1

البحث العلمي جوهر التنمية وصانع النهضة

يعدّ البحث العلميّ الغاية الأهم من وجود الجامعات والمدارس الأكاديمية والركن الأسمى في عملها والمؤسسات التربوية الحاضنة للعلم والمعرفة، كما أن الجامعات الرائدة في واقعنا المعاصر، هي التي أدركت أهمية البحث العلمي في عالم متغير وسريع، وعاصف بالأزمات المتنامية، وتستطيع من خلال منظومة شاملة في البحث العلمي أن تواكب التطورات التي تنشأ في بيئة الأعمال وتواجه الأزمات والتحديات المتعاظمة التي تعصف بمكونات المؤسسات والمجتمع.

يعتبر الاهتمام بالبحث العلمي والتوجه نحو ترسيخ وجوده وتعزيز آليات التعامل معه من أهم مكونات العمل الاستراتيجي للمؤسسات وأبرز ملامح ومعالم الفكر المعاصر، فتقدم الأمم والدول يقاس بمدى التقدم البحثي، والذي يحسب دائما كأحد وأهم نتائج تطوير وتقدّم الدراسات العليا، والتي بدورها تمثل المورد الأهم للبحث العلمي حيث الأسلوب المثالي لتكوين وصناعة العلماء والباحثين والمفكرين.

تعزيز الجدّية .. الأهميّة والضرورة

يأتي تطوير البحث العلمي والاهتمام به على قائمة الاستراتيجيات الأهم كون ذلك مرتبط بالتنمية الشاملة في المجالات المختلفة وإلى جانب توظيفه لحل المشكلات المطروحة أمام المؤسسات وظروف المجتمع وأحوال الأمم، ولذا فإن تعزيز البحث العلمي سينعكس إيجابًا على مكونات المجتمع بشكل متكامل، ويعتبر أحد المفاتيح التي تجد الجامعات اليوم نفسها على مفترق الطرق عنده ولا سيما في السنوات الأخيرة، وبالتالي فإن مشاركة البحث العلمي في مواجهة المشكلات الخاصة بالتنمية والتصدي للأزمات المختلفة أصبحت أولوية قصوى لدى صناع القرار، والعمل على إنتاج كوادر علمية تخدم قضايا التنمية والعمل على إحداث نقلة نوعية في الدراسات المختلفة تكون محورًا ومرتكزًا أساسيًّا للتقدم وتعزيز التنمية وتحقيق النهضة.

تهتمّ الدول المتقدمة بالبحث العلمي وتولي له أولوية كبيرة في خططها التنموية، وتخصص نسبة كبيرة من دخلها القومي لتمويل البحث العلمي في الجامعات ومراكز الأبحاث التي تعتبر الحاضنة المركزية للإبداع والابتكار، ولذلك نرى أن مقدار ما تخصصه الدول المتقدمة للبحث العلمي بالنسبة لدخلها القومي مرتفع، كما أن المتتبع للتطور الذي حققته دول جنوب وشرق آسيا يرى أن اهتمامها بالبحث العلمي هو المحرك الرئيس لهذا التطور، إذ أولت هذه الدول أهمية متزايدة للبحوث والتطوير والابتكار، وتجربة كوريا الجنوبية وماليزيا خير مثال وتجربة مدروسة ومخطط لها، فبفضل السياسة البحثية العلمية والتقنية، حققوا إنجازات حافلة ومتقدمة عالمياً، وتعظيم الجهود الوطنية للتنمية الصناعية والمنافسة على المستوى العالمي في المشاريع البحثية المستقبلية.

إنه من المهم إعطاء الأولوية للتنمية العلمية التي أصبحت الدعامة الأساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، بدلًا من الدوران حول الذات وتكرار ما ينتجه الآخرون، فالجامعات والمراكز البحثية العربية بحاجة ماسة لأن تقوم بتقييم واقع البحث العلمي ومدى مساهمته في التنمية، فبدون تقدم علمي  لن تكون هناك تنمية قوية، والأبحاث والدراسات العلمية لا تنحصر في مجال الاختراعات ومجالي العلوم والهندسة، بل تشمل جميع المجالات العلمية بما فيها الاقتصاد والإدارة والاجتماع، ولتحقيق ذلك يجب تشكيل هيئة عليا للبحث العلمي ترعى تحقيق هذا الهدف، وتنسج منظومة عمل متكاملة لتطوير وتعميق البحث العلمي في مؤسساتنا عبر استراتيجية وطنية وخطط فاعلة، ومن ثم وضع الخطط الدقيقة لإحداث قفزات كمية ونوعية في مجال البحث العلمي حتى نصنع حضارة مشرقة.

صناعة الأفكار

وُلدت أولى مراكز التفكير والبحث العلمي –السياسيّة والفكرية- تاريخيًّا في الولايات المتحدة، وبات عدد مراكزها يزيد الآن عن 1500 مركز، تؤسّس لشبكة قوية ومهمة بين نحو 5465 مركزٍ يعمل في 170 بلدًا، وهذا يشير إلى أنّ نسبة المراكز الأمريكية في العالم تصل إلى 58% من مجموع مراكز التفكير الاستراتيجي، وجلّ هذه المراكز أنشئ بعد إسقاط جدار برلين، أي في السنوات الثلاثين الماضية.

تستثمر الولايات المتحدة في “سوق الأفكار” أكثر ممن سواها، فقد أنفقت في عام 2008 نحو 561 مليون دولار على ثمانية من المراكز العشر الأوائل التي لديها، مقابل 112 مليون دولار أنفقت على معظم المراكز الاستراتيجيّة في أوروبا، ويلف المؤلف إلى أن أعداد الباحثين في هذه المراكز يفوقون نظراءهم في أوروبا، فباحثو مركز راند الشهير يتفوق عددهم على الباحثين في كافة المراكز الأوروبية بالرغم من أن ميزانية مركز راند أقل من ميزانية مراكز أخرى في الولايات المتحدة كمركز ميترا التابع لوزارة الدفاع الأمريكية والذي يخصص له سنويا قرابة مليار و300 مليون دولار.

بالرغم من ذلك فإن هذه المراكز تعمل على بحث عُقَد محددة دون فهم كافة التيارات والمذاهب والأفكار الموجودة في هذه النقاط الجغرافية، مما يجعل حكمها القيمي على هذه المناطق متحيزًا [صناعة العدو، بيير كونيسا، ص:59- 61]

آمال وآفاق

في ظل جائحة كورونا تعاظمت المسؤولية على صعيد جامعاتنا العربية ومراكز التفكير والدراسات، وذلك بهدف تقديم الحلول المناسبة والاقتراحات الملائمة لتجاوز الخلل الاقتصادي والفكري والطبي الذي سببه هذا الوباء، كما أننا بحاجة لذلك كله لنتعلم الدرس جيداً.

إلا أن نتاجنا البحثي ما زال ضعيفًا ومتأخرًا، ولا بد لتجاوز ذلك من العمل وفق منظومة فاعلة ونظرة استشرافية للمستقبل، مع البدء بنقل التقنيات الحديثة للجامعات العربية وتوطين مناهج البحث الرصينة وتسخير ذلك كله لتلبية حاجات المجتمع وتحويل المجتمعات الأكاديمية إلى مجتمعات بحثية رائدة.

وهنا يجب على الجامعات العربية والمراكز البحثية مضاعفة جهودها لتصل إلى مستوى لائق من الشراكات المحلية والعالمية لخدمة المجتمع المعرفي ونشر ثقافة البحث العلمي في المجتمع العربي، والاستثمار في صناعة وتطوير المعرفة، إضافة إلى توفير البيئة المناسبة لإجراء الأبحاث العلمية المجدية وتوفير فرص الاستثمار المتنوعة لخدمة الاقتصاد، وسيسهم ذلك كله في تحقيق توجه الجامعات العربية والمجتمع العربي نحو التحول إلى مجتمع معرفي متكامل يحقق مزيدًا من الاهتمام بالعلم والأبحاث، ويعزز الدور الذي يمكن أن تؤديه مؤسساتنا العلمية من أجل الاستفادة منها في التطبيقات الصناعية والتجارية، كما يهدف إلى المساهمة الفعالة في تطوير اقتصاد المعرفة، عبر تعزيز الشراكة بين المؤسسات التعليمية ومجتمع الأعمال والاستثمار على أسس تجارية، من خلال الاستثمار في المشاريع المشتركة التي تصقل الخبرات والتطبيق العملي لطلبة الجامعات وأساتذتها.

إن الظروف مواتية لتعظيم البحث العلمي والانطلاق نحو فجر جديد وعالم آخر مختلف، والانتقال إلى صفوف البلاد المتقدمة التي استخدمت أساليب البحث العلمي ضمن رؤية مستقبلية واضحة لتغيير أحوالها، وكان لديها الإيمان الواسع بأهمية هذه الأساليب، وامتلكت الثقة بقدرتها على تحقيق خططها، ولديها الاستعداد الكامل والرغبة الحقيقية للاستفادة من عقول أبنائها ومهاراتهم.