1

الالتزام بين الواقع والتصورات

إن الحديث عن أي موضوع أو قضية يقتضي الإحاطة والإلمام بالصورة الكاملة لها، ووضعها ضمن محددات وسياق يوضح معالمها بشكل ينزع أي لبس محتمل عنها، وإلا غدت منزوعة المعنى، مشوّهة المبنى.

بكل تأكيد فإن الأمر يصبح ذا خطورة أكثر إن كانت هذه الصورة المجتزأة -أو المبعَّضة- تضرب في صميم عقيدة الفرد منا، بحيث يختل ميزان الثوابت والمتغيرات عنده أو يعيش بتصور أجوف ضبابيّ على أساس أنه الصواب الذي لا غبش فيه!.

يظهر هذا جليًّا في التصورات المغلوطة عن الالتزام والتدين –عمومًا- التي قد يؤمل بها بعضنا البعض أحيانًا، فتراه مقبلًا بشعلة حماس متقدة، متصوِّرًا أن مجرد التدين سيفتح له أبواب الرزق ويكفيه مؤنة السعي والطلب، حتى إذا ما شُرع الباب أمامه و وأبانت الطريق عن وعورتها ولَّى مدبرًا كأنما سيق مكرها إليها!.

ومن المعلوم أن الإنسان -بطبعه- عندما يذوق حلاوة شيء ما، بعد لغوب طويل أصابه، تجده يسارع لاقتسام ما ذاقه مع من يحبهم أو من يرتعون في ذات الوسط الذي خرج منه! فتزدحم الكلمات والعبارات في فمه، محاولاً جاهدًا اختيار أجملها وأطيبها لسحبهم إليه؛ لكن كل العبارات قد لا تسعفه لبلوغ مرامه، وهذا كما قال د.فريد الأنصاري رحمه الله راجع إلى كون أن “كل حقائق الذوق في الحسيات والمعنويات لا تُدرَك إلا بالتجربة؛ فلتدرك الحقيقة كما أُدركها أنا، يجب عليك أن تذوق أنت أيضًا”، ولتوضيح الفكرة يضرب رحمه الله مثالًا بالموت، فالإنسان لا يذوق الموت ويدرك حقيقته إلا عندما يموت. ويمكن بالتالي أن يقاس على ذلك سائر الحقائق، والالتزام أحدها!

إلا أن هذا الأمر مما قد لا ينجح صاحبنا المذكور في إيصال تصور واضح عنه، كما أنه من حرصه الشديد قد يلجأ إلى تلميع الحقيقة وإلباسها ثوبًا من الرخاء والراحة على نحو مبالغ فيه حتى يكاد يصور الالتزام وكأنه الجنة التي لا يظمأ الإنسان فيها ولا يعرى ولا يشقى!

لا تجعل الحقيقة عضين

إن الصورة الكاملة لواقع الالتزام، أكبر من اختزالها في الراحة والطمأنينة وغيرها من العبارات التي تشعل فتيل الرغبة في التدين واللحاق بركب السرور والحبور، وكأنه التعويذة السحرية لحل سائر مشاكل الحياة!

فيكون الدافع والمحرك ابتداءً هو تحصيل اللذة الحاضرة والسكينة الأزلية-المزعومة-، دونما نظر إلى ما تمليه معطيات الواقع المتشعبة الذي يقتضي المجاهدة و”أن تذوق كل نفس حظها من الابتلاء وحظها من المحنة، لأن المحنة أشبه ما تكون بالنار التي تبرد الحديد وتصفي الذهب” [فريد الأنصاري، خُلُق الصبر: مادة مرئية].

فالصورة الكاملة -إذًا- تشمل الراحة كما تشمل ضرورة المجاهدة والسعي، و إلا سيكون المآل الحتمي لهذا التصور المجتزأ هو سهولة ترك الفرد-المتديّن الجديد- للطريق عند أول صدمة تهدد راحته لأن رياحها أتت على غير ما أمِل فيه.

إن الالتزام في مجمله خضوع وتسليم لما أمر الله به عز وجل عباده من ذكر أو أنثى، وهو بناء قوامه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] لذا إن حصل وتصدّرت للحديث عنه، فأخبر مستمعك الحقيقة كاملة ولا تجعلها عضين، فالواقع سيمحق كل ما حرصت على زرعه بداخله، فحري بك أن تبسط للطرف المقابل الحقائق على وجه غير منمَّق، ودع مسطرة الصدق تأخذ مجراها، فإن صدق جاء مجرورًا مكبّلًا باحثًا عن رشفة لا تظمأ روحه وراءها ولا تشقى.

أما أن تزيف الحقيقة له ظنًّا منّك أنّك مددته بطوق النجاة، فأنت في الحقيقة لم تزد على أن سلّمته لأمواج الأوهام تتلقّفه، وحملته على قارب مخروق متهالك مآله الغرق! حيث إنك زرعت مفاهيم مغلوطة في ذهنه، وسرت مدفوعًا بعاطفة لا عقال لها، أما ما تسمّيه رفقا ورحمة به-ريثما يعتاد – فهو تصوّر أجوف سرعان ما ستكشف الأيام نقصه وعورته.

مظاهر من الخطاب المجتزأ

ثمة الكثير من المظاهر التي تظهِر لنا آليات اجتزاء الخطاب الدعوي المحسّن لضرورة الالتزام، من خلال اختزاله ضمن شعارات أو صورٍ تجمّل وتيسّر من الحياةِ في إطار الالتزام، أعرض بعضها في الآتي:

تفاءل.. ستجد

يضيرنا كلنا رؤية شخص ساغب لاغب، متعب الروح وذابل المحيّا؛ بل كل يحاول تعزيته ومواساته قدر المستطاع، وهناك من يحاول –لشدة حرصه- اغتنام الفرصة وسحب الناس من طريق الضلال إلى سبيل الرشاد، فيملأ وسطه الدعوي بعبارات من قبيل (حاشا، أتدعوه ولا يستجيب؟)، أو (تفاءل ستجد)!

واللبس هنا ليس في جمال التفاؤل أو السعي لمنع الناس منه، فليس ثمة إشكال في أن يتفاءل الإنسان ويوقن بالاستجابة؛ وإنما في الطبيعة التي تكسو هذا التفاؤل والصورة الوردية التي لا ينفك المرء عن تصويرها وزرعها في نفوس الناس من حوله.

إن التفاؤل مطلوب، لكن من الحري على الإنسان والداعية أن يضعه ضمن صورة واضحة الملامح!، فالتفاؤل بالشر -على غير السائد- الأصل فيه الاعتقاد بأن هذا الشر مهما بلغ مداه ظاهره الشقاء والعذاب، وباطنه الرحمة مما يفضي إلى قبوله ومحاولة التكيّف معه وإن لم تظهر بوادر الخير والحكمة الكامنة فيه.

أما التفاؤل السائد بمعناه السطحي المتفلّت من عقال الواقعية، المحمل بالآمال والأمنيات التي لا حدود ولا سقف لها، فسرعان ما يهوي بصاحبه إلى وادٍ سحيق! وبهذا بدل أن ينقذ صاحبه، فإنه يسحبه من فجٍّ إلى فج أعمق.

بالحجاب أجمل!

من المظاهر الشائعة الأخرى -على سبيل المثال- أن بعض الفتيات -على سبيل الحصر والتمثيل لا التعميم- من حرصهن ورغبتهن في بث حب الحجاب في قريناتهن قد يُبدين حقائق عنه منافية للمنطق، وفطرة الأنثى التي تقضي برغبتها في إبداء زينتها، وحقيقة أنها أجمل بدون الحجاب!

يمكن أن نتفهّم جوهر رؤيتهن هنا، إنهن يحاولن بهذا الشكل إقناع الفتاة بما يكذِّب بصرها وما تراه وتجده في نفسها، حتى إن حصل واقتنعت هذه الفتاة بالحجاب، فهي –في كثير من الأحيان- حقيقة لم تلتزم تسليمًا وتحقيقًا لعبوديتها، وإنما لأنها وجدت فيه ما يوافق هوىً عندها.

وبهذا يكون الخطاب موافقًا لهوى الإنسان، وغير محكوم بضوابط تقيه الانفلات من دائرة المعقولية، وبدل أن تحتكم التشريعات للمسطرة الإلهية، فإنها تحتكم لما يمليه هوى الإنسان. فينأى الخطاب عن معيار “ولا يُعبَد الله إلا بما أمر وشرع لا بأهواء الناس وموضاتهم” [فريد الأنصاري، سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة]

الحجاب وفي الدعوة إليه قد يكون هناك تصور خاطئ عن الالتزام

بين الجهل والعاطفة و”الأنا”

إن التصدر للحديث عن تفاصيل مفصلية في حياة الفرد الآخر، يوجب على المتصدّر أن يسأل نفسه بصدق: هل كلامي وتقديمي للموضوع مبني على علم أم جهل؟ إذ أنه من الجدير الإشارة إلى أن الإنسان حال خوضه غمار الإقناع عليه أن يكون ملمًّا بالقدر الكافي من العلم! فلا تكفي هنا أنصاف المعلومات أو أشباهها، فيجد نفسه في المحصلة يسد الثغرات بالمتاح حتى يتمم البناء، فالجهل يمكن اعتباره أول عوامل هذا الخطاب المجتزأ، ثم تأتي العاطفة غير المنضبطة سببًا ثانيًا، حيث تُلجئ المخاطِب إلى رفع سقف النعيم على نحو مهوَّل فيه بما يتناسب مع رغبة الآخر وأهوائه، أملًا في أن تستقيم رؤيته مع الوقت ولو من باب الاحتمال وهو ما قد يحصل، كما قد لا يحصل لو باحتمال ١٪.

أما المعول الرئيسي في اتساع الفجوة بين التصور والواقع فهو حب الظهور على حساب الدين! واتخاذه جسرًا لبلوغ المآرب الدنيوية وحشد الجموع بإلقاء عبارات تدغدغ مشاعر المتلقي مع التركيز على ترسيخ أنّ “الدين يُسْرٌ”! ولذا فإن التجرد والصدق عامل مهم في اكتمال منظومة بناء الرؤية الواضحة.

استقم كما أُمِرت .. لا كما تريد

في المحصّلة نجد أن خطاب الالتزام البعيد عن الإحاطة بكامل الصورة، أقرب إلى كونه خطابًا أجوف يُسكِن الفرد في برج عاجي محفوف بالأمنيات والأماني، ومن ثم يغدو نزوله إلى أرض الواقع شاقًّا ومضنيًا، بل ربما تأتي النتائج ضمن شكل عكسي يقضي بأن كل ملتزم أو متدين تعيس يفضي به أخيرًا إلى التساؤل: ما الذي دفعني للالتزام؟ بل حتى إن كانت النوايا سليمة في الأصل غير أن: الغاية لا تبرر الوسيلة؛ لأن الثمن غال.