1

الدين بين الضرورة والوراثة (1)

 في عصر طغت عليه النظرة المادية للكون وإنكار الخالق الحكيم العليم من قِبل كثير من الخَلق، وفي عصر أثّر هذا المعتقد تأثيرا سلبيا كبيرا في جوانب الحياة المختلفة، تكمن أهمية نداءات العلماء من مختلف أرجاء المعمورة – على اختلاف مشاربهم وطُرقهم- على ضرورة استرجاع الدين إلى الحياة ومنحه الفرصة كي يعمل عمله بجدية وتفانٍ.

إنّ إخراج الإنسانية من مأزقها المعاصر يكمن في الانتقال بالبشرية من التصور المادي للعالم إلى التصور الديني للعالم، وهو سيقود حتما إلى بروز مجتمع تُحترم فيه الروح الإنسانية، وتلتقي فيه القوتان الأقوى في التاريخ: الدين والعلم؛ ليُرسِيا أصول التعاون والعلاقة المتبادلة بينهما[1] فالدين هو المصدر الحيوي الزاخر للحكمة الإنسانية والبوصلة الأخلاقية التي يجب أن تقود مسيرة حياتنا[2] وهذا هو دور الدين بأسمى درجاته في حياة البشرية.

فطرة الله التي فطَر الناس عليها
الاعتقاد هو الإيمان بجملة من المفاهيم والأفكار على أنّها الحق، وخاصة منها تلك التي تُفسّر الوجود والكون والحياة ويتشعّب منها كل ما يتعلّق بشؤون الإنسان الفردية والجماعية[3]،  والدليل على فطريّة الاعتقاد البشري هو دوام هذا الشعور وشموليته لجميع الأفراد، في جميع الأزمان وهذا ما يدلّ على أنّه أمر فطري غريزي.[4] 

فالإنسان مخلوق متديّن، وتديّنه نزعة فطرية لا يمكن تصوّر خلوّ إنسان منها مهما كان نوع ذلك التديّن وصورته، كما أن الاستقراء يُؤكّد أنّه وُجِدت في التاريخ مُدن ليس فيها مصانع ولا معامل ولا مدارس ولا نوادٍ؛ إلا أنه لم توجد في تاريخ الإنسان الطويل مدينة بلا معابد.

يقول كثير من المفكّرين وفلاسفة المادة: بالرغم من انشغالنا طيلة النهار بضجيج الآلات وزيادة الإنتاج وتحسينه إلاّ أنّنا عندما نأوي إلى مضاجعنا؛ تُؤرقنا مجموعة أسئلة لا نجد لها جوابا شافيا: كيف بدأ الخلق؟ كيف سينتهي؟ هل يمثّل الموت النهاية الأبدية؟ ما الذي يجعل الحياة تستحق أن نعيشها؟[5] وغيرها من الأسئلة التي تتكرر يوميًّا في أذهان الناس لأنّها تُشكّل الجوهر الحاسم والحقيقي لإنسانيتنا.[6]

يُضيف د. جيفري لانغ قائلا: “يبدو أنّ الطبيعة الإنسانية تشتمل على روحانية وأنّ هذه الروحانية لا يمكن تجاهلها فيما يبدو لنا أنّها حاجة غريزية تدفعنا كي يرى كل منّا حياته على أنّها ذات معنى.”[7]

جيفري لانغ

حاجة الإنسان إلى الاعتقاد والتعبّد
قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30) إن الدين هنا لم يعُد مجرّد تشريع وقرار من أعلى، وإنّما فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله؛ وبذلك فكما أنّه لا يمكن نزع الإنسان من إنسانيّته، فكذلك لا يمكن نزع من الإنسان دينه، فالدين ليس مقولة حضارية مكتسبة يمكن إعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها، لأنّه في حالة من هذا القبيل لا تكون فطرة الله التي فطر الناس عليها ولا تكون خلق الله الذي لا تبديل له.

إن كلمة “لا” في الآية الكريمة ليست ناهية بل نافية؛ وهذا يعني أنّ الدين لا يمكن أن ينفكّ عن خلق الله مادام الإنسان إنسانًا فالدين سنّة لا بدّ وأن يسير عليها الإنسان، وقد يكون هناك تحدّ لهذه السنة بالإلحاد أو الشرك كتحدّي قوم لوط-عليه السلام- للفطرة البشرية بالشذوذ إلا أن هذا الوضع لا يدوم أبدًا إذ لا ينفكّ عن الانهيار وأن يكون مآله العقاب الشديد[8].

أيًّا يكن رأي العلماء والباحثين في تعريف الدين ووصف جوهره فإن النقص والحالة البشرية في عبادات الديانات الوثنيّة أمر مفروغ منه، ولا يُستَدلُ بذلك على نفي أو إثبات ما يتعلّق بالدين القويم، وإنّما يصح أن تنتزع تلك الحالات لتوصف بالغرابة لانعقاد الإجماع على عدم خلوٍّ إنسان من الاعتقاد أيّا كان موضوع اعتقاده، أي أن الإنسان في حاله الأولى مستعدٌّ للعقيدة أوّلا ثم تكون العقيدة في حقه على اختلاف نصيبه من الرشد والضلال، ففي الطبع الإنساني جوع إلى الاعتقاد كجوع المعدة إلى الطعام، ونخال أنّنا لا نخرج بالمشابهة إلى الشطط إذا قلنا: إنّ إنكار الحاسة الدينية لمجرّد رداءة العقيدة الدينية الأولى أو سُخف موضوعها كإنكار المعدة في الجوف لرداءة المأكول وسخافة الغداء، إذ إن المرجع إلى بنية الروح وبنية الجسد في الحالتين وكلتاهما حق لا يقبل المِراء. فحق لا يقبل المِراء أن يقال إن الحاسة الدينية بعيدة الغور في طبيعة الإنسان وأنه لا يمكن له أن يستقر وسط عالم المادة بغير إيمان.[9]

التوحيد: الطريق الصحيح
إنّ أحد الأبعاد العاطفية لحاجة الإنسان إلى الله هو حاجته للشعور بوجود قدرة مطلقة وملاذ آمن ومعنى مُقدّس حاكم على الوجود بأسره، وهذه الحاجة لا تشبعها مختلف الملل المنحرفة، سواء كانت وثنيّة معدّدة بلا حدود أم ثنوية أم مثلّثة؛ بل إنّ هذه المذاهب تُنغّص هذه الحاجة على الإنسان وتُصيّر الوجود ميدانا لتضارب هذه القوى المُتصارعة، ومن ثمّ كان التوحيد الشكلَ الوحيد من أشكال الإيمان والعبادة القادرة على أن تمنح العبد يقينًا وطمأنينة وأملا والتزاما، وإعطاء الوجود هدفًا جليلًا ومعنىً ساميًا؛ ولهذا فإن الموحّد، بالمعنى الواقعي للكلمة،  لا يمكن أن يكون صاحب شخصية قلقة متزلزلة[10].

نص التوحيد

خصائص دين التوحيد
يتميّز دين التوحيد بالطابع النقدي وذلك مقابل الطابع التبريري الذي يُشكّل السمة الأكثر بروزا من بين السمات الأخرى لملل الشرك بمفهومها الأوسع، وبطبيعة الحال فإن الاعتقاد النقديّ يُغذي أتباعه ومعتنقيه برؤية فاحصة حيال ما يُحيط بهم من البيئة المادية أو المعنوية ويُكسبهم شعورا بالمسؤولية تجاه الوضع القائم، مما يجعلهم يُفكّرون بتغييره ويسعون لذلك فيما لم يكن مناسبا مع مبادئهم.

يتفادى الدين التوحيدي تسويغ الوضع القائم دينيًّا ولا يُؤمن بمبدأ الرضوخ للأمر الواقع أو اتخاذ موقف اللامبالاة حيال الواقع المتردي الذي تنغمس فيه البشرية أو ما يُحيط به من مآسٍ معنوية.

ويمكن لنا هنا أن نلاحظ حركة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حيث سيتضح لنا أنّ رسالات الأنبياء التوحيدية خاصة في مراحل البعث والظهور الأولى –في حالة نقائها عن الشوائب والتحريف- تتسم بطابع رافض للوضع القائم ونزعة  ثورة وتمرّد على كل جور وفساد، وهذا التمرد والطغيان يأتي مُصاحبا للعبودية والخضوع لمُوجِد الكون، إضافة للانقياد لقوانين الوجود التي تتجلّى فيها الإرادة والقدرة الإلهيتان[11].

والمقصود من إقرار العدالة والميزان والقسط في الدين التوحيدي هو تغيير الوضع الموجود لا مُداهنته، ومن ثمَّ فإن دين التوحيد الذي يرتكز على وعي الإنسان وبصيرته وعشقه وحاجته الفلسفية الفطرية يقف في وجه الشرك وملله المنبثقة من جهل الناس وخوفهم[12].

مقامُ العقل في الإسلام
جاء الإسلام بتشريعات تُحرّر فكر الإنسان من المكبّلات التي من شأنها أن تعوق حركته عن التعامل الموضوعي مع موضوع البحث فتُوجهه إلى نتائج مرسومة مُسبقا لتكون له مُعتَقَدا، وذلك يُفضي إلى الضلال في المعتقد مع ما يُفضي إليه من آثار سلبية في سيرورة مُجمل الحياة. من أمثلة ذلك:

– النهي عن الخضوع للعادات والتقاليد المنحدرة من الآباء والأجداد لمُجرّد كونها إرثا أبويا؛ قال الله تعالى:” وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ”(البقرة:170)

– النهي عن الخضوع للهوى بشُعبه المختلفة: شهوات النفس، متابعة عواطف الحب والكره، التعصّب الأعمى لفكرة أو لنحلة أو لعرق:” فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ” (النساء: 135)

إذا فالكيفية المُشرّعة في تحصيل الاعتقاد هي النظر الاستدلالي الصادر عن فكر حرّ من كلّ القيود والمكبّلات الظاهرة والخفيّة، وذلك ما يحمله التوجيه القرآني المستمرّ في دعوته إلى الإيمان بالعقيدة على التأمّل والتدبّر والتفكّر في دواخل الأنفس وفي آفاق الكون للوقوف فيها على الأدلّة والشواهد المثبتة لتلك العقيدة. وقد ظلّ المعتبَر في الشرع هو الإيمان الحاصل بالنظر الاستدلالي الحرّ[13]، فالقرآن الكريم وضع قواعد وقوانين ينتهجها العقل البشري إن أراد الوصول إلى نتائج أكثر موضوعية، من هذه القواعد نذكر:

– التّأكّد الدقيق والتثبّت من الأخبار والمعلومات التي تُعرَض على العقل.

– بناء القناعات على حقائق قوية متينة وأدلّة راسخة.

– الالتزام بالحق، فالتصديق والالتزام والتطبيق ما هي إلا مراحل تأتي بعد جهد جهيد على مستوى العقل وتثبّت طويل وعدم تسرّع في إصدار الأحكام، وبهذا العمل يأتي الفهم الصحيح لكل مكونات الحياة ودقائقها، وأكثر ما يهمنا في هذا الصدد هو فهم الدين وخاصة دين الإسلام.

الفهم الصحيح للإسلام وواقع المسلمين
يُعدّ الفهم الصحيح للإسلام علاجا من الغربة عن الذات والتشبّه والتقليد، والفراغ الروحي والفكري، والعبودية التامة النابعة من داخل من ابتُلي بها، فهي عبودية مَن سُلبت منه أُسس ثقافته وفِكره وانقلب بذلك إلى مستهلك لما يُفرض عليه من قوى مسلطة عليه، فغدا مُجرّد  آنية خالية تبتلع كل ما يضعه فيها العدوّ[14].

لقد قامت تيارات كبيرة من المستشرقين والناهضين بالفتن الفكرية لتحويل نظرتنا إلى القرآن من كونه كتاب قراءة وفكر وفهم وتنوير وحصول على طريق ونهوض وعمل، إلى مجرد شيء مُقدّس ومجال للتبرّك، فانتقل من عمله الواقعي في “هداية” أتباعه و”بيان الحلول” و”مسؤولية الخيار الإنساني” لينحصر في “الاستخارة” وتأدية التعظيم والتكريم والتبجيل والتقبيل كواجب شكليٍّ من قبل المسلمين المؤمنين به..

ومنذ أن عجز المسلمون عن الاتصال بالقرآن اتصالاً مباشرًا وتحلّقوا حول مراسمه دون معانيه، وتركوا الروح التي جاء بها وتمحوروا حول الأشكال الجامدة والانحرافات الفكرية في تاريخهم، مما جعلهم يسقطون في الخرافة والضعف الاجتماعي والتعصّب والانحطاط العلمي والاقتصادي والسياسي[15].

بعد هذا الاستعراض لضرورة الدين بالنسبة للبشر بصفة عامة وأنّ التوحيد من بين جميع الطرق هو الطريق الوحيد الصحيح، ثمّ أبرزنا أهمية العقل في الميزان الإسلامي في التعامل مع مختلف مصادر المعلومات ثم انتقلنا إلى الحديث عن ما أصاب المسلمين جرّاء إقصائهم العقل عن ساحة الفعل –باقتضاب شديد – وبالتالي نتج عن ذلك غربة عن روح وتعاليم القرآن؛  نرى من الضروري التعريج على تأثيرات الوراثة السلبية للأجيال حول إيمانهم بالدين والتي أدّت إلى أفول نجمه في كثير من الأحيان[16]، حيث إنها نقطة في غاية الأهمية ولها علاقة وثيقة بالعنصر الأخير الذي ذكرناه، في تشويه مسار الدعوة إلى دين الإسلام بصفة خاصة، وهو ما سيكون المحور الأساسي في الجزء الثاني لهذا المقال. 


الهوامش:

[1]  “لماذا الدين ضرورة حتمية؟:لقد فقد العالم بُعده الإنساني وبدأنا نفقد السيطرة عليه“! http://www.arrabita.ma/contenu.aspx?C=186&S=7

[2]  لماذا الدين ضرورة حتمية، مرجع سابق.

[3]  د. عبد المجيد النجار، “حرية التفكير والاعتقاد في المجتمع المسلم: الأبعاد والحدود” : http://www.biblioislam.net/Elibrary/Arabic/library/card.asp?tblid=2&id=6791

[4]  د. علي شريعتي، “دين ضد الدين”، تر: حيدر مجيد، دار الأمير، ط1، 2003 ص 35.

[5]  د. عبد المجيد النجار، “في فقه التدين فهما وتنزيلا” ج1 ، ط1 ، ينظر: تقديم د.محمد عبيد حسنة للكتاب ص9.  د. علي شريعتي: مرجع سابق.

[6]  د. هوستن سميث: مرجع سابق.

[7]  د. جيفري لانغ، “حتى الملائكة تسأل”، تر: منذر العبسي، دار الفكر، سوريا ط2/ 2006.ص23.

[8]  محمد باقر الصدر: “السنن التاريخية في القرآن”، دار التعارف للمطبوعات. 1989، ص90، 91.

[9]  عباس محمود العقاد، “الله” دار المعارف، مصر ط3 /1960 ص14.

[10]  د. علي شريعتي، “معرفة الإسلام”، تر: حيدر مجيد، دار الأمير، بيروت، ط1/ 2004 ص160.

[11]  د. علي شريعتي، دين ضد الدين، ص40.

[12]  المرجع سابق، ص53.

[13] د. عبد المجيد النجار: “حرية التفكير والاعتقاد في المجتمع المسلم”.

[14]  د. علي شريعتي: “أبي.. أمي، نحن متهمون” تر: د. ابراهيم دسوقي شتا، دار الأمير، ط1/2003 ص28، من المقدمة.

[15]  المرجع سابق: ص126 ، 127.

[16]  نخص بالتركيز في هذا المقام تلك الوراثة الشكلية التقليدية للدين والمفرغة من المحتوى الحقيقي دون غيرها.