الدين بين الضرورة والوراثة (2)

عندما ندرك الحدّ الذي وصلت إليه البشرية في الظمأ إلى هذا الدين ونُقارنه بتأثيراتنا السلبية التي تحول دون انتشار الإسلام في أرجاء المعمورة بالسرعة التي كان عليها الانتشار في عصور الازدهار حينها نلمس أهمية التفريق بين الإيمان الضروري والتقليدي.

لاشكّ أنّ هناك الكثير من الوقائع السلبية والأفكار التي لا تلائم الإسلام في تاريخنا، لكننا عندما نتأمّل هذه الأسباب نجد أن جُلّها منغرس في عمق التوارث الجامد فتنتقل هذه السلبيات والأفكار المنحرفة بانتقال التدين ذاته من الآباء إلى الأبناء دون وعي أو بحث عن حقيقة الدين وروحه.

إن كثيرًا من الناس مسلمون بالهوية، أو هم كذلك لأنهم ولدوا لأبوين مسلمين، وهؤلاء وأولئك لا يدركون -في الحقيقة- معنى انتمائهم للإسلام، ولا يعرفون مستلزمات هذا الانتماء، ولذا فإنهم في وادٍ والإسلام في وادٍ غيره[1].

سلبيات توارث الدين
الوارث لدينه لا يصمد ذاتيًّا أمام التيارات المتصارعة في العالم، بما أن الأساس الذي بنى عليه حياته هشٌّ فلا يمكن له من ثمّ مواصلة الطريق والوصول إلى برّ الأمان بسلامة واطمئنان، وهكذا تمرّ فترات عصيبة جدا في حياة الوارثين لدينهم فمنهم من يُكابد المخاطر ويُجرّب الكثير من الطرق إلى أن يعود إلى دينه من جديد بعزيمة أشدّ وباقتناع أرسخ أنّه هو الحق المبين ويتحوّل إلى خادم وحامٍ له بكل ما أوتي من عزم وقوة، والأمثلة على ذلك كثيرة يمكن أن نكتشفها فيمن حولنا وحتى عندما نقرأ السير الفكرية لعلمائنا، إلا أن أسوأ ما في الأمر: هو أنّ بعض الوارثين أيضًا لا يصمدون أمام سهام الشبهات وزعزعة الأفكار فيرتدون عن الدين إلى غير رجعة، وهنا تكمن خطورة الموضوع.

إن الإسلام ليس علامةً تجاريّة مباحة يمنح اسمه مجاناً لكل الناس، فكما أنّ أيّ حزب لا يقبل الأفراد في عداده دون أن يعملوا بمبادئه ويروجوا لأفكاره، فكذلك الإسلام لا يصح إطلاقه على شخص لا تظهر أعماله مطابقة لتعاليمه[2]، “فكم من حضارة في العالم ماتت لأنّها تحولت إلى مراسم ورياء، وكم من ديانة انتهى أمدها وقضى الله بانقضاء أجلها لأنها تجاوزت القلوب وأضحت بين أصحابها تزويرا وانتفاعا رخيصا وأثرة ومروقا عن أمر الله”[3]، وهذا ما يوجب علينا أن نحيي الدين في قلوبنا في كل وقت وحين.

من مظاهر الوراثة السلبية للدين أيضاً: عدم تكليف النفس عناء البحث عن المعلومات بدقة من قبل المسلم، وبالتالي فإن فريضة إيصال رسالة الإسلام إلى غير المسلمين تكون مشوهة وذا تأثيرٍ باهتٍ أحيانًا ومضلّلاً لهم في كثير من الأحيان، لذلك فـإنه “لاشك أن توثيق المصادر قد يستغرق جهدا إضافيا لدى المسلم ولكنه أساسي إذا كان المرء يريد أن يُقدّم صورة دقيقة محكمة عن الإسلام، كما أنّ ذلك من شأنه أن يساعد المستمعين في أن يبقوا فوق الشبهات وفوق مستوى المواضيع الثانوية التي قد تكون مثيرة للجدل من جهة، ومن جهة أخرى يتيح لهم اكتساب فهم أفضل وأشمل لرسالة الإسلام”[4] فهذه التصرفات وغيرها ليست مضرة فقط على المسلم نفسه بعدم الاستفادة من روح الإسلام الحقيقي بل تتعدّى ذلك إلى كونها عالة ومعوّقا كبيرا في مسار دعوة غير المسلمين إلى الإسلام.

لنختر الإسلام عن علم وباقتناع
“إنّ العقيدة الدينية فطرة في النفس الإنسانية، وهي الملاذ الوحيد الذي يعتصم به في الملمات، هذه العقيدة جديرة بأن تأخذ حظًّا وافيًا من البحث والدراسة وأن تكون مبنية على الاقتناع في هدي من العقل الباحث المتحرر”[5]

فلا يمكن أن نتصوّر لأيّ دين أن يُمثّله أتباعه أحسنَ تمثيل إذا لم يفقهوه، بل يمكن في كثير من الأحيان أن يكونوا عالة عليه ومصدر صدّ للناس عنه بسبب تصرفاتهم المناقضة له، ولهذا فإنه ليكون المرء مسلما بحق فإن أوّلا وقبل كل شيء: أن يتشبّع عقله بمعاني الإسلام السامية ومقاصده العليا وأهدافه النبيلة، وأن يتحرّى الصدق ويتبعه ليكون دليلا عليه، وأن يكون أبعد ما يكون عن براثن الشك والظن في العقيدة.

إن العمل يأتي بعد اليقين الذي يعكس صورة الإيمان في القلب والذي يُعتبر رسالة أبلغ من الكلمات فـ”الإسلام معرفة بالحقيقة الواحدة وقيام بحقوقها، وإنّما ترجح كفة المسلم بالإيمان والعمل جميعا، ولا بدّ –لكي تُشفى الأمة الإسلامية من هذا الطيش- أن يتعلّم كل مسلم دينه على الوجه الصحيح، فيعلم أنّ الإيمان لا ينفك عن العمل وأنّ الظفر بخير الله في الدنيا والآخرة لا يأتي جُزافا، بل هو وفق ذلك الناموس الخالد: “فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”[6].

إن على المسلم أن يضيء كل بقعة من الأرض حلّ بها بما يمتلكه بين جنبيه من نور الله، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة. حيث إنه لا يكفي أن يكون المسلم مسلماً وحده دونما اهتمام بمن حوله، ذلك لأن من الآثار التي يبعثها الإسلام ويسكبها في النفس البشرية –إن هي آمنت وأحسنت– الاهتمام بالآخرين ودعوتهم والنصح لهم والغيرة عليهم”[7]

الابتعاد عن توارث الدين بين الضرورة والواقع
نؤمن أنّ قيام الجيل المسلم الحالي بهذه العملية يُعتبر عملًا شاقا لكنّه ضروري وواجب على كلّ فرد أراد أن يكون تجسيدا لتعاليم الإسلام. وهذا هو المخرج الأهم من التديّن التقليدي الوراثي، فعلينا أن نُحسّ بمسؤولية كوننا مسلمين نحمل هذا الدين واسمه.

إننا إن تهاونّا بالقيام بهذا الواجب وكنّا نُسَخا طبق الأصل لآبائنا وأجدادنا نُردد كلمات ونقوم بحركات لا نفقه كُنهها فإنّ ذلك يُوشك أن يكون خطرا علينا: فمن جهة نكون أكثر عرضة للشك في معتقداتنا لأدنى تغيّر نراه وبذلك نكون في بداية الطريق نحو الخروج عن هذا الدين ومن جهة أخرى نكون بسلوكنا التقليدي وأجوبتنا الأقل جدوى ندعو غيرنا لترك الإسلام والتخلي عنه[8].

 إن الأفكار التي لا تجد مجالا لتطبيقها على صاحبها؛ لا تجد حسن القبول المطلوب لدى الناس مهما كانت جاذبة وضرورية للحياة، إذ إنّ الكلمات إن لم تنطلق من وُجدان القائل فمن المحال طلب استقرار فِكر لم يستقر بعد في وُجدان صاحبه، وفي هذا يقول سيد قطب رحمه الله: “إنّ هذا القرآن ينبغي وأن يُقرأ وأن يُتلقى من أجيال الأمّة المسلمة بوعي. وينبغي أن يُتدبّر على أنّه توجيهات حية تتنزل اليوم لتُعالج مسائل اليوم، ولتنير الطريق إلى المستقبل، لا على أنّه مُجرّد كلام جميل يُرتّل أو على أنّه سِجلّ لحقيقة مضت ولن تعود. ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدنا، كما كانت الجماعة الإسلامية الأولى تتلقاه”[9].

مراد هوفمان

مراد هوفمان

ويقول مراد هوفمان في هذا الصدد أيضاً: “أعتقد أن التجديد يأتي بأن تعيد الأجيال الجديدة قراءة القرآن باستمرار وتسعى دائما لتطبيقه على ما يستجد من أمور، وأعتقد أن كل جيل جديد يأتي بعد الجيل الذي سبقه يجب أن يعيد اعتناقه للإسلام.. وهو ما يعني إعادة فهمه للإسلام ويعيد قراءته وللشاعر الألماني المعروف “جوته” حكمة يقول فيها: إنه يجب عليك الحصول على إرثك حتى تمتلكه، يعني لا يكفي أنك ترث الإسلام بل عليك أن تمتلكه وتكتسبه بجدارة”[10].

ختامًا، فإننا نأمل أن يُحدث هذا التناول المتواضع للموضوع: اهتزازًا في ضمير الإنسان المسلم يُؤدي به إلى الشعور بمسؤولية أفعاله المناقضة لدينه والتي تعوق مسار دعوة البشرية إلى الإسلام. وأن ينتج عن هذا خطوة إلى الأمام تتجاوز الآراء النمطية والسلبيّة حول الإسلام وتتجاوز الصراعات المميتة بين المسلمين وفتح أعينهم وعقولهم لإدراك أنّ هذا الواقع لابد له أن يتغيّر، وأن لا نسخّر طاقاتنا المهدرة في تلك الخصومات، بل التفكير بجدية في أمر البشرية، تفكيرًا يعود بالنفع على المسلمين أنفسهم وعلى غيرهم بالتَّبَع، وأن يؤدي هذا إلى تفكير جدي من قبل علمائنا المحترمين وتوجيه طاقاتهم وجهودهم إلى ما ينفع المسلمين كافة والقيام بتنقية موضوعية، بكل روح مخلصة، لما شاب فهم الإسلام من أغلال، فإذا تحقق هذا بتوفيق من الله وبعزم وحزم من طرفنا، حينها سنكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح وتسلّمنا مشعل الحضارة من جديد بإذن الله وما ذلك على الله بعزيز.


الهوامش:

[1]  فتحي يكن: “ماذا يعني انتمائي للإسلام” ص2.(نسخة الكترونية)

[2]  عفيف طبارة: “روح الدين الإسلامي” ط7/ 1966. ص15.

[3]  محمد الغزالي، “الإسلام والطاقات المعطلة”، دار الزيتونة، الجزائر، 1987، ص124.

[4]  جيفري لانغ، “حتى الملائكة تسأل”، تر: منذر العبسي، دار الفكر، سوريا ط2/ 2006، ص 319.

[5]  عفيف طبارة: مرجع سابق، ص 14.

[6]  محمد الغزالي: مرجع سابق، ص125.

[7]  فتحي يكن: مرجع سابق، ص15.

[8]  للتوسع في هذه القضية أكثر، ينظر كتاب د. جيفري لانغ: “ضياع ديني، صرخة المسلمين في الغرب.”

[9]  سيد قطب: “في ظلال القرآن” ج1 ص261.

[10]  “مراد هوفمان: تجديد الإسلام سيأتي من الغرب” http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-ArtCulture%2FACALayout&cid=1179664545974