الدين والتدين

تركي المصطفى

 

يذهب علماء الأديان إلى أنه ثمة مستويان اثنان يتصلان بدراسة الدين؛ المستوى الأول يتجه إلى دراسة دين بعينه، من خلال نصوصه الرئيسة، وآثاره الاجتماعية والثقافية والسياسية، أو من خلال سياقه الحضاري، كأن ندرس اليهودية، أو المسيحية، أو الكونفوشيوسية مثلاً.

أما المستوى الثاني فيتجه إلى دراسة الدين من حيث كونه ظاهرة عامة حاضرة في التاريخ الإنساني كله، بعيداً عن تناول دين بعينه؛ فإذا تحدثنا عن الظاهرة الدينية من حيث هي أنماط يمكن تتبعها وتصنيفها من خلال نصوصها فنحن نتحدث عن الدين، وإن تحدثنا عنها من حيث هي تجارب تظهر في سلوك المتدينين وأحوالهم النفسية والعقلية، فنحن نتحدث عن التدين. فإذا تبين ذلك فما هو الدين بهذا المستوى الثاني، أي من حيث كونه ظاهرة؟

اقتُرحت تعاريف كثيرة لبيان معنى الدين، يؤخذ عليها في غالبها أنها متأثرة بموقفها السابق أو تفسيرها للظاهرة الدينية ذاتها، ولكن الذي تتفق عليه هذه التعاريف غالبا أنه لا بد في الدين ليكون ديناً من وجود ذات مفارقة متعالية يتوجه إليها المتدين. وقد يمكن تعريف الدين بأنه “الاعتقاد بوجود ذات أو ذوات غيبية علوية، لها شعور واختيار، ولها تصرف وتدبير للشؤون التي تعني الإنسان، اعتقاد من شأنه أن يبعث على مناجاة تلك الذات السامية في رغبة ورهبة، وفي خضوغ، وتمجيد”. أو بأنه “إقرار الإنسان الواعي بأن حياته ومصيره متعلقان بكائن متعالٍ عنه وعن العالم، والتعبير عن هذا الإقرار الواعي في نطاق حياة الفرد والمجتمع”.

معابد بوذية في ميانمار

إذن أساس الدين هو الإيمان بوجود كائن متعالٍ، سواء اعتُبر هذا الكائن شخصاً أم مجرد قوة لا شخصية، والإيمان بأن هناك ارتباطاً بين هذا الكائن والعالم والبشر. فالدين هو الاعتراف بهذه العلاقة، لا اعترافاً عقلياً على مستوى الفكر وحسب، بل اعترافاً يشمل الوجود كله.

والإيمان ليس مجرد موقف داخلي فحسب، فالإنسان كائن اجتماعي، وهو أيضا كائن قائم في وحدة الروح والجسد، ولذلك فلا يمكن أن يبقى الموقف الباطن والاعتراف بأمر ما دون تعبير خارجي محسوس، وإلا تعرض الموقف الباطني للتلاشي دون تمكننا من اختباره.

إذا تبين هذا، فيمكننا من خلال التعريفين السابقين للدين أن نحدد أربعة عناصر للدين، وهي الاعتقادات، الشعائر والعبادات، الفرائض والالتزامات التي يفرضها الدين أو يقتضيها، وتنظيم حياة الجماعة.

وإلى قريب من هذا ذهب الفيسلوف المسلم أبو الحسن العامري، إذ رأى أن الدين إنما هو اعتقادات وعبادات ومعاملات ومحرمات، وكذلك “ملك وخطط”، ويعني به الأثر الثقافي والاجتماعي والسياسي، أي الدور الحضاري للدين. فليس الدين مقولات فقط وإنما هو حضارة كذلك، وهذه رؤية تستند فيما يبدو إلى آيات قرآنية كثيرة، تحض على العمل وتربط بينه وبين القول.

نظريات البحث في الدين
اهتم الاتجاه العلمي السائد لدى الغرب في عصر النهضة الحديث بالبحث في أصل الأشياء، فبعد أن كان ذلك محصوراً في الجوانب التجريبية اتسع ليشتمل على العلوم الإنسانية، حيث انتقل من السؤال عن أصل الإنسان البيولوجي وتطوره إلى السؤال عن أصل دينه وتطور معتقداته، وقد زاد من العناية بهذا السؤال الأخير نشأة علم الاجتماع وتَشكُّل مناهجه وتحديد قضاياه وموضوعاته.

في هذا السياق ظهرت نظريات عديدة تبحث في أخص قضايا الاجتماع الإنساني -وقد تكون أعقدها- التي هي الدين، وتحاول تفسيرها وبيان دورها وعلاقاتها داخل المجموعة الإنسانية. وفيما يأتي عرض لأهم هذه المحاولات أو النظريات التي تحاول تفسير الظاهرة الدينية:

أوغست كونت

1- النظرية الوضعية لصاحبها أوغست كونت: ترى أن الدين ناتج الذكاء الإنساني في طفولته، الذي يتخذه وسيلة ليفسر بها مظاهر الطبيعة الحيوية التي يراها من حوله، غير أن هذا الذكاء ينضج فينتقل من المرحلة اللاهوتية إلى المرحلة الميتافيزيقية (الغيبية) الفلسفية، وصولاً إلى المرحلة الوضعية، وهنا يفقد الدين مسوغات وجوده وتسود النظرية الوضعية (العلمانية) للعالم، وأي عودة للدين هي ارتكاس بهذا الذكاء إلى طفولته.

وتقرر النظرية أن هذا الذكاء الإنساني في مرحلته الأولى يستعين بالتجريد والخيال ليفسر بهما العالم وما فيه، لكن ذلك يزول على نحو تدريجي في طريق المسير نحو الوضعية المطلقة التي لن تقبل بغير الواقع في تفسير العالم، وستنحي أي فرض ميتافزيقي أو ديني في هذا السبيل، لذلك فإنها لن تبحث في علة وجود العالم ولا الغاية منه، لأنهما سؤالان من بقايا المرحلتين السابقتين، ولا يمكن إخضاعهما لأدوات المنهج الوضعي.

ويلاحظ أن النظرية توجه الأمور عكس اتجاهها الطبيعي، فالطفل مثلاً يتصل اتصالاً وثيقاً بالأشياء المادية التي حوله، ولا يمكن له أن يدرك أو يتصور إلا ما تقع عليه حواسه، وعالمه محدود بحدود مطعمه ومشربه ونحوهما، فإذا تقدم في النمو اتسعت دائرة احتياجاته واتسع معها عالمه وتطلعاته، فإذا وصل إلى غاية نضجه، انبعثت لديه الأسئلة التي تتصل بمصدر العالم ومصيره والغاية من وجوده، وهي أسئلة تتصل بأرقى ملكات الإنسان، وهي الخيال والقدرة على التجريد، وهي أسئلة الروح الكبرى، ولذا فإن الترتيب الذي اقترحه كونت معكوس، والأدق أن يكون على هذا النحو: المرحلة الحسية ثم مرحلة العقل القانع ثم مرحلة العقل المتسامي، وذلك قياساً على أطوار نمو ذكاء الطفل. ومن الانتقادات المهمة لهذه النظرية أنها لا تدرس نشأة الدين بل تبحث في موقعه من نمو الذكاء الإنساني الذي تفترضه.

ماكس مولر

2- النظرية الطبيعية لصاحبها ماكس مولر: يرى مولر أن الإنسان الأول عندما نظر في الطبيعة المترامية المتسعة حوله هالته وأدهشته وراعته، فانفعل بذلك انفعالاً رأى معه استحقاقها للعبادة، وهو تفسير نفسي في حقيقته، غير أن مولر يستند كذلك إلى علم اللغة المقارن الذي أفاد منه نتيجة معرفته بالسنسكريتية (اللغة الهندية) على وجه الخصوص، حيث لاحظ أن أسماء الآلهة في اللغات الهندية الأوروبية تتشابه، وهذا يعني أنها كانت لغة واحدة تشعبت بعد ذلك نتيجة تشعب الشعوب ذاتها، ويعني كذلك أن هذا التقديس هو الصورة الأولى للدين قبل نشوء الحضارات المتشعبة. ويرى مولر أن ظواهر الطبيعة استحقت العبادة بعد أن خلع عليها الإنسان البدائي الروح أو الحياة، نتيجة الخديعة التي أوقعته اللغة بها، فنحن نقول “النهر يجري”، و”الشمس تطلع”، وهي تعابير مجازية في أصلها خاصة بالأحياء، غير أن هذه المجازية اكتست صورة الحقيقة مع مرور الزمن، فأضحت الطبيعة نفسها كائنات حية تتفاعل مع الإنسان وتطلعاته وآماله، يسألها فتجيب، ويدعوها فتعطي.

وقد وجهت اعتراضات إلى هذه النظرية، منها ما يأتي:

  • تكرار وقوع الأحداث الطبيعية يجعلها اعتيادية بدلا من افتراض أنها تدفع الإنسان إلى التأمل فيها وتعليلها، وقد يكون هذا التأمل خاصا بالفلاسفة والحكماء دون العوام الذين يمثلون السواد الأعظم من المتدينين.
  • إذا فرضنا صحة القول بأن الروعة أو الدهشة هما علة عبادة الإنسان الأول للقوى العليا في الطبيعة، فكيف نفهم عبادته لقوى تافهة كالأحجار والحشرات ونحوهما؟ ثم كيف نفسر الفصل التام لدى هذا الإنسان بين الأمور المقدسة والأمور العادية طالما أن دواعي الرهبة والدهشة مبثوثة في أرجاء الطبيعة؟ وكيف نفهم استمرار الأديان ورسوخها عبر التاريخ وصولاً إلى اليوم على الرغم من أن معرفة الإنسان بالطبيعة قد تعمقت، ويوماً بعد يوم يملك قدراً من القدرة على توجيهها والتحكم بها؟

كارل ماركس

3- النظرية الماركسية (صاحبها كارل ماركس): ترى النظرية أن الدين مجرد تخيل نفسي عقلي للقوى الحاكمة في الخارج، وأن هذه القوى استندت في قوتها إلى وسائل الإنتاج. فالاجتماع الإنساني يشكله قطباه الأساسيان؛ الطبقة العاملة والطبقة الحاكمة، وليس التاريخ الإنساني إلا تاريخ الصراع بينهما، وليس إلا تاريخ الظلم الذي توقعه الطبقة الثانية على الأولى، لأنها تتحكم بوسائل الإنتاج والاقتصاد، فكلام ماركس عن الدين هو كلام عن تاريخ هذا الصراع، والدين كما يشاهده؛ في اليهودية والمسيحية، ليس شيئا سيئا في ذاته وإنما يساعد في وقوع الاستغلال والظلم، من خلال التهويم على الحقائق الاقتصادية والسياسية بالدفء والراحة اللذين يعد بهما المستغَلين، ولولاه لانتبه المستضعفون للظلم، فالدين ليس إلا خديعة يراد بها ديمومة هذا الاستغلال، لأن سلطانه مستمد من خارج هذا العالم، وعندما يُتخذ الدين لهذه الغاية السياسية فإنه يسمى حينئذ “إيديولوجيا”.

بعيداً عن رومانسية هذا الكلام فإنه انتُقد بأنه لا يمكن الكلام على الظاهرة الدينية أو الأفكار التاريخية المعقدة بمثل هذه البساطة، وأن ماركس ينطلق في كلامه على تفسير الدين من أمثلة ثقافية محددة حاضرة في رأسه، في فترة تاريخية محددة، وفي جغرافيا محددة، وهي اليهودية والمسيحية في أوروبا، ولا يمكن تطبيق ما يقوله بالمثل على أديان أو ثقافات دينية أخرى في أنحاء أخرى من العالم. وإن حصل التسليم بما قد يقع من توظيف الدين توظيفاً سياسياً، فإنه لا يمكن أن يقوم ذلك دليلاً أو بياناً لظروف نشأته، التي تملك في ذات الإنسان وما يحسه مقومات وجودها.

ومن الطريف أن ماكس فيبر، في بحثه بشأن الدور الاقتصادي للدين، يناقض ماركس ويرى أن الدين قد ينتج نظاماً اقتصادياً، ففي كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية”، يرى أن سيادة المسيحية البروتستانتية الإصلاحية وبخاصة الكالفينية، التي شجعت على الزهد مع الدأب بالعمل وطلب الخلاص الأخروي بالإنجازات المادية، كان من أهم أسباب ظهور النظام الرأسمالي الحديث والتقدم الصناعي، ولا شك إذن أن هذا يقلب مذهب ماركس رأساً على عقب.

إميل دوركايم

4- النظرية الاجتماعية (صاحبها إميل دوركايم): يرى دوركايم أن النموذج الأوفى في دراسة نشأة الدين هو ملاحظة المجتمعات البدائية التي تقوم على نظام القبائل، فهي تكتسب تماسكها من اجتماعها حول لقب واحد يؤخذ من اسم حيوان أو نبات أو جماد إلى غير ذلك، فيتسمون به وقد يتخذونه وشماً يتميزون به عن غيرهم، ويسمى هذا السلوك نظام الطوطم (أو التوتم)، وهو محط تقديس وتعظيم، وكما أنهم يعظمون الاسم فهم كذلك يعظمون المسمى، وهم مع تقديسهم هذه التواتم لا يصلون إلى درجة تأليهها، بل يتنبهون إلى ما ترمز إليه وهو مصدرها، الذي هو المجتمع نفسه، فتنمحي الشخصية الفردية لصالح الشخصية الجمعية، وبهذا يكون المجتمع منشأ الدين وغايته في الوقت ذاته، وليست الجماعة بذلك إلا عابدة لذاتها لا أكثر.

انتُقدت هذه النظرية بانتقادات كثيرة، منها أنه إذا كان للاجتماع البشري هذه القوة المسيطرة على الفرد، من خلال عاداته وأخلاقه، وإلى درجة لا يملك الفرد أمامها حرية الرفض، فكيف نفهم ظهور المصلحين والعباقرة والأنبياء الذين يؤذن ظهورهم هذا بأفول مرحلة من حياة هذا المجتمع وبدء أخرى؟ إذن فما هي القوة التي يملكها هؤلاء حتى غيروا وجه المجتمع والتاريخ؟ وأين تلك القداسة التي يراها المجتمع لذاته وعاداته وأخلاقه؟

إدوارد تايلور

5- النظرية الحيوية (لصاحبها إدوارد تايلور): تقرر النظرية أن الإنسان “البدائي” اعتقد من جراء تجربة الأحلام أن أرواح الموتى باقية، إذ ينتقل طيف الميت انتقالاً حقيقياً و يأتيه في حلمه يكلمه. وبما أن ذلك يحدث له مع أرواح الأحياء التي تأتيه في المنام كذلك، فقد اعتقد إذن بقاء أرواح الأموات بعد فناء أصحابها، وآمن بقدرتها على الاتصال بالأحياء وإحداث المنفعة أو المضرة؛ ولذا فإنه لا بد إذن من استجلاب المنفعة واستدفاع المضرة. ثم تجاوز الإنسان عبادة أرواح الموتى إلى عبادة أرواح الكواكب والعاصر الطبيعية، فكيف حصل ذلك؟

هناك تفسيران: الأول يرى أن هذا الاعتقاد سببه التباس عقلي، وذلك أن “البدائي” كالطفل لا يفرق بين الأحياء والجمادات، إذ يُلحق الجمادات بالأحياء ويضفي عليها الحياة. والثاني يرى أن هذا الاعتقاد منشؤه لغوي، فقد كان “البدائيون” يطلقون على أنفسهم أسماء العناصر الطبيعية؛ كأن يتسمى أحدهم “نجماً” أو “قمراً”، فإذا مات انتقل التقديس بمرور الزمن إلى ما تسمى به.

انتُقدت هذه النظرية بأن “البدائي” لم يكن مشغولا بالبحث عن تفسير أحلامه، فإذا افترضنا فعلا أنه كان شخصا محدود العقل فإن محاولة تفسير الأحلام مرحلة متقدمة من التفكير، ثم إن الاعتقاد ببقاء الأرواح لا يلزم منه اعتقاد ألوهية مصدرها، ولا سيما أن من الأحلام ما هو أضغاث (خيالات) وما هو بقايا ذكريات ماضية مما لا يمكن أن يؤسس أو يثير عقيدة التأليه.

سيغموند فرويد

6- نظرية سيغموند فرويد: يرى أن الدين ظاهرة نفسية أنتجها اللاوعي في فجر الإنسانية البعيد، حيث تخيل قصة أسطورية مفادها أن الأبناء قتلوا أباهم المستبد، الذي أعطى لنفسه حقوقاً استثنائية على المرأة، وسعى في سبيل الحفاظ على موقعه إلى إبعاد من يهدده من الأبناء، وافترض فرويد أن ذلك وقع قبل التاريخ، في مرحلة كانت فيها القبيلة البدائية هي الوحدة الاجتماعية، وقد كانت مؤلفة من الأب والأم والذرية.

افترض أيضا أن قتل الأبناء لأبيهم أنشأ لديهم حالة عارمة من الندم، ولما وجدوا أنهم لا يمكنهم الوصول جميعاً إلى موقعه ظهرت الحاجة إلى الكبت، فنشأت المحرَّمات ثم تطورت إلى حالة دينية. وينطلق فرويد في ذلك كله من تحليله للفرد، ومن الفكرة المركزية المتصلة بعقدة “أوديب” لدى الفرد، ومن افتراضه أن المجتمعات كالأفراد في هذا.

ومن الواضح أن نظريته هذه في بيان نشأة التأليه نظرية فلسفية تأملية تفتقد إلى السند العلمي، وتعد أقل مظاهر فكره ثباتاً. إذ لا تزيد على كونها تعميماً لتجربة نفسية شخصية على البشر، تحت ما يسمى “عقدة أوديب”، وهو يفترض وجود روح جماعية تتكامل فيها السياقات ذاتها التي تحكم النفسية الفردية، ثم إنها تفترض تحول مخزون عاطفي نفسي لجيل يرجع إلى ما قبل التاريخ، كان عرضة لاستبداد الأب إلى أجيال لاحقة متحررة من هذا الاستبداد، ومتحررة من أي كبت جنسي يحول دون الزواج؛ فكيف وتحت أي ظرف كان هذا التحول؟ كما أن هذا الشكل الذي افترضه فرويد للقبيلة البدائية مرفوض كلياً من علماء الأنثروبولوجيا، هذا إلى جانب أن المؤمنين بهذه النظرية لا يقدمون أدلة تاريخية على حدوث جريمة القتل تلك.

جيمس فريزر

7- نظرية جيمس فريزر: يرى فريزر أن الدين مظهر لرغبة “البدائي” في السيطرة على الطبيعة، التي رأى فيها ظاهرة الانتظام، فأراد أن يتبادل معها التأثير، فاتخذ السحر طريقاً إلى ذلك، وهو يفترض أن السحر هو أصل الدين ثم أصل العلم كذلك، فالمراحل ثلاثة؛ السحر ثم الدين ثم العلم. وليس السحر لدى فريز إلا “العلم الزائف” الذي تنتجه عقلية “البدائي” وفق قانونين اثنين؛ الأول قانون “التشابه” وهو أن الشبيه يدعو الشبيه، ويرى الساحر أن بإمكانه إيجاد ما يرغب به بمجرد المحاكاة، فبإمكانه مثلاً من خلال محاكاة حركات الحيوان الذي تتخذه القبيلة توتماً (طوطم) أن يضمن تكاثر فصيلته. والثاني قانون “الاقتران أو العدوى”، وهو أن قدرته على إلحاق أي أثر في شيء ما تتضمن سريان هذا الأثر إلى الشخص الذي كان على اتصال بهذا الشيء، فإذا سقطت إحدى أسنان رجل فابتلعها كلب اكتسبت بقية أسنانه صلابة أسنان الكلب.

تفتقد النظرية -كما يرى علماء الإناسة- الأدلة التي تشهد لها، فهي لا تعدو كونها فرضاً من الفروض، وهم لا يرون المراحل الثلاثة مراحل متمايزة ومتراتبة، وإنما يعدونها ثلاثة أنماط للنشاط العقلي لدى “البدائي”، أو وجهات نظر ثلاث إزاء الكون والطبيعة وأحداثهما، ومن ثم فإنها مراحل توجد جنباً إلى جنب في المجتمع الواحد في وقت واحد، وقد تتبادل التأثير فيما بينها،  وتؤثر بمجموعها في سلوك الإنسان، وقد يشهد لذلك ما يشاهد من حال الأديان اليوم.

8- نظرية جون لانغ: وهو يرى أن فكرة “العلية” بمعناها البسيط لدى “البدائي” قادرة على إنتاج فكرة دينية، فلديه فكرة عن صنع الأشياء، وهو يعلم أن ما يحيط به لا بد له من صانع، فيتصور هذا الصانع رجلاً عظيماً غير طبيعي يتجاوز الإنسان بقدرته، وهو يحنو على أطفاله الذين هم الناس ذاتهم، ويؤكد لانغ أنه يُلاحظ لدى كل الأقوام “المتوحشة” اعتقاد بوجود أب وسيد وخالق، بجانب عقائدهم وأساطيرهم الأخرى، غير أن هذا الاعتقاد الذي يكون في بدايته نقياً لا يلبث أن يختلط بالتصور الأسطوري لدى القوم، فتضيع معالمه، ويتخذ لانغ من المسيحية صورة لهذا الدين الذي يبدأ نقياً ثم يتغير باختلاطه بالتفكير الأسطوري، ويصف لانغ التفكير الأول بأنه عقلي سامٍ فهو نتاج التأمل والنظر ويدفع إلى الاستسلام العقلي، والثاني بأنه غير عقلي منحط فهو نتاج المخيلة ويدفع إلى النزوات المضطربة، وصورة ذلك في المسيحية أن الأول تمثله الصلوات والمزامير والكاتدرائيات والأناشيد والصلات الروحية بين الإنسان وخالقه، أما الثاني فتمثله خوارق المسيح والقديسين وغير ذلك من المعجزات الغريبة، وهما نمطان متجاوران في المسيحية وفي غيرها، بل هما موجودان دائما في حالة تنازع مطلق في التاريخ الديني البشري.

ويتفق مع هذا الرأي العالم الألماني ويلهلم شميت، من خلال المنهج التاريخي في علم الأجناس، فهو يقول بوجود إله أسمى كان يعتقد به الإنسان البدائي، كما يثبت أن فكرة الإله الواحد هي الأقدم لدى الإنسان، فالديانة الأولى للإنسان كانت التوحيد وليست التعدد. وقد وصل إلى أن الاعتقاد بإله أسمى يسد حاجة الإنسان للاعتقاد بوجود علة عقلية. وهذه النظرية هي الأقرب إلى تفسير الأديان نفسها لنشأتها، ولا سيما الأديان السماوية.

انتقد البعض لانغ بقولهم إن مبدأ العلية أو السببية أعقد من أن يفكر به عقل البدائي، هذا لو صح أصلا أن الإنسان كان بعقل بدائي فعلا، وقد رد لانغ بأن “العلية” فيها من البساطة البالغة ما يجعلها لا تغيب عن ذهن البدائي.

رسم تخيلي لقرية “بدائية” من العصر النحاسي فيما قبل التاريخ

 

ملاحظات عن نظريات نشأة الدين:
1- جميع النظريات السابقة مفترضة أو مقترحة لتفسير نشأة الدين، وهي متعارضة بل متناقضة، ولذلك فإنه لا يمكن الركون إلى واحدة منها والاطمئنان إلى أنها كفيلة بإرساء صيغة معقولة تفسر نشأة الدين، ولعل هذا التناقض هو الذي دفع العالم السويدي ناثان سود بريلوم إلى اقتراح إنشاء نظرية تركيبية تجمع هذه النظريات معا، وهذا يؤكد تعارضها ولا ينفيه.

2- من الملاحظات المنهجية التي توجه إلى هذه النظريات أن بعضها يعتمد في بنائه على المعلومات التي كان يدونها الرحالة والسائحون حول ما يشاهدونه، وهؤلاء ليسوا على درجة من المعرفة في علوم النفس والمنطق والدين والأخلاق، كما أنهم غالباً ليسوا مزودين بمنهج معين يتبعونه في رصدهم لهذه الملاحظات. وبعض هذه النظريات يعتمد على ما يسجله الباحث المتخصص من أفواه أقوام محرومين من العلوم أو الفنون المدونة، فليس لهم تراث مكتوب، ولم يحصلوا على المعرفة التي تتيح لهم تحليل مشاعرهم أو إحساساتهم الباطنة إزاء الأسئلة التي توجه إليهم، فقد يسارعون بالإجابة دون وعي بحقيقة ما هم عليه. كما أن اللغات البدائية التي يعبر بها البدائي عن المعاني العميقة لم تصل من النضج أو العمق إلى الحد الذي قد يعينه على تأدية المعاني الدقيقة المتصلة بتصوره عن نفسه وعما يحيط به وعن علاقته معه. ولعل مما يدل على وجاهة هذه الملاحظات المنهجية تناقض المعلومات التي جمعها الباحثون عن المجتمعات البدائية.

3- مصطلح “البدائي” نفسه هو محل اعتراض عدد من كبار الباحثين في علم الإناسة، فافتراض تخلف الإنسان البدائي هو فرض غير مثبت علميا، ولعل أبرز من يمثل هؤلاء البولندي برونيسلاف مالينوفسكي في كتابه “السحر والعلم والدين عند الشعوب البدائية”، الذي يؤكد أن جميع المجتمعات كان لديها سحر أو دين مهما كانت بدائية، بينما لا توجد مجتمعات بدائية دون علم أو نزعة علمية.

4- النظريات المقترحة لتفسير نشأة “الظاهرة الدينية” نظريات اختزالية بالمجمل، فهي تحاول أن تستخلص من الظواهر الدينية محددات عامة تفسر بها الدين على نحو عام، دون أن تلتفت إلى خصوصية دين بعينه؛ سواء في ذاته أو في ظروفه التاريخية والاجتماعية.

5- يغلب على هذه النظريات -وعلى البحث في الدين لدى الغربيين عموماً- الطابع الوضعي، فهي تُنحي جانباً ما تراه الأديان ذاتها في ظروف نشأتها، وما يراه كبار رجال الدين كذلك.

فالمؤمن بالوحي يعلم أن الدين ليس إلا تجلياً لفضل الله على خلقه بالهداية، وأن الإنسان لم يسر إليه وإنما هو من سار إليه، ولم يصعد إليه وإنما هو من نزل إليه. وقد تؤدي تأملاته وظروفه إلى اشتياقه للسماء، ولكن لا يمكنه أن يصطنع ديناً، فالوحي هو الذي عرّفه بالكون وخالقه وبصّره بمسؤوليته وغاية وجوده وإلى أين سيصير في نهاية مطافه.

إن هذه المعرفة التي أنزلت إلى الإنسان هي تراثه الخالد، الذي قد ينساه فيتوارد الإنبياء والرسل على إحيائه وتجديد العهد والذكرى به. وهي الحقيقة التي تشتمل عليها كتب الأديان المقدسة الكبرى.

ومع اختلاف هذه النظريات في تفسير الظاهرة، إلا أنها مجمعة كل الإجماع على وجودها منذ فجر الإنسانية البعيد وإلى ما قبل قدرتنا على التأريخ والسبر.

يقول الدكتور علي سامي النشار في كتابه “نشأة الدين: النظريات التطورية والمؤلهة”: “هذه الفكرة الرائعة الغلابة التي تكمن في الجوانح، وتشيع في الكائن الحيوي الإنساني. إنا نعلمها في أنفسنا جميعاً، ونستشفها من خلال الظواهر والجواهر، إنها جوهر الجواهر، الجوهر الخالد الذي عبر عنه العربي في بساطة وعمق، حين تأمل الكون في صحرائه الممتدة، فنطق: الصنعة تدل على الصانع. وكأن القوة الإلهية نفسها هي التي تنطق”.

 

أهم المراجع
مالوري ناي، الدين: الأسس، ترجمة هند عبد الستار، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2009.

جيمس فريزر، الغصن الذهبي: دراسة في السحر والدين، ترجمة: أحمد أبو زيد، الهيئة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، 1971.

ميشال مسلان، علم الأديان: مساهمة في التأسيس، ترجمة عز الدين عناية، المركز الثّقافي العربي، الدار البيضاء، 2009.

علي سامي النشار، نشأة الدين: النظريات التطورية والمؤلهة، دار السلام للطباعة والنشر، 2009.

عادل تيودور خوري، مدخل إلى الأديان الخمسة الكبرى، المكتبة البولسية، بيروت، 2005.

محمد أحمد بيومي، علم الاجتماع الديني، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1981.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد