفات هذا المسخ أنه يقلب الموازين بحيث ينعدم التمييز بين الخير والشرّ، وبين الصواب والخطأ، وهذا مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤتمن الخائن ويخوّن الأمين) [أخرجه أحمد في المسند والترمذي في السنن].

مكيافيلي

مسالك التشوّه

إن المرء لا يبقى على سلوك واحد ما لم يفتّش عن الحق دومًا، فتراه يتأرجح بين الاستقامة والانحراف، بل بين الإسلام والكفر، ففي صحيح مسلم عن نبينا الكريم: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مسلمًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا)، وانظر –من هدي هذا الكلام- إلى حال المجتمعات المعاصرة اليوم، كيف فقد أكثرها البوصلة الصحيحة بشكل شبه تام. فاللامعنى أصبح –يُسمّى- فنّاً، والمقاومة تسمى إرهابا، وتعدد الخليلات مشروع بشرط عدم توثيقه بالقانون، وتدمير الأرض يسمى تنمية، وصار قتل الشعوب ممارسةً للسيادة، والتزام أحكام الشريعة تشدّد، وتحريف الدين يسمى اجتهادا، وغدَتْ السرقة ذكاءً، والاستعمار تعاونًا دوليًّا، وضياع الهوية انفتاحا… الخ.

وهذا التشوّه أصاب نظرة الناس للدين أيضا، أي فهمهم له، أما أصله من الكتاب والسنّة فمحفوظ. ألا ترى كيف يتعلّق كثير من المسلمين بمظاهر التديّن وقشوره في حين لا حياة لقلوبهم ولا إيمان، فأثمر ذلك انفصاما اجتماعيا وفشلا تربويا وتراجعا حضاريا؟ وقد خصّص المفكر الكندي آلان دونو كتاباً مستقلاً لهذا الانمساخ الكلّي، عنونه بــ” نظام التفاهة”.

يهدف هذا الانمساخ أو نظام التفاهة –بعبارة دونو- إلى استبعاد القيم الإنسانية الأصيلة من أيّ اعتبار، وحصر الاهتمام في مصالح المال والأعمال وتحقيق الشهرة… لذا كان سلاحه هو التسطيح وتعميم البلاهة. وقد نجح هذا النظام في إبعاد الناس عن الشؤون الكبرى والعامة، وإغراقهم في الهموم الفردية والاهتمامات السخيفة، ولذا يدعو دونو إلى تغيير جذريٍّ يواجه هذا النظام الذي يقتل السياسة والثقافة والروح.. ويجعل من الناس مجرّد قطيع يتشابه في كل شيء ويسهل قيادته إلى المذبح.

آلان دونو

 الانمساخ بين السابق واللاحق

إن القيامة لا تقوم قبل أن يظهر المسيح الدجّال، كما أخبرنا بذلك النبي عليه الصلاة والسلام في عدد كبير من الأحاديث الصحيحة. والدجال يمثّل المسخ مجسّدًا، ولذلك تذكره بعض الروايات باسم: المسيخ الدجال بالخاء، فهو نفسه مشوّه الخلقة ذو عين واحدة، وكأن في ذلك إشارة إلى أن أصل المسخ المعنوي في البشرية أنها ترى بعين واحدة وتسير على قدم واحدة… فالحضارة الحديثة العرجاء والعمياء تقوم على المادة فقط وتلغي الروح، وتقوم على العقل دون الشعور، وحدّها الدنيا ولا تعرف الآخرة.. وهكذا.

إن المسيحَ الدجال أيضا تجسيد واضح لانقلاب المعاني وتبدّل الموازين، ومن ثمّ فإنه الصورة المضادة للمسيح عليه السلام، لذلك تُعرّفه المسيحية –والتي تؤمن بدورها بقدوم الدجال- بأنه “نقيض المسيح Antichrist.” ونؤمن كما في الأحاديث الصحيحة أيضًا أن عيسى المسيح عليه السلام هو الذي سيقتل الدجال.

الدَّجَل يسبق ظهور الدجال، والمسخ يسبق ظهور المسيخ.. ولابد من وجود الدجاجلة الصغار الذين يمهّدون للدجال الأكبر. والمتأمل في عالم اليوم يلاحظ انتشارا مهولا للدّجَل على مختلف الأصعدة، وكثرة في الدجالين من كل نوع وصنف. وهنا لابد من ملاحظة أن للإعلام بمختلف وسائله النصيب الأكبر في نشر الدجل على مستوى العالم وبين جميع الطبقات والجماعات. وفي عصرنا وصل التلاعب الإعلامي إلى أقصاه بحجب بعض المعلومات أو تقديم معلومات مغلوطة أو الإيحاء أو تحويل انتباه المتلقي إلى جهة معينة أو استعمال أدوات الدعاية والتزييف والتأثير النفسي.. وانتقل الناس من العكوف خاشعين أمام التلفزة إلى العكوف بخشوع أكبر أمام الهواتف النقالة، في تفاصيل كثيرة تشكل اليوم موضوعا مستقلا للبحوث والدراسات.

أخيرًا نقول

 كما أن بعض البشرية يرتفع ويسمو حتى يتجاوز الملائكة في طهرها وصدقها.. فكذلك يحدث لبعضها الآخر أن تنحطّ وتتراجع إلى ما دون المرتبة الحيوانية: ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]، بل إلى ما هو أقلّ من الجماد: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74].

إن المسخ هو خروج عن الطريق المستقيم وتوهان في سبل شتى كلها تؤدي إلى الضياع. والقرآن حين ذكر مسخ بعض الناس قديمًا على قردة وخنازير إنّما يوجه الأنظار إلى عواقب التنكّب عن دين الله تعالى في مقدور المُكلّـفين حيث هم أحرار، لكن لابد أن يكون له ثمن بفقدان شيء يقلّ أو يكثر من إنسانية الإنسان. لذلك كان المسخ المعنوي في البشرية سنّة إلهيّة ماضية إلى يوم القيامة، ولا تختص بزمن دون زمن، أو أمة دون أمّة، وتبقى حقيقة المسخ هي العبودية لغير الله تعالى، بما في ذلك عبادة الإنسان لنفسه وهواها.