الخوارج

أحمد دعدوش

 

تعد فرقة الخوارج أول جماعة تنشق عن جماعة المسلمين وتنفرد بقرارها السياسي وبعقيدتها الدينية، وقد بدأت أولى ملامحها بالظهور عندما تجرأ حرقوص بن زهير التميمي (ذو الخويصرة) على النبي صلى الله عليه وسلم وقال له أثناء تقسيم الغنائم: اعدل فينا يا رسول الله، فقال له النبي “ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟”، فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال “دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية” [متفق عليه].

وتحققت نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، فخرجت أفكار الخوارج من رحم الخلاف الذي نشب بين علي بن أبي طالب وعدد من كبار الصحابة عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فكان الخوارج في البداية ضمن فريق علي ضد طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وأم المؤمنين عائشة، حيث طالب الفريق الثاني بتعجيل القصاص من قتلة عثمان في مخالفة لرأي علي بتأجيل ذلك درءاً للفتنة.

اصطدم الفريقان عسكريا في موقعة الجمل عام 36هـ، وينسب المؤرخون للمنافقين واليهود بقيادة عبدالله بن سبأ دورا كبيرا في إشعال الحرب، وقد قُتل خلالها طلحة والزبير، ثم تابع معاوية القتال ضد علي في معركة صفين، وعندما اقترب جيش علي من النصر أمر عمرو بن العاص –قائد جيوش معاوية- برفع المصاحف على أسنة الرماح والدعوة لحقن الدم، وكان علي يرى متابعة القتال وعدم الركون لهذه “الخدعة” لكن معظم قادته أيدوا وضع السلاح، وكان أكثرهم تأييدا لذلك الأشعث بن قيس ومسعود بن فدكي وزيد بن حصين.

اضطر علي لقبول التحكيم وحدد موعدا له، وفي طريق عودته إلى العراق انشق اثنا عشر ألف مقاتل من صفوفه لرفضهم فكرة التحكيم، وكان رأيهم يتخلص في أن الحكم للقرآن وليس للرجال ورفعوا شعار “لا حكم إلا لله”، فعلّق علي عليهم بالقول إنها كلمة حق يراد بها باطل.

ويقول مؤرخون إن عمرو بن العاص لجأ مجددا للخديعة أثناء المفاوضات مع الطرف الآخر الذي قاده أبو موسى الأشعري، فأعلن عمرو خلع علي وتنصيب معاوية خليفة، فازداد الذين خرجوا على عليّ اقتناعا بسلامة موقفهم، وطالبوا بنقض العهد مع معاوية ومعاودة القتال، وهو أمر رفضه علي، فاجتمع الفريق الذي دعاه لحقن الدماء بالبداية مع هذا الفريق في جماعة واحدة، وأصبحوا فرقة مستقلة سُميت بالخوارج، واختاروا عبد الله بن وهب الراسبي أميرا عليهم.

أعلن الخوارج الثورة على عليّ بعد أن كان قائدهم، واستقلوا بقرية النهروان على نهر دجلة، وبدؤوا بالتحرش بأتباع علي، فأرسل لهم عليّ ابن عمه عبد الله بن عباس المعروف بعلمه وفقهه ليحاورهم، فقامت بينه وبينهم مناظرة مشهورة سجلها المؤرخون، ويقال إن ثمانية آلاف منهم اقتنعوا بحجته وعادوا معه إلى الكوفة (مقر علي)، بينما بقي أربعة آلاف على رأيهم، ثم سرعان ما انضمت إليهم حشود من الأعراب والبدو، وازداد تحرشهم بالمسلمين وسفكهم لدمائهم.

الكوفة كانت عاصمة الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه

كان علي يجهز جيشا قوامه سبعون ألفا لمعاودة قتال معاوية بهدف جمع كلمة المسلمين تحت راية واحدة، فجاءه نبأ اعتداء الخوارج على الصحابي عبد الله بن خباب، حيث قتلوه وبقروا بطن جاريته في الصحراء دون سبب، فبعث لهم علي رسولا يطلب منهم تسليم قتلته فقالوا كلنا قتلته وكلنا مستحل دماءكم، فقرر مع مستشاريه تأجيل الصدام مع معاوية ومحاربة الخوارج قبل أن تشتد شوكتهم، وقاتلهم في النهروان قتالا شديدا، حيث انشق نصفهم قبل بدء المعركة وصمد الباقون (نحو ألفي رجل) حتى قتل معظمهم وعلى رأسهم عبد الله بن وهب وزيد بن حصين.

وكان أبو سعيد الخدري قد روى حادثة ذي الخويصرة مع النبي صلى الله عليه وسلم (انظر مقدمة المقال)، وروى عن النبي أيضا قوله إن آية هؤلاء القوم “رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة”. وقال أبو سعيد بعد أن قاتل في صف عليّ “فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتُمس، فأتي به (وكان من بين القتلى)، حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته”.

وبالرغم من هزيمتهم، لم تلبث أفكار الخوارج أن جذبت مقاتلين آخرين مرة أخرى، فجمعوا شتاتهم وعادوا للتحرش بالمسلمين، حتى تجرأ قائدهم أبو مريم السعدي على اقتحام الكوفة ومطالبة علي نفسه بمبايعته، لكن علياً هزمه. ثم حاول قائد آخر يدعى الخريت بن راشد تكرار المحاولة فهزمه علي ليهرب إلى الأهواز.

المسجد النبوي في المدينة المنورة بمنتصف القرن التاسع عشر الميلادي

انتقل بعدها الخوارج إلى استراتيجية الاغتيالات لاختصار الطريق بتصفية كبار قادة المسلمين، وفي أول مؤامرة لهم اتفق عبد الرحمن بن ملجم على قتل علي، والحجاج الصريمي على قتل معاوية، وعمرو بن بكر على قتل عمرو، وعلى أن يكون التنفيذ في يوم واحد وهو السابع عشر من رمضان لسنة 40هـ، وقد نجحوا في اغتيال علي، بينما أصيب معاوية بجرح برئ منه، أما عمرو فقُتل بدلا منه نائبه “خارجة” بالخطأ.

بويع الحسن بن علي خليفة لوالده في الكوفة، واحتفظ معاوية بالسلطة في دمشق، وقبل أن يتجدد القتال بين الطرفين تنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية، فوجّه الخوارج السلاح إلى الخليفة الموحد، واشتد قتالهم مع عامل معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة، فاضطر الأخير لاستخدام وسائل أخرى كالخداع والمكيدة، كما زج هو وابنه من بعده زياد الكثير من قادتهم في السجن، لكن قوتهم كانت تتعاظم باستمرار وتكتسب المزيد من المؤيدين، نظرا لما تمتعوا به من القوة والتفاني في القتال ومن الحجة في اللسان، في مقابل الظلم والفساد الذي انتشر في بلاط الأمويين.

وعندما أعلن عبد الله بن الزبير التمرد على يزيد بن معاوية -الذي افتتح ظاهرة وراثة السلطة في الإسلام- تجمع الخوارج حول ابن الزبير لقتال الأمويين، لكنهم سرعان ما انفضوا عنه عندما أعلن أنه مؤيد لمواقف علي بن أبي طالب.

ولم يلبث الخوارج أن افترقوا فيما بينهم أيضا إلى عدة فرق، فظهرت فرقة الإباضية نسبة لعبد الله بن إباض، وفرقة الأزارقة نسبة لنافع بن الأزرق، والنجدات من أتباع نجدة بن عامر، والصفرية الذين اصطفوا وراء زياد الأصفر (وقيل عبد الله بن صفار).

وكما هي عادتهم دائما في الصدام مع كل من يخالفهم حتى لو كان حليفهم بالأمس، قاتل الأزارقة ابن الزبير ورجاله في العراق حتى هزمهم، كما اشتبك معهم الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان في الأهواز حتى خارت قواهم. أما نجدة بن عامر فحاول أن يصل إلى هدنة مع عبد الملك ليحصل منه على ولاية اليمامة فاعتبره أتباعه خائنا وقتلوه، ونصبوا مكانه أبو فديك الذي احتل البحرين، قبل أن يقاتلهم فيها عبد الملك ويفرق جموعهم. كما نجح بعض الخوارج في احتلال مناطق واسعة باليمن، ثم انتشروا شمالا حتى دخلوا مكة المكرمة قبل أن يسارع الأمويون إلى طردهم عام 130هـ.

جامع قابوس في مسقط حيث تُعد الإباضية المذهب الرسمي لدولة عُمان
(ShenmueIII)

وعندما انتقلت الخلافة إلى البيت العباسي كانت قوة الخوارج قد تراجعت نسبيا، فتمكن المنصور من دحرهم في عُمان. ولم يستردوا قوتهم حتى منتصف القرن الثالث الهجري عندما سيطروا على الموصل ومناطق واسعة في غرب وشمال العراق، حتى كاد خطرهم يهدد العاصمة بغداد نفسها، إلى أن هزمهم الخليفة المعتمد.

وظلت أفكار التمرد التي حملها الخوارج إلى أفريقية تجتذب قبائل البربر، وخصوصا في صراعهم مع الولاة الأمويين، فسيطر الإباضية هناك على طنجة والسوس، وهاجموا الفاطميين الإسماعيليين في القيروان، إلا أنهم فشلوا في احتلالها وتفرق شملهم، وقد بقيت أفكارهم هناك حتى يومنا هذا.

 

تنبؤات النبي بالخوارج
تحدث النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن كثير من الفتن والحروب التي ستحدث في أمته بعد موته وصولا إلى ملاحم آخر الزمان، ولم يأت في السنة النبوية تحذير من فرقة بعينها إلا الخوارج، فقد ورد فيها أكثر من عشرين حديثاً بسند صحيح أو حسن، ما يدل على خطورة مذهبهم والتباسِ أمرهم على الناس. ومع أن النبي لم يذكر الخوارج باسمهم لكن علي بن أبي طالب تأكد أن صفاتهم تنطبق عليهم عندما أعلن عليهم الحرب.

وأول ذكر لهم في السنة الشريفة كان في الحديث الذي يحكي قصة رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام عندما كان يقسم الغنائم بين أصحابه، فقال “اتق الله يا محمد اعدل” فأجابه النبي “ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل”، فقال عمر “دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق”، فقال “معاذ الله يتحدث الناس أني أقتل أصحابي”، وفي رواية “يخرج من قبل المشرق رجال كأن هذا منهم”، وفي رواية أخرى “يخرجون فيكم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية”.

ومن صفاتهم التي تنبأ بها النبي أنهم صغار في السن، ويغلب عليهم الطَّيش والسَّفه والغرور بالنفس، فقال في الحديث المتفق عليه “يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام”، وفي حديث رواه أحمد “إن فيكم قوما يعبدون ويدأبون حتى يعجب بهم الناس وتعجبهم نفوسهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية”، لذا يدفعهم غرورهم لادعاء العلم والتطاول على العلماء، وعلى مواجهة الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رَوية.

كما أشار الحديث الذي رواه البخاري إلى أن “سيماهم التحليق”، وقد كانوا يتميزون عن سائر الناس فعلا في زمن علي بن أبي طالب بحلق شعر رؤوسهم، وفسر القرطبي الحديث بأنهم جعلوا حلق الرأس علامةً لهم على رفضهم زينة الدنيا، وشعارًا ليُعرفوا به. وقال ابن تيمية إن هذه ليست صفة لازمة لهم في كل العصور. لذا يمكن أن يتخذ أتباعهم في العصور اللاحقة مظاهر أخرى كشعارات وسمات يتميزون بها، كلون اللباس وهيئته.

وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أنهم مجتهدون في العبادة مما يدعو الناس للاغترار بهم، وأنهم يكثرون من قراءة القرآن دون أن يتدبروا معانيه ويهتدوا بهديه، فقال في الحديث المذكور آنفا “يقولون من خير قول البرية،‏ ‏يمرقون ‏من الإسلام كما ‏‏يمرق ‏السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم”، وقال في حديث آخر “يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم”، وقال أيضا “يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم”.

ولما ذهب إليهم عبد الله بن عباس لمحاورتهم في حروراء، قال عند عودته “لم أر قط أشد اجتهادًا منهم، أيديهم كأنها ثفن الإبل [أي غليظة] وجوههم معلّمة من آثار السجود، عليهم قمص مرحضة [أي في غاية الطهارة]، وجوههم مسهمة من السهر [أي من قيام الليل]”.

وقال ابن تيمية إن ظهور البدع الأولى في الإسلام كبدعة الخوارج جاء من سوء فهمهم للقرآن، فلم يقصدوا معارضته إلا أنهم فهموا منه ما لم يدل عليه؛ فظنوا أنه يجب تكفير مرتكبي الكبائر، ثم استحلوا دماءهم وأموالهم. كما قال فيهم عبد الله بن عمر “إنهم انطلقوا إلى آيات ‏نزلت ‏في الكفار فجعلوها ‏على المؤمنين‎”.

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم أيضا من قدرتهم على التضليل بحسن الكلام والبلاغة والجدل، فقال في روايات متعددة إنهم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، ويتكلّمون بكلمة الحق، ويقولون من خير قول البريّة. لذا كانوا يطالبون علياً بتطبيق الشرع رافعين شعار “لا حكم إلا لله”، فيرد عليهم بقوله إنها كلمة حق يراد بها باطل.

أما أهم صفاتهم التي ذمها النبي صلى الله عليه وسلم -كما يقول ابن تيمية- فهي التَّكفير واستباحة الدماء، حيث وصفهم بقوله “يقتلون أهل الإسلام ويدَعون أهل الأوثان”، وأوضح ابن تيمية ذلك بأنهم “يستحلون دماء أهل القبلة لاعتقادهم أنهم مرتدون، أكثر مما يستحلون من دماء الكفار الذين ليسوا مرتدين، لأن المرتد شر من غيره”.

والتكفير عند الخوارج له صور كثيرة، كتكفير مرتكب الكبيرة أو التكفير بما ليس بذنب أصلاً، أو التكفير بالظن والشبهات والأمور المحتملة، أو بالأمور التي يسوغ فيها الخلاف والاجتهاد، أو دون التحقق من توفر الشروط وانتفاء الموانع، ولا يَعذرون بجهل ولا تأويل، ويكفّرون بلازم الأقوال ومآلاتها، ويستحلون دماء من يكفرونهم دون قضاء ولا محاكمة ولا استتابة، ولهذا قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم  “يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة”، أي يخرجون منه كما يخرج السهم الذي يصيب الحيوان فيدخل فيه ويخرج منه من شدة السرعة دون أن تبقى عليه آثار من جسد الحيوان.

وبالرغم من كل ما سبق، لم يُكفّر أهل السنة والجماعة طائفة الخوارج حسب أرجح الأقوال، بل نقل الإمام الخطابي الإجماع على ذلك، ومع أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإبادتهم قبل أن يظهروا عندما قال “لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد” إلا أن الحكم بقتالهم لم يقترن بتكفيرهم بل كان دفعا لشرهم، وروى عبد الرزاق (10/ 150) وابن أبي شيبة (15/ 332) والبيهقي (8/ 74) عن طارق بن شهاب أنه قال “كنت عند علي بن أبي طالب فسئل عن أهل النهروان (الخوارج) أهم مشركون؟ قال: من الشرك فروا قيل: فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا قيل: له فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا”.

روى البيهقي وابن أبي شيبة أن أحد الخوارج قاطع علي بن أبي طالب وهو يخطب مطالبا بتحكيم شرع الله، فقال له علي “لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا: لن نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فيئاً ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا”.

 

آراؤهم السياسية والدينية
خرجت بذرة انشقاق الخوارج عن جماعة المسلمين من منطلق رؤيتهم لشرعية الحاكم، ولعل أبرز آرائهم المعروفة هي تمردهم على توريث الحكم، كما اختلفوا مع الرأي السائد لدى أهل السنة الذي يشترط أن يكون الخليفة قرشي النسب، فهم يرون أن منصب الإمامة أو الخلافة يُعطى لمن يقدر عليه دون الالتفاف إلى نسبه ولونه، حتى أجاز بعضهم ولاية المرأة، بل رأت فرقة النجدات عدم الحاجة لوجود الحاكم أصلا إذا تمكنت الأمة من تدبير أمورها بنفسها.

شعار الأناركية

وبهذه الأفكار يمكن القول إن الخوارج سبقوا دعاة الحركات الأناركية (الفوضوية) المعاصرة، والتي تدعو إلى إسقاط الحكومات للتخلص من البيروقراطية والفساد والاستبداد وترك الناس يحكمون أنفسهم بأنفسهم في أضيق حدود التحكم.

وقد أوجب الخوارج الثورة على أئمة الجور والفسق والضعف، حتى قالوا إن الوجوب يقع على الأمة إذا بلغ عدد المنكرين على أئمة الجور أربعين رجلا، وهو العدد الذي يحقق ما أسموه “حد الشراء” أي شراء الجنة بالروح، كما أوجبوا على من أعلن الثورة أن يتابع القتال والاستبسال إلى أن ينقص عدد الثوار إلى ثلاثة فقط، وعندها يجوز لهم القعود وكتمان العقيدة، لذا نجد في تاريخهم قصصا عجيبة عن التفاني في القتال حتى الموت، حتى قيل إن شبيب بن يزيد لاقى ثلاثين رجلا منهم وهو على رأس جيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل.

ويقر الخوارج بصحة ولاية الخليفتين أبي بكر وعمر، كما يعترفون بصحة خلافة عثمان باستثناء السنوات الست الأخيرة من حكمه إلى درجة تكفير بعضهم له، كما يكفرون علياً لأنه قبل بالتحكيم، مع اختلاف فيما بينهم على درجة تكفيره.

ونظرا لغلوهم وتشددهم، قرر الخوارج الحكم بالكفر على مرتكبي الكبائر الذين يموتون قبل التوبة، وقالوا إنهم سيخلدون في النار مخالفين بذلك أهل السنة، وانعكس هذا المفهوم على تكفيرهم للحكام الذين ارتكبوا الكبائر، ليمتد إلى تكفير أمم كاملة لسكوتها على الظلم وقعودها عن الجهاد.

ولم يشتهر الخوارج بالاشتغال بالجدل العقائدي المعروف بعلم الكلام، فكانت تغلب عليهم البساطة الفكرية وانتماء الكثير منهم للبيئة البدوية التي تنبذ الاشتغال بالفلسفة والجدل، لذا لا نجد لديهم مذهبا عقائديا متماسكا أو ناضجا، وإن كنا نقرأ لديهم بعض الأفكار التي اقتربوا فيها من المعتزلة مثل قولهم بخلق القرآن.

ومع انقسام الخوارج إلى فرق عدة كما أسلفنا اختلفت بعض آرائهم، لكن التشدد ظل العامل المشترك بينهم جميعا، فعلى سبيل المثال تشدد الأزارقة في اعتبار ديار مخالفيهم ديار كفر، حتى حكموا على من أقام فيها بالكفر، بل رأوا أن أطفال الكفار سيخلدون في النار، أما الصفرية فكانوا أقل تشددا وحرّموا قتل أطفال المخالفين، كما لم يكفّر النجدات مرتكب الكبيرة إذا لم يصر عليها.

 

على من يُطلق وصف الخوارج؟
أصبح وصف الخوارج تهمة يتراشق بها الكثيرون في العصر الحديث، وبمجرد إطلاقها على جهة أو جماعة أو حزب يصبح من السهل على الجهات الأخرى الإفتاء بقتلها واستحلال دمها، لذا ينبغي تمييز صفات هذه الجماعة وتحديدها بدقة.

من خلال دراستنا لسيرة الخوارج، نلاحظ أنها مرت بثلاث مراحل، الأولى كانت قبل ظهور الخوارج وهي المرحلة التي حذر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من ظهورهم، والثانية هي مرحلة ظهورهم الفعلي بدءا بعصر علي بن أبي طالب، والثالثة هي المرحلة اللاحقة على تشكلهم والتي بدأوا فيها بالانقسام والتفلسف.

في المرحلة الأولى، وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بصفات محددة دون أن يسميهم بأي اسم، وأهم صفاتهم الغلو في التمسك بالنص دون تعمق في معناه، والممارسة التعبدية القاصرة حيث يتجاوزون في ظاهرها تعبد الصحابة أنفسهم بينما لا يتجاوز تأثيرها إلى الباطن، والممارسة التعبدية المتعدية حيث يتعبدون بقتل المسلمين واستحلال دمائهم، وضعف التجربة وضعف التفكير (حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام).

في المرحلة الثانية، تأكد علي رضي الله عنه وبقية الصحابة من انطباق صفاتهم على حالهم كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ناقشهم ابن عباس فرجع منهم الكثيرون إلى السنة وبقي بعضهم مصرا على التمرد، ومن خلال هذه المناظرة يمكن استنتاج صفاتهم بدقة، وهي الغلو في التمسك بالنص دون تعمق في معناه، والتكفير بما ليس بمكفّر، سواء بسوء فهمهم لطبيعة الأمور المكفرة وذلك إما بأن يعدوا ما ليس بمكفر مكفرًا أصلاً، أو يأتوا إلى فعل غير مكفر ويسموه باسم فعل مكفر، أو بسوء فهمهم لوقائع التكفير ودلائلها حيث يتعجلون في تلك الوقائع ويجعلونها دالة على التكفير وهي ليست كذلك.

وفي المرحلة الثالثة نجد أنهم انقسموا إلى طوائف، كما تداخلوا مع الاتجاه الكلامي وصارت لهم آراء عقائدية قريبة من آراء المعتزلة، وفي هذه المرحلة ظهرت ثلاث تعريفات للخوارج باعتبارهم طائفة أو مذهبا، وهي كما يلي:

الأول اقتصر على مسألة التكفير، واعتبر الخارجي هو من يقول بأن مرتكب الكبيرة كافر. والثاني اقتصر على مسألة القتال، واعتبر الخارجي هو من خرج على ولي الأمر وحسب، أما الثالث فجمع بين المحدِّدَين: الفكري (التكفير) والعملي (القتال).

وإذا أردنا تطبيق هذه المعايير على الجماعات الجهادية الموجودة اليوم فقد يحدث لبس عندما نجد أنها لا تنطبق على بعضها، لأن بعض الغلاة اليوم لا يكفّرون مرتكب الكبيرة ولم يخرجوا على الإمام الشرعي، لكن هذا الحكم لا يُمثل لحظة التحقق التاريخي الأولى التي تشكل فيها مسمى الخوارج، لذا فإن التعريفات الثلاث المذكورة في المرحلة الثالثة ليست دقيقة تماما، وينبغي العودة إلى الصفات الأولى المحددة في الأحاديث والتي انطبقت على صفات الخوارج الذين قاتلهم علي ومن بعده.

عنصر من تنظيم الدولة الإسلامية

ويجب هنا أن نشير إلى مسألتين:
الأولى: ربط النبي عليه الصلاة والسلام بين الرجل الذي اعترض على حكمه وبين مواصفات الجماعة قبل ظهورها، ومع أن الرجل لم يقل بمقولات الخوارج التاريخية فقد ربط النبي بينه وبين هذه المواصفات، وأهم هذه المواصفات:

أن هذا الرجل يظهر بحالة من المزايدة في التدين من حيث التمسك بالعدالة وكأنه أكثر عدالة من النبي، وأنه يرفع شعار العدل، وهو شعار لا يُختلف عليه كما أن الغلاة اليوم يرفعون شعارات من خير ما يقوله الناس، وأنه يحمل شعار تحقيق العدل وهو لم يفهم معناه ويتعجل في تفسيره، وأنه يستخرج من التفسير العجول لتصرف النبي حكمًا بعدم عدله كما يستنتج بعض الجهاديين الغلاة المعاصرين من خلال قراءتهم الظاهرة أحكامًا خاطئة، وأنه يريد أن يحقق المنافحة عن العدل ولكن من خلال التشكيك في عدالة النبي فهو يريد أن يصل إلى شيء دعت إليه الشريعة ولكن من خلال انتهاك أشياء أعظم.

الثانية: أشارت بعض الأحاديث إلى استمرار خروجهم إلى آخر الزمان، كما في حديث ابن عمر: “كلما خرج منهم قرنٌ قطعه الله” [حسنه الألباني وصححه الأرناؤوط].

وبناء على ذلك؛ فإن المواصفات الواردة في النص النبوي تنطبق على جماعة الدولة الإسلامية (داعش)، وعلى الجماعات الشيعية المتطرفة التي تقتل مخالفيها من أهل السنة بدافع ديني، غير أن الفارق بينهم وبين الخوارج أن طريقة الجماعات الشيعية في الاستدلال لم تكن تعتمد على ظواهر النصوص كما هو حال الخوارج، وإنما على مرويات منسوبة لبعض أئمة آل البيت، والنصوص لم تشر إلى منهج الاستدلال بقدر ما أشارت إلى سياقه العام وهو قراءة القرآن وعدم التعمق في معناه.

أما إذا طبقنا المواصفات التي في النص على طائفة الإباضية اليوم -والتي تُصنَّف في كثير من الكتب على أنها الامتداد الوحيد المتبقي للخوارج- فسنجد أنها لا تنطبق عليهم، وأنهم أقرب للمعتزلة من الخوارج. والله أعلم.

 

 

أهم المراجع

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت.

محيي الدين يحيى بن شرف النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1972.

أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المجموع: فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وزارة الأوقاف السعودية، 2004.

محمد عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة في المشرق، دار أم البنين، 1980.

محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي،  دار الشروق، القاهرة، 2007.

علي محمد الصلابي، عصر الدولتين الأموية والعباسية وظهور فكر الخوارج، دار البيارق، 1998.

ناصر بن عبد الكريم العقل، الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام، دار إشبيليا، الرياض، 1998.

ياسر المطرفي، مقال “في معنى الخوارج”، موقع مركز نماء للدراسات والبحوث، 9/3/2014.

عمار الصياصنة، مقال “صفات الخوارج في السنة النبوية”، موقع هيئة الشام الإسلامية، 16/2/2014.

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد