1

الحبة الحمراء .. ردٌّ للحقوق أم هَدٌّ للرجولة؟

إن وقفت في المنتصف على مسافة متساوية من جميع التيارات والتحزُّبات، المتطرفة منها والمعتدلة، ستجد أنك محارَب من جميع الجهات. فإن كنتَ –مثلا- وسطيًّا عدولًا وانتقدت متحزبًا يمينيًّا، فسيقول عنك: تقدمي متحرر. وإن انتقدت متحزبًا يساريًّا، سيقول عنك: رجعي محافظ.

والأمر ذاته إن كنت إنسانا واقعيا وجالست إنسانا سلبيا، قال عنك متفائل ساذج. في نفس الوقت إن جالست إنسانا إيجابيا قال عنك إنك متشائم ناقم. فالوسطية توازن عقلاني في الحكم على الحالة الراهنة وما يلزمها من اعتدال. وهذا هو قدر الوسطيين مَن يمشون على الصراط المستقيم ويدعون له بعيدا عن الشطط. يروْن انحراف الآخرين عن سيرهم في حين لا يرى المنحرفون حيادهم عن سبيل الحق وهم تُبَّعٌ لأهواء دنياهم، والله أعلم بمن ضل السبيل. يقول الله تعالى {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} [الأنعام : 116].

ولقد انتقدنا التطرف في حركة النسوية الحقوقية، فاتهمونا بالذكورية وكره النساء. وفي هذا المقال ننتقد التطرف في حركات الرجال الحقوقية والتي بدأت بالانتشار في عالمنا العربي بشكل سلبي ربما أكثر من الغربي. ولا يهم إن اتُّهمنا بالتعاطف مع النساء، فالدعوة إلى سبيل الله أجلّ وأعلى من مكاسب الدنيا.

ما هي حركة الرجال الحقوقية؟

سنقدّم في البداية مقدمة سريعة عن نشأة حركة الرجال الحقوقية (MRM) والتي يقال إنها ظهرت بشكل متواضع في أواخر القرن التاسع عشر على هيئة دعوات في أعمدة المجلات ثم بدأت تأخذ شكل حركات ضعيفة غير مترابطة تركز على قضية بعينها في ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي. مع ازدياد الحراك النسوي الحقوقي وتأثيره على القوانين الوضعية في منتصف القرن العشرين ظهرت أصوات تطالب بتسليط الضوء على مشاكل الرجال بعد دراسة التأثير السوسيولوجي للنسوية.

شكّلت هذه الأصوات حركة تحرير الرجال التي كانت تؤكد على معاناة كلا الجنسين. إلا أنه لاحقا انفصلت هذه الحركة إلى مؤيدي حقوق النسوية ومناهضيها بسبب الخلاف على كون الرجال مضطهدين من النساء أم لا. ومع انتشار الانترنت مع بداية الألفية، وتوجه مناهضي النسوية للمنتديات والدردشات الإلكترونية، أصبح هناك تجمعات للرجال يتشاركون مشاكلهم الخاصة ويسخطون على استمرار الإعلام الليبرالي بتسليط الضوء على مشاكل المرأة الصحية والنفسية، ووضع مشاكلهم في الظل. وهنا ظهرت حركة (الحبة الحمراء) التي تتبنى قضايا متعددة للرجل من مثل حق الأبوة، والعنف المنزلي، ونفقة الأمهات المطلقات، وسرطان البروستات، وتعاظم عقوبة السجن على الذكور دون الإناث وغيرها من القضايا التي لم تأخذ حقها في إيجاد حلول.

استُلْهِم اسم الحركة من مشهد (مورفيوس) في فيلم (ماتركس) عندما يخيّر (نيو) بين حبة زرقاء يعود بها جاهلا لعالمه الوهمي أو حبة حمراء تكشف الغمامة عن عينيه وتريه حقيقة هذا العالم.

حتى الآن كل شيء يبدو كنتيجة طبيعية لردِّ فعلٍ على التحزب الحكومي والإعلامي لطرف على حساب طرف آخر. لكن كما هو الحال في كل الحركات التي تشكل بيئة خصبة جاذبة للأفراد الجاهلة أو ذات النزعة المتطرفة، احتضنت (الحبة الحمراء) من عانى من الظلم وملأ قلبه كراهية النساء، أو لام نفسه على ضعفه وسارع للاستقواء بمن هو أخبر؛ لأن عدد الأصوات يحتسب كيفما كان سواءً كان صاحبها متطرفا أو معتدلا، جاهلا أو متعلما.

تطورات على درب الحركة

خرجت حركة الحبة الحمراء بأفكار تنادي بإعادة الهيبة للرجل كاستراتيجية مقاومة لاستغلال المرأة حقوقها المتمددة على حساب الرجل كما تنظّر لها الحركة. فهم يرون أن هناك مشكلة في وجود فطرة عند المرأة (أو غريزة تطورت) تدفعها للارتباط بمن هو أعلى منها شأنا على عدة أصعدة، خاصة إن كان المجتمع متحررا في المواعدة بين الجنسين وترك الشريك لأجل شريك آخر. مما يعني تكرار هذا التصرف للحصول على ما هو أفضل، وهو ما يطلق عليه علميا الارتباط الفوقي(Hypergamy).

ونتيجة لتلك الممارسة فقد آلاف الآباء حضانة أبنائهم ونصف ثراوتهم، أو توالت الصدمات على فتيان في مواعدة الفتيات. لهذا السبب، تشرح الحركة لمتَّبِعيها كيف يتحول الرجل من (بيتا – تابع) إلى (ألفا – قائد). أي أن الرجل يجب أن يتحلّى بصفات القائد لجذب المرأة والسيطرة عليها وإخضاعها. لكن ليس ذلك من أجل الزواج أولا، بل من أجل التركيز على تحقيق الأهداف الأهم فلا يقع ضحية في طريق نجاحه للنساء اللواتي يردن جذبه لقفصهن ومن ثم الاستحواذ على ما يملك بالقانون إن وجدن من هو أفضل منه.

بمعنى آخر إن تحقيق الذات من خلال الثروة والمكانة الاجتماعية وغيره (حتى لو تقدم الرجل بالعمر) هو كفيل بأن يفتح كل خيارات الزواج له لاحقا من فتيات في مقتبل العمر ولا يطمحن بعدها لغيره. ودعما لهذه الاستراتيجية، توجهت الحركة لإلصاق الصفات السلبية في المرأة المنتفعة بحقوق النسوية ونددت بها، وذهب البعض لتصنيفهن في مرتبة أقل من الرجل.

في المقابل، تنعت هذه الحركة الرجال النسويين (المكتفين بالحبة الزرقاء) أو كل من ينادي بشيء من حقوق المرأة بأوصاف تنافي المروءة وتنال من أخلاقهم وتطعن في أهدافهم.

على أن حركة الحبة الحمراء ما تزال حركة حقوقية تضع قيمة للزواج في نهاية المطاف وتدعي أنها لا تكره النساء، بل فقط تتفادى ألاعيبهن.

مبادئ المراحل الأربع

لكن في ظل التطرف الشديد داخلها ومعاداة حقوق النساء ككل، ظهر مجتمع (الرجال يمضون في حال سبيلهم) أو كما يطلق عليهم اختصارًا (المغتاو -MGTOW ) والذي ينادي بالانفصال عن المجتمعات النسوية والاستقلال بذات الرجل في تدرّج على أربعة مراحل بحسب مواقعهم الإلكترونية. المرحلة الأول لا يرى الرجل قيمة في الزواج ويعتقد أن النسوية هي سبب فساد المجتمعات لكن لا بأس في أن يخوض علاقات مع النساء.

 المرحلة الثانية لا يعترف بالعلاقة طويلة الأمد مع النساء لكن يدخل في علاقات قصيرة الأمد، وهو المستوى الأخطر الذي يرفض الرجل فيه فكرة قطع النساء علاقاتهن من أجل شركاء أفضل ويعتبر ذلك عهرا. وهي الذريعة التي يُحِلُّ مجتمع (المغتاو) لنفسه بها الوصول للنساء من أجل الجنس فقط ويتفننون في إغوائهن والتقاطهن فيتحول الرجل منهم إلى ما يطلق عليه (Pick up artist). وعلى ما يبدو، يمكث أغلبية رجال (المغتاو) في هذه المرحلة.

المرحلة الثالثة، يحدد الرجل علاقته بالنساء إلى الحد الأدنى كالرهبان. المرحلة الرابعة والأخيرة وهي الأعلى مرتبة، ينفصل الرجال عن المجتمع النسوي تماما كأشباح. حينها يفترض أن تنهدم الحكومة وقوانينها بأيدي النسويات وتصبح هناك فرصة أفضل لإعادة هيكلة المجتمع. وفي سبيل تحقيق هذه الغايات، يوجّه هذا المجتمع رجاله لرفض وضع النساء قيمة لهم وتحسين شؤونهم بالتعامل مع نسائهن كطفيليات يراد الخلاص منها بأي شكل من الأشكال، كما يقدم نصائح وضيعة لطلاق رخيص أو التخلص من حمل مفاجئ يربطهم بأنثى.

الحبة الحمراء إذ تتسلّل إلى عالمنا العربي

وبينما يحارب العالم الغربي التطرف في حركات الرجال الحقوقية ويغلق صفحاتهم ومنتدياتهم المتداخلة مع نظريات المؤامرة العجيبة، تتسلل هذه الأصوات بنفس المفاهيم الغربية للعالم العربي من خلال أكثر مجتمعاته انفتاحا على العلاقات بين الجنسين. ستجد صفحات عربية على الفيسبوك وقنوات على اليوتيوب وغيرها تترجم أصوات هذه الحركات وتعرّف بها في إطار مقاومة النسوية المتغوّلة في العالم بدعم من اتفاقية سيداو ومقاومة أجندة المثليين والمتحولين. ولأن العالم العربي ما زال يعاني من قطبية الآراء والبعد عموما عن الموضوعية في الطرح والانتقاد، مال بعض مناهضو النسوية ومعارضو الجندر للالتفاف حول هذه الأصوات المسمومة والتي تزرع الشوفينية دون وعي في الذكور تجاه الإناث.

إليك هذه الاقتباسات من نصائح مريضة لإحدى الصفحات العربية المشهورة بثقافة الحبة الحمراء ويقدمها أحد المشرفين عليها لمتابعيه الشباب:

  1. (تذكر أن نسبة طلاق الموظفة هو ستُّ أضعاف ربة البيت. أنت تستحق حياة مستقرة. اختر لأطفالك أمّا متفرغة لهم لا امرأة تخدم مديرها وأبناء غيرها أكثر) – لاحظ استخدام كلمة التخديم إشارة إلى كون المرأة خادمة في العمل والمنزل.
  2. (وجهة نظر النساء المركزية السائدة اليوم تعلم الرجال فقط كيف يكونون عبيدا جيدين، وليس قادة لأسرهم ومجتمعاتهم) – لاحظ استخدام كلمة العبد نقيضا للقائد، وتمرير جواز عبودية المرأة للرجل القائد عوضا عن استخدام كلمة مثل تابع.
  3. (المتدثرة هي امرأة تعرف أن التدين يعني وجود مساءلة أقل حول ماضيها وأخلاقها، ويعطيها ميزة استخدام الدين لتضليلك والعبث بمفاهيمك) – لاحظ الخوض في شرف المرأة وإلحاق الخبث بها ونفي مسألة التوبة بأكملها.
  4. (لا تستعجل بالزواج بل ركز على طموحاتك. الزواج المبكر يناسب النساء، لكن الرجل مسؤول عن الأسرة. الزواج مكلف وليس لعبة. اطمئن، لن تفوتك الفرصة فأنت رجل ولست امرأة وعمرك مجرد رقم. قيمتك ستكون أعلى لما تبني نفسك وتؤمن بيتك ومستقبلك ومكانتك بالمجتمع) – لاحظ الإشارة بشكل غير مباشر لتدني قيمة المرأة بازدياد عمرها.
  5. (ستحتفظ المرأة بمعتقدات غير صحيحة وغير عقلانية لأن الشيء غير العقلاني المذكور يبدو جيدًا للاعتقاد. بشكل عام، لن تقوم المرأة حتى بمحاولة فهم شيء ما إذا كانت تعتقد أن الصدق المتعلق به سيزعجها عاطفيًا) – لاحظ كيف يتم تسطيح عمل عقل المرأة بشكل لا يصدق.
  6. (أصبحت القوانين تؤطر بشكل واضح لشيطنة الرجل أكثر فأكثر، لذا عليك أن تتوقف عن محاولتك بأن تكون “سوبرمان” وتقوم بإنقاذ النساء ومساعدتهن في الأماكن العامة وبيئة العمل. لقد حان الوقت يا سادة للإقلاع عن عقلية “إنقاذ امرأة في محنة”. ابدأ بوضع احتياجاتك ورغباتك أولاً. لا ينبغي أن تشعر أي امرأة بأنك مدين لها بأي نوع من المساعدة) – لاحظ كيف تطمس الرجولة والشهامة بدعوى تجنب مشاكل المرأة وتحقيق الذات.

هذا هجوم كاسح على دور المرأة وليس مجرد مجانبة للصوابية السياسية (Politically Incorrect). الكارثة الأكبر هي محاولة دمج توجيهات هذه الحركة الحقوقية للرجال وتعاليم الإسلام في القضايا الأسرية ومعاملة المرأة، شأنهم شأن النسويات المتأسلمات، ولو على حساب كافة التصادمات التي ذكرناها على سبيل المثال هنا وهي أكثر بكثير من ذلك.

مرة أخرى اقتباس من الصفحة ذاتها ونصيحة من أحد المدرِّبين: “تأمل قوله تعالى لأبينا آدم: {فَلا يُخرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشقىٰ} . فالشقاء كان لآدم وحده، لأنه الرجل، بينما حواء يأتيها رزقها وهي في بيتها) – انظر كيف يُجتزَأ الخطاب لآدم عليه السلام في الآية كما ذكر الإمام الطبري ويفسّر بقية الكلام وفقا لتوجه الحركة. حتى لو استدل بعض أهل العلم بها على تكليف الرجل، لا يعني ذلك إنكار مساعدة المرأة للرجل في تأمين الرزق وحماية العائلة. ولو قرأنا الآية التي بعدها {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} [طه: 118] وفقا لتفسير هذا المدرّب، فهل يعني ذلك أن حواء استثنيت من ذلك أيضا وكانت تجوع في الجنة أم أن العقوبة لا تقع عليها بل الجزاء فقط؟!

يقول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] من المؤسف أننا فوق استقبالنا لمشاكل مجتمعات الحداثة، نرتضي الحلول القادمة معها بحذافيرها ونجعل منها الأساس، ومن ثم نفصّل من الدين ما يلائم هذا الأساس دون مراعاة لشمولية الدين الإسلامي وكماله. والنتيجة هي بالطبع جماعة متعصبة بصبغة دينية، ولا نقول حركة حقوقية مثل الغرب لأن الديموقراطية الغربية غائبة عن المجتمعات العربية وحكوماتها بالمجمل. هذا أولا، وثانيا عقلية الرجل الشرق أوسطية تمنعه من الشكوى من ضرر المرأة النفسي. إذاً ينحصر تأثير تبني هذا التوجه لحركات الرجال الحقوقية الغربية في تغيير مفاهيم الدين لدينا فقط وتدمير وحدة بناء المجتمع الأسرية.

آفة التطرّف النسوي والذكوري!

العلة في كل هذا التطرف والندية هو تمحور كِلا الجنسين حول فكرة مركزيته أمام الآخر. ولا يتوقف الأمر عند انصياع أحدهما لحقوق الآخر، بل تهميش حقوقه أيضا وكأن القضية برمتها عبارة عن انتقام شخصي. نعم لكلا الطرفين قضايا مهمة يجب النظر بها والبت فيها لكن دون تغليبٍ لشأن أحد على الأخر وازدرائه عبر التنميط والقولبة.

كلما زاد تركيزنا على الخلافات بين الرجل والمرأة في معرض الحقوق المتاحة، زادت الهوة اتساعا وصعب مد الجسور فوقها. يقول تعالى {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم:21] إنما الراحة والألفة في تقارب الأزواج من الجنسين وليس تباعدهما.

 لدينا الكثير من نقاط الالتقاء في مصالح الزوجين المشتركة والحياة السعيدة في ود وتفاهم، وتربية جيل جديد دون المشاحنات وخيالات تحقيق الذات والاستقلال. بل إن هناك الكثير من الأزواج ممن يعيشون هذه السعادة بعيدا كل البعد عن كل هذه الفوضى المجتمعية. ولا يعني ذلك أن تفرق الزوجين غير وارد، لكن المطلوب خلق بيئة تسهل ارتباطهما بأزواج آخرين مع فرصة جديدة دون التشتت في محاولة تحطيم الشريك السابق وجنسه لأي أسباب كانت. الأسرة الهانئة والفاعلة في المجتمع لا تنجح لأن بها رجل أو امرأة، بل لأن بها رجل وامرأة. وإذا صلحت الأسرة، صلح المجتمع. وإذا صلح المجتمع، نال كل فرد فيه حقه.