1

الإيمان والوجود .. لماذا نكترث؟

الإيمان بالله دعوة الرسل كلهم في كل زمان ومكان، ومن المعلوم أن طرقهم في الدعوة قد تعددت باختلاف العباد والبلاد، وقد سرد القرآن الكريم تلك الأساليب لتتكون منها الطريقة الواضحة الموصلة لمعرفة الله، سواء بضرب الأمثال، أو الدعوة للتفكر بما يناسب الفطرة فلا تنفر منه النفوس، مما يمنحنا دروس جليلة ينبغي التوقف عندها!

دروس من القرآن

ولعل أهم تلك الدروس، التأكيد على أن الدين لم يكن بلا أدلة ربانية، وأن الله لم يطالبنا بإحضار أدلة تؤكده وتثبت حقيقته، بل إن الدين أنزل ومعه الأدلة المثبتة صدقه، بل إن الأمر أبعد من ذلك، فإنا لسنا مطالبين فحسب بأن نؤلف منهجًا دقيقًا لترتيب الأدلة القرآنية والنبوية في الإقناع. بل جاء الدين بمنهجية الإقناع أيضًا.

لم يكن القرآن الكريم مدرسة من مدارس الفكر والفلسفة بين عدة مدراس، بل إن منهجية القرآن في الإقناع هي الطريق المتكامل، وهي بمثابة أقصر الطرق وأسرعها إلى الحقيقة، رغم أنها ليست الوحيدة.

عطفًا على ما تقدّم، نرى أن كثيرًا من الناس يقتنع بوجود الله عبر الخوض في الفلسفات والأفكار المجرّدة، وهنا ينبغي القول: إن الفلسفة قد توصلك إلى الإيمان بالله، ولكنها ليست الطريق الأفضل لعموم الناس، وكذا عندما تخوض في العلم الكوني التجريبي كالفلك والكيمياء والفيزياء، وتنصت جيدا إلى المكتشفات المذهلة في تلك العلوم، فلعلّك تقتنع بوجود الله في زمن أقل بكثير وبجهد أقل من زميلك الذي آمن عن طريق الفلسفة.

من هنا، ينبغي الإشارة إلى هي منهجية القران في الإقناع بوجود الله والإيمان به تتأسس على العقل الباحث في الطبيعة، كما في قوله تعالى: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ۚ وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [يونس: 101]. وهذه المنهجية ليست الوحيدة بكل تأكيد، ولكنها المنهجية الأسهل والأقصر والأقرب لأغلب عقول الناس وقلوبهم.

إن العقيدة أساس الدين كله، ومعلوم أن العقيدة تُؤسَّس على كلمة (لا إله الا الله. محمد رسول الله). وكما أن الدخول في الاسلام يبدأ بتصديق هاتين الشهادتين، فإن الشك في الإسلام أو الخروج منه يبدأ بالطعن أو تكذيب احدى هاتين الشهادتين.

البحث عن التشخيص الصحيح

تبدأ مهمة الداعية والمفكر المسلم في تشخيص داء المتشكك، بهدف فهم منبع الشك لديه، أي في فهم أي جزء من الشهادتين ينبعث شكه، ثم يبدأ في معالجة الداء من الجذور.

على سبيل المثال، بدلًا من أن نجادل الإنسان الطاعن في العبادات والشريعة بحجة أنها أفكار وأفعال بلا أي معنى، علينا أن نبحث عن طريقة لترسيخ كلمة “محمد رسول الله” في قلبه، بإقناعه في أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول من الله لا مدعٍ للنبوة، وأنه لا ينطق عن الهوى، وأن الدين الذي جاء به منزَل من إله عليم حكيم، يعلم الإنسان وما يصلحه، حكيم لا يشرعُ أي شيء عبثًا، وكل أفعاله وراءها حكمة وإن خفيت عنا.

إن مشكلة الإنسان الرافض للعبادات –في الحقيقة- ليست في أن العبادات وأحكام الشرع بلا معنى، بقدر ما أن مشكلته –الخفية- تتمثّل في شكّه وعدم تصديقه في أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًّا، ومن ثمّ فإنه يرى في قرارة نفسه صعوبة تصديق ما جاء به من عبادات وشرائع..

وفي مثال آخر، فإنه من الأولى لنا –بدلًا من الجدال- مع إنسان يدعي أن “الله مجرد فكرة صنعتها البشر” علينا أن نكشف عن الخلل في فهمه لكلمة “لا إله إلا الله” في قلبه، وأن نحرص على إقناعه بأن الإيمان بوجود الله نابع عن أدلة عقلية ومنهج علمي دقيق، لا أنه وهم صدقناه لتلبية ما يسمى بـالحاجات الروحانية وأمنياتنا في وجود معنى للحياة، كما أنه ليس نوعًا من أنواع تمني حياة أخرى وجنة الخلد لشدة عدم تقبلنا للحقيقة الموت والفناء.

فعلينا –والحال هكذا- أن نسعى لكشف جذر الخطأ في السؤال بدلًا من الانشغال بالإجابة على السؤال نفسه والدوران مع المتشكّك في حلْقة مفرغة، فذلك هو الأمر في أغلب أسئلة المتشككين غير الباحثين عن الحق.

بهذا فإننا نسلك الطريق الواقعي نحو التشخيص الصحيح، فنعرف من أين نبدأ، وهذا ما تمليه علينا منهجية القران، فنبدأ الطريق من أوضح الخطوات فيه، ثم نسير في الإقناع لنصل بأسرع وأقصر طريق. وهذه –بالتأكيد- أيسر من سبل الإقناع الأخرى القائمة على التطويل وسرد الشكوك ومحاولة الإجابة عنها بما لا يشفي عليلًا ويروي غليلًا..

درجات وخطوات

تخيل أننا أمام إنسان لا يؤمن بأي شيء من الحقائق الدينية، فكيف سنقنعه؟!

يعلم جميع المسلمين أن العقيدة الإسلامية أساسها (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وهذا يوحي أن الاقتناع بتلك الشهادتين هي نقطة النهاية في الحديث مع المتشكك.

تخيّل الآن، أن نقطة النهاية تلك هي درجةٌ في سلم طويل، وهذا السلم يبدأ بدرجة طويلة وعريضة جدًّا، والثانية أقلّ في كليهما، والثالثة أقل وأقل، وهكذا، بحيث تكون الدرجة الأخيرة هي الأقل والأولى هي الأطول والأعرض. وهكذا، فكلما كان الاقتناع بالأولويات أرسخ، كان الصعود –من البداية- أسلم وأثبت.

ننطلق الآن من الدرجة الأولى (لماذا نكترث بكل هذا من الأساس). لماذا نكترث بأي الأديان هو الصحيح ومنشأ الوجود أصلًا، فنبحث عن الفائدة من كل ذلك؟ أما الثانية فهي البحث عن ماهية الحقيقة، فإذا كنت تبحث عن الحقيقة، فيجب أن تعلم جيدًا طبيعة ما تبحث عنه، في حين أن الدرجة الثالثة هي الحاجة لتفسير وجود الكون، وهي جرجة توصلنا إلى مفترق الطرق. بما إن الكون موجود حقًّا، وبما أنه ليس مجرد وهم في عقولنا، فما تفسير وجوده؟ أهو أزلي؟ أم هو ناشئ صدفة؟ أم هو نتاج الطبيعة نفسها؟ أم لوجوده تفسير آخر؟

تأتي الدرجة الرابعة في ضرورة إثبات وجود الخالق (الله)، والإجابة عن التساؤلات التي يمكن أن تثار بين الناس حول نشأة الكون ووجود الله، ثم تأتي لدرجة إثبات وحدانية الله، وأن ذلك نابعٌ من كماله المطلق، فاحتمال تعدد الآلهة نقص، وبالتالي يفسّر لدينا لمَ كانت وحدانية الله ضرورة، لا بد من الإيمان بها.

وهكذا نتدرج في الدرجات واحدة تلو أخرى، لنفكك مقولات نزعة “الربوبية” ونبين أنها ليست موافقةً لحقيقة العبودية لله.

البداية: لماذا نكترث بكل هذا من الأساس؟

إن فرق اللادينيين كثيرة، فمنهم الربوبي، واللاأدري، والملحد المنكر لأي إله كان، واللا مكترث.. وإنك إن نظرت في الأبحاث حول أعداد متبعي الديانات اليوم لوجدت أن أغلب البشر يعتنقون دينًا ما، والأقلية هم من لا يؤمن بالأديان، وإن كان نسبتهم في تصاعد هذه الأيام.

وإنك إذا تركت الحديث عن الأرقام ونزلت إلى الحياة لوجدت العالم كثيرًا من معتنقي الأديان وهم لا يعرفون أيّ معنىً دقيقًا للدين، بل سترى أن أغلبية أتباع كل دين يؤمنون به لأنهم وجدوا آباءهم عليه، فهم ورثوه كما ورثوا عن أهلهم من لغة وثقافة وتقاليد وعرف مجتمعي.

لعل الحقيقة التي لا جدال فيها، هي أن أغلب البشر يتخذون الدنيا دينًا يعتنقونه، فهم يهيمون في حب الدنيا، يشغلهم المأكل والمشرب والملبس والمسكن والبحث عن بقية الملذات العابرة، ولأن المال هو الذي يجلب كل ذلك، فإن شغلهم الشاغل هو تحصيل المزيد من المال.

إن العالم –في ظاهره- متدينٌ، لكن أغلب الناس لا يكترثون لأي فريق كانوا فيه، فهم انتموا لهذا الدين لا عن قناعة، بل عن توارث، وهذه الدنيا التي يهيم بها الناس مغرية، وعروضها ملهية، ولكن تحت العروض هناك كلمة لا يراها أحد رغم أنها مكتوبة، فقدوا إدراكها بسبب حب الدنيا، وهذه الكلمة هي “تطبق الشروط والأحكام” والعرض سارٍ والمال موجود.

إن جوهر تلك الشروط والأحكام هي أن الموت حق، وبالموت سيزول كل أثر لعظمة الدنيا، وسيذهب المال إلى غيرك. بالموت تفنى أنت وتكون نسيًا منسيًّا. والموت لا ميعاد له وأنت تحت رحمة الأقدار أن يؤجل موعده.

والعاقل لا يهرب من حقيقة الموت، ولا يوهم نفسه أن ذكر الموت ضرب من ضروب الكآبة المقيتة والاضطراب النفسي، العاقل من يملأه الفضول ليبحث في الأديان ويعلم أين يكمن الحق، يبحث العاقل في كل ذلك -ولو فضولًا- من باب معرفة مستقبله، هل هناك حياة بعد الموت، أم إن بعد الموت عدم؟ العاقل يبحث ليجيب.

أقلية من البشر هم الذين تجردوا من معتقدات آبائهم وبحثوا عن الحقيقة بكل حيادية وصدق، دون اتباعٍ للهوى أو خضوع للتوارث والضغوطات المجتمعية والثقافة الغالبة.

هذا الانعتاق عن السائد والبحث عن القضية الوجودية الأولى والبحث عن الدين الصحيح وسط الأديان، هو الاكتراث الذي يمكن أن يفسر لنا هذه النزعة، إنه البحث عن اليقين والطمأنينة.

فلماذا تكترث بكل هذا من الأساس؟

إن اكتراثك هو نداء عقلك لتفهم مستقبلك، أما الحمقى، فهم الذين يركنون إلى الباطل ليشبعوا شهواتهم ويرتعوا في حقول الدنيا دون أي شعور بالذنب.

لماذا تكترث؟ لأن قضية الإيمان بالله الوجودية هي الأحق بالاكتراث، وكل قضايا الإنسانية الأخرى أتفه بكثير، بكل تأكيد، ومن هنا تبدأ الرحلة والحكاية.