1

التطوريون والتمسّح بالعلم .. كتاب (لا شيء بالصدفة) مثالاً

لا ينفكّ التطوريون يزعمون أن نظريّتهم نظريّةٌ علمية، وأن من يعترض عليها أو لا يؤمن بها أو يعارضها هم أعداء العلم والبحث العلمي، إلا أنه الدليل العلمي –في نهاية المطاف- هو أكبر أعدائهم، لأن من يقرأ كتبهم وأبحاثهم ومقالاتهم ويضعها في ميزان التحقيق العلمي الصحيح، يجد كل أدلتهم تذهبُ هباء منثوراً، ومن أمثلة ذلك كتاب (لا شيء بالصدفة) لمؤلفه (أحمد خيري العمري)، الذي صدر عن دار عصير الكتب للنشر في 520 صفحة، إلا أنه -ويا للعجب- لا يوجد في هذا الكتاب الضخم سوى بضع وثلاثين صفحة فقط تحت عنوان (أدلة التطور)!

سنعرض لأهم هذه الأدلة في السطور الآتية ونبيّن بطلانها وتهافتها، وحسبنا في نقد الكتاب أن نثبت بطلان النظرية ببطلان الأدلة العلمية المزعومة عليها، ولا يهمنا بعد ذلك ما جاء في بقية فصول الكتاب وصفحاته؛ إذ إن بطلان النظرية من الناحية العلميّة يجعل بقية ما في الكتاب حشوًا لا طائل من ورائه.

دليل التشريح المقارن

يعتبر أحمد خيري العمري أن (التشريح المقارن) هو أحد أدلة التطور، ويضع الرسم المرفق ويصفه قائلاً: “الأعضاء المتماثلة تشريحياً ذراع الإنسان، الطرف الأمامي للقطة، الزعنفة الأمامية للحوت، جناح الخفاش”[ص: 67]، ثم يتساءل مستنتجًا:

“كيف يمكن أن يكون هذا التشابه دليلًا على نظرية التطور؟ يتركّز التشابه (المتماثل – التشريحي) في المخلوقات من الأنواع المتقاربة ضمن طائفة حيوية واحدة   order   على سبيل المثال: كل الكائنات التي ذكرت في مثال الأعضاء المتماثلة: الإنسان، القط، الخفاش، الحوت تنتمي إلى طائفة الثدييات، وهذا ما يجعل العلماء يرجحون أن سبب هذا التشابه يعود إلى وجود أصل مشترك لهذه الطائفة”.

 

يا له من دليل علمي قاطع، يكفي أن يكون هناك تشابه بين توضع عظام أجنحة الخفاش وعظام أحد زعانف الحوت، ليرجّح العلماء أن لهما سَلَفًا مُشترَكًا، وهكذا تثبُت نظرية التطور.

طبعًا فإن هذا في حال إذا فرضنا صحة أن التشابه (يدل على أصل مشترك)!. وهنا نسأل: ماذا عن الفروق الأخرى بين الخفاش والحوت مثلاً؟

أكرر للتأكيد: (خفاش وحوت)، أغمضوا أعينكم أيها السادة القراء وتخيلوا الفروق بينهما، تخيلوا خفاشاً صغيراً وزنه أقل من ربع كيلو يطير في جوف الكهوف المظلمات، وحوتاً ضخماً وزنه 150  طن يمخر عباب البحار والمحيطات، تخيلوا الفروق بينهما  من ناحية الحجم والوزن وتشريح أجهزتهما المختلفة (جهاز الهضم والتنفس والجهاز العصبي والدورة الدموية و، و، و..)، وكذلك البيئة التي يعيش فيها كل منهما، ووظائف الأعضاء، وأمثلة كثيرة أخرى -يمكن كتابة مجلدات عن الفروق بينهما-، ثم حاولوا أن تقنعوا أنفسكم أن هذين الكائنين لهما أصل مشترك! وما هو الدليل؟ أن كليهما من الثديّات، ولأن توضع عظام أجنحة هذا يشبه في تركيبه توضع عظام زعنفة ذاك!.

فتأمل عزيزي القارئ، هذا المثال عن أحد (الأدلة العلمية) التي يريد العمري أن يقنعنا بواسطتها بـ (خرافة التطور).

دليل علم الأجنة المقارن

ومن أدلة نظرية التطور التي جاء بها أحمد خيري العمري في كتابه (لا شيء بالصدفة)، دليل علم الأجنة المقارن، حيث نقل أن عالماً روسياً لاحظ عام 1828 بعض الملاحظات عند دراسته لأجنة الفقاريات، منها أن “الفقاريات المعقدة والبسيطة تتشابه في المراحل الجنينية الأولى فقط، وتختلف في مراحل لاحقة وكذلك في الشكل النهائي للبالغ”، وأن دارون وجد أن هذه الملاحظات “يمكن أن تكون دليلاً قويًّا لصالح وجود أصل مشترك لأنواع مختلفة ووجود علاقة قربى بين مختلف الأنواع”؛ ومن ثمّ يستنتج الكاتب من كل ذلك ما يلي: “تقدم نظرية التطور تفسيرًا علمياً لهذه التشابهات في المراحل الجنينية المبكرة بين الفقاريات”.

وهنا لا بد أن نقول باختصار شديد:

  1. لا يوجد أي دليل علمي على أن تشابه الأجنة في المراحل المبكرة يدل على وجود أصل مشترك، فهذا الادعاء مجرد فرضية وضعها دارون وليس لها برهان، ثم هل يمكن تصور أن الإنسان والدجاجة –مثلًا- أقرباء لأن جنينَيهما متشابهان في مراحل تكوّنهما المبكرة؟
  2. التشابه المزعوم غير صحيح، لأن العالم الذي وضع هذه الملاحظة قبل حوالي قرنين لم تكن عنده مجاهر إلكترونية لتبيّن له الفرق بين خلايا هذه الأجنة، ومن هذه الاختلافات الفروق الكبرى في الـ NDA بين خلايا الطيور والأسماك والبشر، في حين أن الرسوم التي وضعها العمري كدليل، كالرسم المرفَق، تجعل من التشابه الخارجي في “الشقوق الخيشومية لفقاريات مختلفة” كافيًا لاعتبار الأجنة متشابهة والبناء على هذا التشابه.
  3. في البداية قال الكاتب إن دارون استنتج صلة قرابة من التشابهات الجنينيّة، ولكن في خاتمة كلامه قال: إن نظرية دارون تعطي تفسيراً علمياً لهذه التشابهات، أي أنه في استنتاجه هذا اعتبر أن النظرية صحيحة وأنها هي التفسير الوحيد المقبول لهذا التشابه، وهذا منطق مقلوب، فالأصل أن يثبت بالدليل العلمي -إن استطاع- أن التشابه يدل على صحة النظرية، لا أن يعتبر النظرية صحيحة ويقول إنها تفسّر التشابه.

دليل سجل الأحافير

وتحت عنوان (بقايا المخلوقات-السجل الأحفوري) ضمن قسم (أدلة نظرية التطور)، يضع لنا أحمد خيري العمري رسماً توضيحيّاً لما يفترض أنه يمثّل تطور الأسماك إلى كائنات برية [ص: 81] ونجد في الرسم سمكة (تيكتالك) التي يعتبرها التطوريون دليلا على حدوث هذا التطور ويزعمون أنها حلقة وسيطة بين الأسماك والحيوانات البرية، وقد كتب أحمد خيري العمري تعليقاً على هذا الشكل قائلاً: “لكن أحفورة أخرى عثر عليها في عام 2006 قدمت اكتشافاً أهم بكثير، إذ كانت تعود لمخلوق شبه كامل سمي بــ (تكتالك (Tiktaalik يملك غلاصم وحراشف وزعانف مثل أي سمكة، ولكن رأسه كان مسطحا مثل رأس التمساح، وزعانفه كانت مزودة بعظام قوية تسمح له بأن تحمل ثقله. وهذه ً الصفات تشير إلى أن هذا المخلوق ربما كان قادرا على الخروج من المياه ولو لفترة قصيرة” [ص: 80]

إذًا -بحسب العمري- يكفي أن تكون زعانف التيكتاليك قوية تسمح له بأن تحمل ثقله لنستنتج أنه (ربما) كان قادرًا على الخروج من المياه ولو لفترة قصيرة، ولكن العمري في الفقرة نفسها، كتب أن التيكتاليك يملك غلاصم، فكيف سيتنفّس خارج الماء؟

إن الرسم المرفق مع كلام العمري أقرب إلى الكاريكاتير منه إلى الرسم العلمي، فعلى يسار الصورة سمكة تسبح في الماء، وعلى يمينها حيوان بري يمشي على أربع، وبينهما (التيكتاليك) ترفع رأسها خارج الماء، بغلاصمها التي لا تصلح للتنفس إلا تحت الماء، ولو خرجت لماتت اختناقًا خلال دقائق.

يمكن أن نكتب مجلداً في الحد الأدنى من الفروق بين أي كائن برمائي وبين الأسماك، من تشريحها ووظائف أعضائها، فليس الأمر مجرد (زعانف قوية) لتمشي بها على البر، فعلى سبيل المثال، يجب تعديل عظم الحوض ليحمل الأرجل، وتطوير الحراشف لتصبح جلداً، وتغيير حجم الجمجمة بما يناسب حجم الدماغ الجديد، وتطوير العين ليضاف إليها أجفان تحمي عيون الحيوان البري من الغبار على اليابسة، وتطوير جهاز الهضم ليأكل ما يجده الحيوان على البر وهو يختلف عما تأكله الأسماك في البحر، ولا بد فوق ذلك من تعديلات جذرية على الجهاز العصبي ليتحكّم بالأعضاء الجديدة، وتعديل جهاز التنفس الذي يعتمد على الغلاصم في استخلاص الأوكسيجين من الماء إلى جهاز تنفس قادر على استخلاصه من الهواء مباشرة، وغير ذلك الكثير.

لنسأل التطوريين الآن: هل حصلت كل هذه التغيرات على السمكة قبل خروجها من الماء أم بعد خروجها؟ إن حصلت قبل خروجها فما حاجتها إليها؟ كان الأولى بالاصطفاء الطبيعي ألّا يحتفظ بها -على فرض أنها حصلت- لأنها لا فائدة منها، ولو حصلت بعد خروج السمكة من الماء لماتت السمكة قبل أن تحدث هذه التغيرات المفترضة، فلن تبقى على قيد الحياة أكثر من بضع دقائق لأن غلاصمها لن تستطيع التنفّس خارج الماء.

وبعد ذلك، يغضبون إن وصفنا نظرية التطور (خرافة)، بل هي في الحقيقة مجموعة من الخرافات، وخروج الأسماك من الماء لتتطور إلى حيوانات برية هي واحدة من بينها.

دليل التشابه الجيني

ومن الأدلة التي جاء بها العمري على التطور في كتابه (لا شيء بالصدفة)، دليل مقارنة الحمض النووي للكائنات المختلفة، مثل التشابه الجيني بين الإنسان والشمبانزي، والذي ركز عليه الكاتب على اعتبار أن الشمبانزي هو أقرب الكائنات قرابة للإنسان، ولنا على ما جاء في الكتاب حول هذا الموضوع ملاحظات:

  1. جميع المقارنات التي جرت بين جينوم الإنسان والشمبانزي جرت على أجزاء من الجينوم ولم تجر عليه كله حرفًا حرفًا، وهي لذلك لا يمكن اعتمادها لاستنتاج نسب صحيحة نقيم عليها أدلة.
  2. وافق الكاتب في أن النسبة المحسوبة تختلف باختلاف طريقة حسابها، ومعظم المراجع التي وضعها الكاتب في هامش كتابه تتكلم عن نتائج الأبحاث وقليل منها يعرج باختصار على طرق البحث.
  3. ما لم يذكرهّ الكاتب ولا المراجع التي اختارها أن البرمجيات التي استخدمت لحساب هذه النسب مصمّمة على افتراض أن التطور موجود، وهذا يشكّك في نتائجها.
  4. رغم كل ذلك فإن نتائج المقارنات المختلفة تأتي بنسب للفروق بين جينات الشمبانزي والإنسان تتراوح بين 1.2% كحد أدنى، وبين 20% كحد أقصى.
  5. الجينات هي برمجيات مكتوبة بلغة من أربع أحرف، وهي برمجيات مذهلة معقدة تركت بيل غيتس يقول إن هذه البرمجيات أكثر تعقيداً من أي برمجيات يمكن أن يكتبها البشر، ونستنتج من هذا أن المقارنة بين جينات الكائنات المختلفة لا تكون (بالكيلو) أي بِنِسَب وكمّيّات، لأن البرمجيات ليست نصوصاً عادية، ذلك أن أدنى تعديل عليها قد يؤدي إلى تغيير كامل في وظائفها، لذلك فإن الله تعالى قد زوّد الخلايا ببرامج إضافية لتقوم بتدقيق برمجيات الجينات وتصحيحها عند نسخها لتقوم بوظائفها، وهو أمر يطول شرحه وليس هذا مقامه.
  6. رغم كل ما سبق، وهو يكفي للإعراض عن استخدام التشابه الجيني دليلاً داعمًا للتطور، دعونا نعتبر جدلاً أن نسبة 5% التي ذكرها الكاتب في كتابه هي نسبة مقبولة لاختلاف جينات البشر عن الشمبانزي. (وليس الحد الأقصى 20% كما تقول دراسات أخرى)، فإذا علمنا أن جينات البشر برمجيات تتألف من 3,200,000,000 (ثلاثة مليارات ومائتي مليون) حرف، فهذا يعني أن هناك اختلافاً مقداره 115,000,000 (مائة وخمسة عشر مليون حرف) بين برمجيات الإنسان والشمبانزي، وهو رقم ضخم جداً في عالم البرمجيات، يجعل الفروق هائلة بين الكائنين، وهذا واضح جداً للعيان حين ننظر إلى كل منهما في الطبيعة، فالفروق بين الشمبانزي والإنسان هائلة، بل إنه من الممكن أن تُكتَب مجلدات ضخمة في بيانها، وعادة يركز من يكتبون عن هذا الموضوع من التطوريين على النسبة ولا يذكرون الأرقام!
  7. أخيراً، فإن استدلال العمري – رغم كل ما سبق- على التشابه الجيني بوصفه دليلًا على التطور، هو استدلال دائري غير مقبول، يقول العمري في نهاية كلامه عن هذا الأمر: “نظرية التطور تقدم تفسيرًا لهذه التشابهات في الجينات ونسبها المختلفة بين الأنواع”. فهو يعتبر التطور حقيقة مسلَّمٌ بها ويفسر التشابه الجيني المزعوم على أساسها، والأصل أن يستدل بالتشابه الجيني على صحة النظرية بأدلة قاطعة، ولا يفعل التطوريون ذلك، بل يعكسون المنطق العلمي، لأن دلالة التشابه الجيني على تطور نوع من نوع هو مجرد فرضية لا برهان عليها.

يكفي تفنيد هذه الأدلة، وهي أهم ما استند عليه الكاتب في إثبات النظرية، لنعلم أن الدليل العلمي الحقيقي هو أول أعداء هذه النظرية، وهو الكفيل بنزع صفة العلم عنها وتصنيفها في خانة الخرافة.
وبالمناسبة، فإن هذه الأدلة مأخوذة بطريقة القص واللصق من كتب وأبحاث التطوريين الملحدين ولاسيما ريتشارد داوكنز، الذين يعتقدون أن التطور يحدث بالصدفية والعشوائية، ثم يضيف التطوريون المسلمون إليها عبارة (ولكن التطور يحدث بتوجيه من الله)، وكأنهم ينسبون العشوائية إلى الله تعالى، ونحن نقول لهم: (أثبتوا أولًا بالدليل العلمي أن التطور قد حدث، ثم قولوا: إنه موجه).

ورغم أنه التطوريين يفشلون في تقديم الدليل العلمي على خرافتهم، إلا أنهم يزعمون اتباعهم المنهج العلمي، وأن من يخالفهم هم أعداء العلم والعلماء، ولذا لا غرابة أن ينطبق عليهم المثل القائل: (رمتني بدائها وانسلــَّـت)!