1

الحجاب والحياة المعاصرة .. هل يجتمعان؟

تتم أدلجة العقول وتغيير نظرتها للأمور بعبارات بسيطة أحيانًا لا نُلقي لها بالاً، يكفي أن تُردّد بكثرة مع مؤثرات جذابة ليقتنع سامعها أنها حق، إن لم يحاول تحليل ما يقال أوغاب عنه المراد منه.

ثمة شعارات تُرفع حديثاً توجّه للفتيات المسلمات حول الحجاب، ومع ترديدها بكثرة تتحول إلى غطاءٍ لتمرير الشبهات، وتَظهر تلك الشعارات مُنصفة للمسلمة المحجبة ومدافعة عنها، وآخذة على عاتقها تغيير فكرة نمطية أُقحمت عنوة في العقول، بأن المحجبة مُنعت بحجابها من دخول مضمار العمل والنجاح، فتُردُّ تلك الفكرة بظهور المرأة بمظهر محبب لدعاة التحرر، بغطاء على الرأس مع تَخلٍّ بسيط إلى شبه تام عن جملة من أحكام و فروض الإسلام بشكل واضح، وأصبح  شعار حقٍّ مثل “الحجاب لا يمنع المرأة من الحياة” يحمل الباطل في طياته، عندما كان المقصود منه تحرير المرأة نفسها، ليتحول الحجاب لقطعة قماش تغطي الشعر فتكون الفتاة قد أدت بذلك ماعليها ولا مانع بعدها من التهاون في فروض الإسلام الأخرى ولا من فعلها ماتشاء من تَزيُّنٍ وتمثيل و رقص وغناء وعرض للأزياء.

اختزال مفهوم الحجاب بقماش

تلك الشعارات التي تُرفع بلا إدراك لمفهوم الحجاب الحقيقي أو محاولة تجاهله، ومع احتفاء البعض بكل فتاة محجبة بحجاب مخالف للحجاب الشرعي وضوابطه نجحت في تصدّر الأخبار وكأنها انتصرت للمسلمة، ومع صرف النظر عن إن كان نجاحها ممزوجا بشبهة، فإن في ذلك اختزال شديد لمفهوم الحجاب والستر، فكأنه مثل القول بأن الصلاة عبارة عن حركات رياضية للترويح عن النفس، ولكن يضاف لحركاتها الفروض والأحكام؛ الذي يؤثر نقصان واحد منها بصحتها وقبول الله لها من عبده، فالشرط الأول لقبولها هو الإيمان بالله إيماناً لا يخالطه شكٌّ، ومن ثم طهارة البدن والملبس والمكان، والتستر واستحضار النية واستقبال القبلة، وأركان الصلاة وضوابطها من فرض وواجب ومستحب ومكروه وناقض للصلاة.

فالإسلام دين متكامل ومنظومة شاملة من آمن بالله لزمه تصديق واتباع كل ماجاء به الإسلام، ولذا لا يمكن حصر الحجاب بالقماش على الرأس وصرف التركيز عن ضوابطه وشروطه، من سَتر لكامل الجسد بملابس فضفاضة لاتشفّ ولا تَصِفُّ، وعدم إظهار التزين والتعطر، مع الالتزام بأحكام لا تقل أهمية لتحقيق العفة والتحلي بالحياء، مثل عدم الميل بالمشي وخفض الصوت وعدم الخضوع بالقول والالتزام بغض البصر وضوابط الاختلاط بالرجال وبقية الفروض والأحكام.

مفهوم فرض الحجاب

لا يوجد دافع أكبر لتشجيع الفتاة على ارتداء الحجاب والثبات عليه من دافع التسليم لأمر الله الذي آمنت به إيماناً تاماً، فالتزَمَت بما فرضه الله عليها تحقيقاً لعبوديته وخضوعاً لشرعه وقانونه، فما الحجاب إلا فرض فرضه الله سبحانه وتعالى على المرأة واختصها به من دون الرجل، والمقصد من تطبيقه التزام العابد بأمر المعبود الواحد الأحد، وما يأتي من تفسيرات أخرى لمقاصد الحجاب هو من باب الاستحسان والاستئناس ولا ينوب عن المقصد والدافع الرئيسي الذي يجب أن يُزرَع في قلوب الفتيات منذ نعومة أظفارهنّ.

والله خالق النساء والرجال، العالم بأحوال النفس ونقاط ضعف البشر ومايترتب من إطلاق للشرور والمظالم والمفاسد بالاستسلام للأهواء، التي هي من أبواب الشيطان، كما يعلم الواسع علمه كل شيء طبيعة الرجل الفطرية وميل المرأة للتزين وإظهار المحاسن والمفاتن، وبعضهن ممن يتعمدن لفت الأنظار، وما يتبع ذلك من فتنة لها و للرجال، فجاء الحجاب حاجباً لأهواء نفسها وضابطاً لها، وحاجباً لغيرها عن أذيتها، فأحل الله للإنسان التمتع بما يحب ويهوى ضمن شروط وضوابط حتى يأمن ظلم نفسه وغيره ولا تصبح أفعاله كأفعال البهائم بل أفظع، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب:59].

كما جاء ليحفظ طهارة القلوب فيقي بذلك من فساد الأفراد والذي يؤدي بدوره إلى تفكك الأسرة والمجتمع، مثلما جاء في قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب:53].

هل الحجاب عائق للمرأة؟

إن نظرنا لحكم الحجاب والستر من منظور غربي مادي تحرري عالماني نسوي، الذي يربط العمل والنجاح بأمور معينة ومادية وبدخول سباق العمل مع الرجال ومزاحمتهم، والمسارعة لكسب الأموال وتحقيق الشهرة، ومساواة المرأة بالرجل في كل شيء حتى اضطرت المرأة لتثبت قدراتها بعمل ما يخالف فطرتها، فسنجد الحجاب والحياء والعفة عائقاً بلا شك، وهذا ما ترمي إليه هذه الشعارات التي تدافع عن الحجاب فتحاول أن تثبت صحة فرض الحجاب بنجاح المرأة المسلمة بما يناسب المفهوم الغربي المادي البعيد عن الإسلام فيقعون ويُوقعوا غيرهم بالشبهات.[1]

ولكن إن جعلنا نظرتنا ومقياسنا للأمور منطلقاً من المفهوم الإسلامي للحياة الدنيا والمقصد منها، والمنظور الشرعي للعمل والنجاح، فلن نرى الحجاب الشرعي إلا تكريماً للمرأة ورِفعة لها من شهوة بنظر ضعيفي النفس إلى كيان ذي مشاعر وعقل وحكمة، وحمايةً لها من استغلال جسدها في تحويله إلى سلعة لجلب الأموال، ومحافظة على أنوثتها التي تحاول فتيات الغرب اليوم التخلص منها ليستطعن العمل بسلام بين الرجال، فإما أن تتخلى عن العمل، أو أن تجد نفسها مضطرة للإذعان بأنها عبارة عن جسد ومفاتن، أو أن تلجأ لتتشبه بالرجل فتخفي ضعفها بخشونة الأفعال والكلام وارتداء ملابس الرجال وتصبح أول من تنتقد النساء الأخريات إرضاء لزملاء عملها من الرجال لتثبت لهم أنها أصبحت واحدا منهم[2].

رضى الله أم رضى النفس والعباد؟

لربما أصبحت المجالات التي تحمي المرأة وضعفها البنيويّ وتناسب طبيعتها الأنثوية وتضع ضوابط للاختلاط بين الجنسين قليلةً، مقارنة بالجامعات المختلطة والعمل المختلط وحتى بعض المدراس والدورات، التي أصبح ظاهرها كثرة الفساد بسبب التهاون بالضوابط، وإن كان هذا الظاهر يقنع المرء بأن البدائل قد نفذت للاستعاضة عن دخول أبواب الفتن بما هو آمن على دينه، وخاصة للمحجبة المقيمة في بلاد الغرب، الذي كل ماسنحت له الفرصة يزيد من القيود على الفتاة المسلمة ويضعها في كثير من الأحيان بين خياري العمل أو الحجاب، إلا أنه لا يمكن أن توجد ذريعة للتهاون بالحجاب والستر والأحكام والضوابط الإسلامية، و من يتحرى رضى الله فستقنع نفسه بمجالات الخيرالمتاحة-وإن قَلَّت- والتي تقلل من الاختلاط وتعين المرأة والرجل على الالتزام بالضوابط.

ولأن النفقة على الأسرة والكسب واجب على الرجل، وهذا لا يحدث إلا بالخروج، فلا يمكن القول بأن على الرجل أن يبتعد عن العمل ويفسح المجال للمرأة، ولأن الأصل للمرأة القرار في المنزل وعدم وجوب الإنفاق، فيَسهُل عليها البحث عمّا يختص بالنساء أو ما يكون عدد النساء فيه يفوق الرجال، أو الدراسة والعمل من المنزل، وإن اضطرت للخروج للعمل أو الدراسة وجب عليها الالتزام بالضوابط الشرعية، وتسأل الله الإعانة والهدى والتيسير.

إن الالتزام بالحجاب الشرعي وبالإسلام عامة في ظل الفتن والشبهات الكثيرة ليس بالأمر اليسير، ولذا كان دخول الجنة في حديث رسولنا الكريم صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بفعل الإنسان لما يكره ويكابد: (حُجِبتِ النَّارُ بالشَّهواتِ وحُجِبَتِ الجنَّةُ بالمكَارِهِ) [متفق عليه]، فالأولى مجاهدة النفس والتغلب على الشهوات والابتعاد قدر الإمكان عن مواطن الفتن.

وذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز كيف كره المسلمون فرض الله القتال عليهم: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216]، فأشد مايكره الإنسان أن يوضع في موضع يعلم فيه بأنه إما قاتل أو مقتول، ولكن الله تعالى ذكرهم بأن الأمر انقياد وطاعة لا إرضاء لما تحب النفس وتكره، وهناك خير في الأمر هُم لا يعلمونه ولا يدركونه، وذلك عندما كانت الدنيا هي متاع الغرور ماتلبث أن تفنى، والجنة هي المأوى، وماعند الله خير وأبقى.


مراجع للاستزادة أكثر في فرض الحجاب

  • – لماذا فُرض الحجاب؟ أ. أحمد دعدوش، موقع السبيل:

https://al-sabeel.net/7163-2/

  • – إشراقة يسيرة في حِكَم ومقاصد الحجاب، زياد بن أسامة بن عبد الله خياط، موقع المحاورون:

https://almohaweron.com/wp-content/uploads/2019/03/.pdf

[1]   ليس انتقاصا من النجاح، ولكن للتركيز على عدم ربط قيمة الحجاب وإثبات حجته بفعل المرأة، فإن نجحت رُفع من قيمة الحجاب وإن فشلت بالمفهوم الغربي اُرجع السبب لإعاقة الحجاب لها، كما لا يصح أن يقاس الإسلام وعظمته بفعل الأفراد.

[2]

Catalyst. (2020, february 5). Catalyst. Retrieved from https://www.catalyst.org/research/women-in-male-dominated-industries-and-occupations/#:~:text=%20Women%20working%20in%20male-dominated%20industries%20face%20a,mentoring%20and%20career%20development%20opportunities.%2010%20More%20

Kristin Haltinner, N. L. (2018, February 28). MDPI Open Access Journals. Women in Male-Dominated Domains, 2.1. Women in Engineering. Retrieved from https://www.mdpi.com/2076-0760/7/3/32/htm