الإنسان والدين

أحمد دعدوش

سنستعرض في هذا المقال قصة بدء وجود الإنسان، من خلال روايتين متوازيتين هما الوحي القرآني والنظريات اللادينية، وسنؤجل استعراض روايات أخرى باطنية لتأخذ حيزا أكبر في مقالات مستقلة. كما سنتحدث عن نشأة الدين من منظور الروايتين، فرواية الوحي تؤكد أن الدين ملازم لخلق الإنسان الأول، بينما تبحث النظريات اللادينية في أدلة الأحافير والرسوم والتماثيل الأولى وتضع التفسيرات الاحتمالية لاعتقادها المسبق بأن العلم لا يؤمن سوى بما يراه، ما يعني استبعادها لمفهوم الوحي من الأساس. وسنتوقف في مقالنا هذا عند حدود بدء التاريخ البشري مع ظهور الكتابة، وهي المرحلة التي سنتعرض لبعض تفاصيلها في مقال الوثنية.

 

بداية واحدة وروايات متعددة
يمكن القول إن هناك ثلاث روايات رئيسة لقصة الوجود، ومن خلالها يتم تصنيف العديد من التيارات والتوجهات التي تحكم رؤيتنا لأنفسنا وللعالم، ومن ثم تصوغ معتقداتنا الوجودية، ونلخص هذه الروايات بما يلي:

1- الرواية العلمية، ونحن نرى أن هذه التسمية بحد ذاتها ترجمة خاطئة لمصطلح science اللاتيني الذي يُقصد به العلم المادي الخاضع لشروط التجربة، أما كلمة “العلم” فهي أوسع من قيود التجربة وحدود المادة. ويبحث أصحاب هذه الرؤية في الوجود المادي من خلال المعطيات التجريبية التي يُفترض أن تقترب قدر المستطاع من النزاهة الموضوعية والتجرد عن الذات، ولعل المشكلة الأبرز لدى هذه الرواية هي افتراض أصحابها المسبق بأن العالم محصور أصلا بالمادة وحدها، ومن ثم استبعاد ما هو غير مادي (الميتافيزيقيا) من دائرة الوجود ذاتها فضلا عن طردها من دائرة البحث، وهذا افتراض فلسفي منحاز لا يدعمه دليل علمي (تجريبي). ومع أنه يحق للعالم التجريبي إخضاع الكائنات الحية وكافة الموجودات المادية للتجربة بحثا عن أصولها وقصة نشوئها و”تطورها” (إن وُجد التطور)، فإن الافتراض بأن العالِم التجريبي قادر على تقديم أجوبة على الأسئلة الوجودية هو مجازفة غير مضمونة، لأن معطيات العلم التجريبي لا تسمح أصلا بالتعرض لما هو خارج عن دائرة الحس، ما يعني أن الأجوبة ستكون مادية حصرا، أما الاعتقاد بأن تلك الأجوبة هي وحدها الصحيحة فهو تحكّم مسبق وغير منطقي. ومنذ بداية العصر الحديث يُقدِم الكثير من العلماء التجريبيين على هذه المجازفة دون التفات إلى تناقضها المنطقي، لكن آخرين يقدمون نتائج أبحاثهم مشفوعة بنقاش فلسفي، مع أن لجوء العالِم التجريبي إلى الفلسفة لا يخرجه من ورطته بل يعقّدها، فهو يسمح لنفسه بدعم رؤيته “غير العلمية” برأي فلسفي بينما يرد على منتقديه في الوقت نفسه بأنه رجل علم وليس من شأنه افتراض وجود عوالم غيبية أصلا، وكأن عجز أدواته عن الخوض فيما هو خارج عن تخصصه يسمح له بتخطئة الرأي المنبثق عن ذلك العالَم الخارج عن تخصصه.

رسم تخيلي ألماني يعود إلى عام 1888 لشخص يحاول اختراق عالم المادة واكتشاف ما وراء الطبيعة

2- الرواية الفلسفية: ونقصد بها كل ما يستند إلى الرأي، دون أن يكون مدعوما بتجربة علمية ولا بوحي سماوي. وقد تكون هذه الرواية وسوسة من عالم الشياطين (أو آلهة الشر والكائنات الظلامية كما يفترض البعض) لتضليل البشر، أو أسطورة خرافية صاغها خيال أديب مبدع أو كاهن دجال، أو رواية زعم أحد المتصوفة الروحانيين أنه تلقاها من مصدر مفارق عن طريق الكشف (العرفان) والإلهام، أو قد تكون محاولة جادة من قبل فيلسوف لتقديم أجوبة منطقية على الأسئلة الوجودية بما يتوافق مع العقل والحس. وحتى في حال افتراضنا أن واضع هذه الفلسفة أو الأسطورة كان صادق النية؛ فإن المشكلة تكمن في أن سقف العقل البشري محدود أصلا بما هو دون العوالم المفارقة التي يبحث فيها، ما يعني أن نتائج البحث لن تبلغ اليقين لاستحالة التحقق، كما أن افتراض التلقي عن طريق الكشف مشفوع بنظريات فلسفية مسبقة، فنتائج هذا البحث لا يمكن أيضا التحقق من صحتها إلا بتجربة شخصية ما يبقيها في دائرة الذاتية.

3- رواية الوحي: ونقصد بها الوحي الصادق الصادر عن الإله الواحد الحق، وهي رواية لا تتناقض ابتداءً مع معطيات التجربة وقواعد العقل، ويمكن ثانيا التحقق من صحتها من خلال التجربة والعقل، وطالما أن صحتها ثبتت بهذين الشرطين فمن المنطقي التصديق أيضا بما ينص عليه ذاك الوحي من أنه السبيل الوحيد المؤدي إلى الحقيقة والخلاص، وسنؤجل في رحلتنا هذه التحقق من صحة هذه الرواية إلى المراحل الأخيرة.

ولن يتسع هذا المقال لاستعراض الروايات الثلاث بتفاصيلها المتشعبة، فسنعرض أهم ما فيها ضمن المقالات اللاحقة، حيث يقدم مقال الغنوصية الرؤية الفلسفية الباطنية للخلق، كما تتشابه قصة الخلق لدى الكتب المقدسة لدى اليهود والنصارى (المسيحيين) مع ما ورد في القرآن الكريم (كتاب المسلمين المقدس)، وسنخصص مقالا منفردا لكل من اليهودية والمسيحية ونستعرض فيهما قصة الخلق.

بناء على كل ما سبق، سنعرض في هذا المقال قصتي ظهور الإنسان وظهور الدين، وسيكون عرضنا لكل منهما حسب روايتين متوازيتين، هما رواية العلم الحديث (وما يوافقه من الفلسفة المادية) ورواية الوحي.

 

أولاً: قصة الإنسان

الرواية الأولى: حسب العلم الحديث والفلسفة المادية
مع أن الإلحاد (جحود الخالق أو المصدر المفارق للكون) ليس نزعة حديثة، إلا أنه لم يحظ بالانتشار والتأصل إلا في العصر الحديث، وسنتعرض لارتباط هذه النزعة بسقوط قدسية الدين المسيحي وبشيوع العلم التجريبي كمصدر للحقيقة في مقال العلمانية، وما يهمنا هنا هو ظهور نظرية النشوء والارتقاء والتطور مع نشر تشارلز داروين كتاب “أصل الأنواع” عام 1859، فمع أن النظرية لا تتعرض للخلق نفسه، إلا أنها قدمت للمرة الأولى مستندا “علميا” يمكن للملحد أن يحاجج به للتخلي عن الإيمان بوجود خالق، بينما كان الملحد قبل ذلك مضطرا للجوء إلى الأفكار الغنوصية وتبرير وجود الكون بمصدر ما، الأمر الذي جعل الفلسفة والعلم والخرافة تتقاطع كثيرا في هذه الجزئية.

تشارلز داروين

وبعد داروين، أصبحت علوم التاريخ والاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا (علم الإنسان) والإثنولوجيا (علم الأعراق) وغيرها تستند إلى مسلّمة (قاعدة) مفادها أن الإنسان تطور عن أسلاف غير عاقلة و”بدائية”، كما أصبح من مسلّمات الوسط العلمي أن أي رفض لنظرية التطور يعني بالضرورة اللجوء إلى نظرية الخلق (والتي باتت تسمى بالتصميم الذكي)، وذلك يفضي بحسب رأيهم إلى التخلي عن العلم والركون إلى الإيمان الديني، وهو أمر يرفضه الكثير من العلماء وغير المتخصصين في الغرب على السواء لأسباب تبدو لنا أنها نفسية.

وبحسب مخرجات نظرية التطور، تعود بداية قصة البشر إلى مخلوق بدائي عاش قبل 2.8 مليون سنة في شرق أفريقيا، وقد سُمي بالإنسان الماهر “هومو هابيليس”، ويُعتقد أنه تطور في سلسلة متصلة كان آخرها ظهور الإنسان العاقل “هومو سابينز” الذي يشبهنا قبل 200 ألف سنة.

ولن نخوض هنا في مناقشة نظرية التطور التي تتعرض منذ ظهورها لانتقادات حادة، ولا لمصداقية افتراض أن البقايا العظمية المكتشفة لتلك المخلوقات هي بالفعل تعود لأسلاف البشر، فالرسوم التي يقدمها العلماء لتخيل شكل الكائنات التي تعود لبعض العظام المكتشفة تتنوع بين خيارات كثيرة، كما أن بعضها يمكن أن يكون عائدا إلى كائن بشري يشبهنا تماما دون الحجة لافتراض أنه كان يشبه القردة ومكسوا بالشعر كما يرسمه التطوريون، فهذه التصورات مازالت مجرد افتراضات لتقديم أجوبة علمية على أصل الإنسان مع اتخاذ قرار مسبق بأنه لم يُخلق على هيئة كاملة دفعة واحدة ثم توالد أبناؤه من بعده [انظر مقال “وجود الله“].

ناشط أمريكي أراد أن يثبت للمتخصصين في علوم الأحياء (البيولوجيا) أن اقتناعهم بنظرية التطور الداروينية ليس قائما على أدلة علمية بقدر استناده إلى “الإيمان”، وتمكن من إحراجهم خلال 12 دقيقة فقط.

حجر عُثر عليه في كهف بولومبُس بجنوب أفريقيا (Chris. S. Henshilwood)

هذا على صعيد بقايا الهياكل العظمية، أما الآثار البشرية فيُعتقد أن أقدم ما تم اكتشافه منها حتى اليوم هو كتلتان حجريتان نُقشت عليهما خطوط هندسية، وقد عُثر عليهما في كهف بولومبُس بجنوب أفريقيا، ويعتقد أن عمرهما 77 ألف سنة (كما سيأتي لاحقاً)، مع أنه لا يمكن الجزم بصحة هذا التقدير.

وتواجه دراسة الأحافير وبقايا الكائنات الحية، وكذلك دراسة آثار البشر المرسومة والمنحوتة، صعوبات جمة يغفل عنها غير المتخصيين، فقياس عمرها يعتمد أساسا على اختبار الكربون المشع، ويعتقد الكثيرون أن هذا القياس يعطي نتائج دقيقة، ولا يدور في خلد القارئ غير المتخصص أن تلك النتائج المنشورة في المجلات العلمية المتخصصة عن أعمار الديناصورات وما يسمى بأسلاف البشر ليست دقيقة، لكن الحقيقية هي أن هناك أبحاثا كثيرة تؤكد أن قياس المواد المشعة في بقايا الكائنات الحية يختلط سهوا أو عمدا بقياس المادة المشعة للصخور والمعادن التي تحجرت فيها تلك الكائنات، فيصبح من الصعب الفصل بين عمر الديناصور وعمر الصخرة التي تحجرت عظامه فيها.

هناك أبحاث تم تقديمها على مدى عقود للتشكيك في الفكرة الشائعة عالميا عن أن الديناصورات انقرضت قبل عشرات ملايين السنين وأن الإنسان العاقل تطور لاحقا وكان ظهوره الأول قبل مئتي ألف سنة، لكن الجيولوجي الأمريكي “مايكل كريمو” ظهر في عدة لقاءات تلفزيونية خلال أربعينيات القرن الماضي متحدثا عن اكتشافاته التي تثبت العكس، وعن القمع الفكري الذي تعرض له من خلال الوسط الأكاديمي الذي يرفض أي مساس بنظرية داروين التطورية ومسلماتها.

ومنذ مطلع التسعينيات، حاولت الجيولوجية الأمريكية ماري شفايتزر جاهدة لإقناع العلماء بنتائج أبحاثها التي تثبت أن عظام الديناصورات التي وجدتها في حالة جيدة (ولاتزال تتضمن مواد عضوية غير متحللة) لا يمكن أن تعود إلى 65 مليون سنة، لكن المجتمع العلمي لم يبدأ بتقبل أفكارها إلا في السنوات الأخيرة، مثل مجلة “نيتشر” العلمية التي كتبت عن أبحاثها مقالا في أكتوبر 2012، وفي العام نفسه قدم الباحثان ماري كلير فان أوسترويتش وجان دي بونتشارا بحثا في مؤتمر بسينغافورة يؤكد أن بعض عظام الديناصورات لا يزيد عمرها عن 40 ألف سنة فقط، فسارع أعضاء المؤتمر إلى رفض البحث بحجة تعارضه مع المعطيات المتفق عليها في المجتمع العلمي.

إذن لم يصل العلم حتى الآن إلى جواب حاسم بشأن تاريخ أسلافنا الأوائل، وبغض النظر عن مناقشة مبدأ التطور نفسه، فإن مجرد افتراض أن أول البشر عاش قبل 200 ألف سنة هو قول غير مؤكد.

في هذا الرابط يقدم باحثون مسيحيون أدلة تاريخية كثيرة تدعم حجتهم في أن الإنسان والديناصورات عاشوا في فترة واحدة، ومع أننا لا نقدمها كدليل قطعي إلا أنها تكفي للطعن في مصداقية النظريات الشائعة في الوسط العلمي.

الرواية الثانية: حسب الوحي
سنؤجل الحديث عن مصداقية الوحي والتحقق من نسبته إلى الله تعالى لنعرضه مفصلاً في مقالات لاحقة، حيث سنكتشف في مقالي اليهودية والمسيحية أن الكتب التي ينسبها أتباع تلك الديانا إلى الوحي قد نالها التحريف، ثم سندرس في مقال تفصيلي آخر صحة نسبة الوحي القرآني إلى الله. إلا أننا سنضطر في هذا المقال إلى عرض رواية الوحي القرآني للاطلاع عليها، وحتى قبل أن نخوض في أدلة صحة القرآن نفسه.

لا يكشف القرآن عن تفاصيل كثيرة بشأن المرحلة السابقة لوجود الإنسان، فما يذكره هو أن الله خاطب الملائكة بقوله {إني خالق بشرا من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [ص: 71، 72]، وفي سورة أخرى نقرأ أن الله أخبرهم أن البشر سيكون خليفة، وهناك خلاف بين المفسرين بين من قال إن البشر خليفة لله في الأرض ومن قال إنه يعني أن الناس سيخلف بعضهم بعضا، وقد أجابت الملائكة بقولها {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون} [البقرة: 30]، واختلف المفسرون أيضا في سبب تنبؤ الملائكة بذلك، ولعل أهم الأقوال أنهم علموا ذلك بإعلام الله تعالى لهم وإن كان ذلك لم يذكر في السياق، أو أنهم قاسوه على أحوال الجن الذين ربما أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء قبل وجود آدم.

وعندما نُفخت الروح في جسد آدم، ابتدأت حياته بأن منحه الله العلم، {وعلم آدم الأسماء كلها} [البقرة: 31]، ثم تحدى الملائكة ليظهر أن لدى آدم من العلم ما لا تعرفه الملائكة.

وامتثلت الملائكة للأمر الإلهي بالسجود له تكريما، فمع أن الملائكة مخلوقات نورانية وهي لا تعصي الله أبدا، إلا أن آدم وجنسه كُرّموا من حيث امتلاكهم لحرية الإرادة والاختيار التي لا تملكها الملائكة.

وامتنع إبليس عن السجود تكبرا، وقال مخاطبا الله بشيء من التحدي {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}، فجاء الرد {فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها، فاخرج إنك من الصاغرين} [الأعراف: 13]، وقد طلب إبليس من الله أن يمهله ويطيل عمره إلى يوم القيامة، فكان له ذلك، وتعهد إبليس بأن يصب جام حقده وحسده على آدم وذريته ليغويهم ويحرفهم عن سبيل الحق، كما وعد بأن يسخر شياطين معه في هذه المهمة.

وفي سورة الأعراف: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون} [الأعراف: 172، 173]، وبحسب كثير من المفسرين فإن هاتين الآيتين تلخصان مبدأ التكليف البشري، حيث خلق الله أرواح جميع البشر منذ خلق آدم، ثم أنطقهم الله وسألهم إن كانوا يقرون بأنه ربهم فشهدوا بذلك جميعا، ثم نُفخت تلك الأرواح في أجسادها بحسب الترتيب المقدر لها من عمر البشرية، لتدخل مرحلة الاختبار في الحياة الدنيا وتعيش بما يتوافق مع ما شهدت به منذ البداية، وهو الإيمان الذي يتوافق مع فطرتها البديهية، ثم ستُسأل يوم القيامة عن امتثالها لما أقرت به، وعندئذ سيسترجع البشر تلك الشهادة التي شهدوا بها منذ عصر أبيهم آدم، وسيعتذروا بالغفلة وبتقليد الآباء الذين ضلوا قبلهم.

ويؤكد هذا التفسير قول الله في سورة أخرى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 72، 73]. وثمة روايات كثيرة لتفسير هاتين الآيتين، وتكاد تتفق جميعها مع ما روي عن الصحابي ابن عباس الذي قال إن الأمانة هي الفرائض (أي التكليف)، فقبل أن يُكلف الله آدم وذريته بالعبادة ويمتحنهم بالدنيا عرض هذه المسؤولية على الموجودات المادية، فخشيت تلك المخلوقات من عاقبة ذلك وطلبت من ربها أن يعفيها، ثم عُرضت المسؤولية على آدم وبنيه، والأرجح أن يكون ذلك قد عُرض على كل إنسان بشكل فردي، فقبلوا جميعا دخول هذه المجازفة، مع علمهم بأن الفشل فيها يقتضي العقوبة، فجاء التعليق الإلهي بأن الإنسان كان ظلوما لعدم وفائه بالأمانة على الوجه الأمثل، وكان جهولا لعدم تقديره فداحة العاقبة الناجمة عن تفريطه بالأمانة.

ليست هناك رواية مؤكدة عن طريقة خلق حواء التي أصبحت زوجة آدم، لكن القرآن يوضح أنها خُلقت من جسده فيقول {ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء} [النساء: 1]، وهناك خلاف بشأن الجنة التي قضى فيها آدم وحواء ردحا من الزمن، فالبعض يرى أنها الجنة التي سيؤول إليها المؤمنون بعد البعث، بينما يفسر آخرون النصوص التي تتحدث عنها بأنها كانت تصف جنة أرضية، وأن الهبوط منها كان هبوطا معنويا بمعنى الخروج، مثل الآية التي تقول لبني إسرائيل {اهبطوا مصرا}.

سواء كانت الجنة أرضية أم في مكان غيبي، فالذي يهمنا هنا هو أن الشيطان نجح في تنفيذ وعده من محاولته الأولى بإغواء آدم، فأقنعه مع زوجته بالأكل من الشجرة التي حرمها الله عليه، وكانت عاقبة ذلك خروجهما من الجنة لتبدأ بذلك قصة البشرية والتكليف والامتحان في الدنيا، مع وجود الشياطين التي تبذل جهدها لإغواء البشر.

 

ثانياً: قصة الدين

الرواية الأولى: حسب العلم الحديث والفلسفة المادية
أوضحنا في مقال “البحث عن الدين” أن مناهج علوم الأديان الحديثة تنطلق من مبدأ لاديني، حتى أصبح هذا المبدأ رديفا لمصطلح العلم نفسه، فلا يُعد البحث علميا -في الأوساط العلمية اليوم- إلا باستبعاده لأي تفسير يؤدي إلى الاعتقاد بوجود إله أو جهة غيبية. إلا أن هذا المبدأ تعرض للكثير من النقد، ما سمح في العقود الأخيرة بظهور تيار علمي يؤمن بنظرية “التصميم الذكي”، والتي تقدم نتائج علمية تؤكد أن هناك “مصمما ذكيا” وراء العالم المادي دون التعرض لماهية هذا المصمم تجنبا لإقحام العلم التجريبي في قضايا دينية، لكن تيار التطور اللاديني ما زالت له الغلبة في الأوساط العلمية غربيا وعالميا، وهو يشكل جماعة ضغط (لوبي) واسعة النفوذ ولديها القدرة على التأثير في العلوم الاجتماعية، والدينية على وجه الخصوص [انظر مقال “وجود الله“].

حجارة مدببة يعتقد العلماء أنها أنصال نحتها “نياندرتال” في أسبانيا قبل 350 ألف سنة

ووفقا للرواية التي يقدمها تيار التطور الدارويني، والتي تُدرس في المدارس والجامعات وتقوم عليها أفلام هوليود ووثائقيات القنوات العلمية وكافة الموسوعات الكبرى، فإن أولى السلالات البشرية في أفريقيا ظهرت قبل نحو مليوني سنة، حيث أُطلق اسم “هومو هيبيليس” (الإنسان الماهر) على كائن قيل إنه كان أقرب للقردة العليا إلا أنه قادر على تشكيل الأدوات الحجرية كالسكاكين، ثم قام هذا المخلوق منتصبا بعد نحو 100 ألف أو 200 ألف سنة واكتشف النار. ومع أنه ليس هناك أي دليل على أن ذلك الإنسان اكتشف النار بعد أن كان جاهلا بوجودها، فقد بنى الباحثون على هذه الفرضية غير المؤكدة فرضية أخرى وهي أن النار كان دافعا لظهور أولى علامات التدين والتفكير السحري والأسطوري نظرا لغموض النار وقدرته على بث الدفء وطبخ الطعام وطرد الوحوش، وافترض الباحثون أن النار بات مقدسا.

جمجمة يقال إنها لكائن نياندرتال اكتشف في فرنسا
(wikimedia/Luna04)

لم تترك تلك السلالات المفترضة سوى بقايا النار المحترقة والحجارة المسننة على هيئة سكاكين وأدوات بدائية، لذا فكل ما يقال عن معتقداتها وطريقة عيشها وما كانت تفكر به ليس سوى افتراضات.

افترض الباحثون أيضا أن “الإنسان المنتصب” بدأ النزوح نحو آسيا وأوروبا قبل 1.8 مليون سنة، وأنه تطور لاحقا إلى سلالة “نياندرتال” التي ظهرت قبل 350 ألف سنة، وأن هذا المخلوق كان يقدس الحيوانات بدليل العثور في كهوف جبال الألب على جماجم دببة مرتبة بطريقة خاصة ومحاطة بقطع من الحجارة، كما عُثر في أماكن أخرى على جماجم محفوظة لحيوانات الثور والماموث، فافترض الباحثون أنه كان يعبدها تقديسا لقدرات الحيوان الجسمية التي تفوق قدراته. ومن الواضح أيضا عدم وجود دليل على أنه كان يقدسها أو يعبدها، فربما كان يستخدم تلك العظام لأغراض أخرى تجميلية أو سحرية للتواصل مع الشياطين، أو لأغراض أخرى لا تخطر على بالنا اليوم.

تم العثور أيضا على مدافن لما يسمى بإنسان النياندرتال في فرنسا، حيث وُجد بجوار الهياكل العظمية آثار للنار ولحيوانات أخرى مدفونة معها ومقبض فأس حجرية، ووُضعت فرضيات تقول إن ذلك الإنسان كان يعتقد بأن الفأس ستحميه في حياته المستمرة بعد الموت وأن النار والحيوان كان لهما معنى روحي، وذلك دون وجود نص مكتوب أو شفهي يبرر هذا التفسير.

رأى آخرون أن وجود جماجم مكسورة لذلك الإنسان في إيطاليا وكرواتيا (وبعضها محروق)، يعني أنه كان يأكل أدمغة موتاه، ثم بُنيت على هذه الفرضية غير المؤكدة فرضيات التبرير الروحي بالقول إنه كان يعتقد بوجود روح في الدماغ وأنه يمكنه الحصول على قوتها بأكلها. علما بأنه ليس هناك دليل أصلا على وجود طقوس أكل الأدمغة فضلا عن التصديق بهذه التفسيرات.

جانب من رسوم كهف شوفيه

الرسوم الأولى
منذ عام 1879 بدأ اكتشاف الآثار المرسومة بيد إنسان ما قبل التاريخ، وكانت البداية مع كهف ألتاميرا في أسبانيا، ثم اكتُشفت رسوم مشابهة في كهوف بفرنسا وشمال أفريقيا وقُدر عمرها بما بين 11 ألف و19 ألف سنة. ثم اكتُشف كهف لاسكو العملاق في فرنسا والذي تحتفظ جدرانه بنحو ألفي رسم لحيوانات وبشر وأعمال صيد وطبعات أيدي وقُدر عمرها بنحو 17 ألف سنة، أما كهف “شوفيه” في فرنسا المُكتشف عام 1994 فقُدر عمر رسومه الجدارية بنحو 32 ألف سنة.

وبحسب تقديرات علماء الآثار فإن أقدم أثر صُنع بيدٍ بشرية هو كتلتان حجريتان عُثر عليهما في كهف بولومبُس بجنوب أفريقيا، ونُقشت عليهما خطوط هندسية يُعتقد أن يبلغ عمرها حوالي 77 ألف سنة كما ذكرنا سابقا، وقد تم اكتشافهما عام 2002. أما إنسان النياندرتال فيفترض علماء التطور أنه انقرض قبل 24 ألف سنة فقط، وأن سلالتنا الحالية سادت المشهد بعده.

اجتهد علماء الآثار والأديان والأساطير في محاولة تفسير الرسوم الكهفية، إلا أنها جميعا ما زالت تخمينات مجردة عن أي دليل، فلا يوجد أي مبرر أصلا لافتراض أنها ذات دلالة دينية أو سحرية فضلا عن محاولة استخراج ما وراءها من معان شعائرية، فقد تكون للزينة والتمتع بالفن، بل ربما كان من يرسمها يسعى للتسلية لا أكثر، لكن بعض الباحثين –مثل جوزيف كامبل- ذهبوا إلى افتراض أن تكون تلك الكهوف بمثابة المعابد الأولى، ثم تابع باحثون آخرون -مثل فراس السواح وخزعل الماجدي من العرب- مسيرة وضع السيناريوهات التفسيرية، مثل افتراض تقديس الإنسان البدائي للحيوانات المرسومة على الجدران استحضارا لقوة العالم الحيواني الموازي، طمعا في الاتصال بعالم غيبي.

وضعيتان لتمثال “فينوس هول فلس”

التماثيل الأولى
يقول المؤرخون إن الإنسان “البدائي” انتقل لاحقا من الرسم والتلوين إلى النحت والتجسيم، فظهرت “تماثيل فينوس الصغيرة”، حيث اكتُشفت خلال القرن العشرين في عدة مناطق أوروبية تماثيل أنثوية صغيرة متشابهة، وأطلق عليها اسم “فينوس” تشبيها لها بآلهة الحب اليونانية، بالرغم من عدم وجود دلائل تربط بين هذه التماثيل وبين أي بُعد أسطوري، ويقول الآثاريون إن أقدمها هو “فينوس هول فِلس” الذي اكتُشف في ألمانيا والمُقدر عمره بما بين 35 ألف و40 ألف سنة.

بعض هذه التماثيل كان منحوتا في جدران الكهوف مثل كهف لاوسيل في فرنسا، وحجمها يتراوح بين 3 سم و40 سم، لذا يُطلق عليها البعض اسم الدمى، وقد نُحتت على هيئة غريبة حيث ضُخمت أثداؤها وبطونها، فرجّح الباحثون أن الإنسان آنذاك كان يبجل وظائف الأمومة فسلط اهتمامه على أعضاء الخصوبة والحمل والإرضاع، في مقابل طمس ملامح الوجه. وفي مراحل لاحقة ظهرت دمى تحمل أشكالا أكثر غرابة، بوجوه أفعوانية وأجساد خنثوية تجمع بين الأثداء وأعضاء الرجل، ما يعني احتمال أن تكون لهذه التماثيل أغراض سحرية شيطانية، كما وُجدت تماثيل صغيرة للرجال ولكن بعدد أقل من للإناث ما دفع الباحثين للاعتقاد بأن القدماء قدسوا الأنثى قبل الذكر.

يستند الباحثون في ربط هذه الدمى بالعبادات الوثنية إلى التشابه بينها وبين تماثيل فينوس وشبيهاتها التي ظهرت بعد اختراع الكتابة (التاريخ)، فعلى سبيل المثال تتشابه دمية مكتشفة في تل المريبط بسورية (يقدر أنها تعود للألف الثامن قبل الميلاد) مع تماثيل الإلهة عشتار التي ظهرت بعد نشوء الكتابة، ما يعطي الباحث مبررا للاعتقاد بأن الدمى البدائية التي ضُخمت فيها الأثداء والعضو التناسلي كانت ترمز فعلا لتقديس الخصوبة مع ربطها بخصوبة الأرض. ومع ذلك، لا نملك دليلا مؤكدا على نوايا صانعي تلك الدمى قبل ظهور الكتابة، فربما كانت آلهة تُعبد، وربما كانت تُستخدم لأغراض سحرية بهدف إيذاء امرأة ما، بل يقترح البعض أنها لم تكن سوى تجسيد لدوافع المتعة الجنسية.

أنصاب ستونهنج في بريطانيا

المعابد الأولى
يعتقد باحثون أن أولى المعابد ظهرت على هيئة كتل صخرية ضخمة أطلقوا عليها اسم “الأنصاب الميغاليثية” وهو مصطلح تم تأليفه بالأسبانية من مقطعين ويعني الأنصاب الحجرية الضخمة، وما زالت بقايا تلك الإنشاءات العملاقة في تركيا ومصر والشام وأوروبا الغربية والشمالية تذهل الباحثين أمام قدرة “البدائيين” على نصب كتل حجرية تزن 300 طن رأسيا ثم رفع كتل أفقية عليها بوزن 100 طن لكل منها.

وهناك عدة أشكال لبناء تلك الأنصاب، وقد اكتُشفت بالقرب من بعضها مدافن صخرية، ما دفع كثيرا من الباحثين للاعتقاد بأن “الديانة الميغاليثية” تتعلق بتقديس أرواح الموتى، حيث كانت منازل الفلاحين في العصر الحجري الحديث (النيوليت) متواضعة جدا ولا يكاد يُعثر لها على أثر، بينما نُصبت للأموات مدافن ومعابد بالصخور الضخمة التي ما زالت قائمة بعد قرون.

يُعد موقع “غوبكلي تيبي” في تركيا -الذي يضم 20 معبدا- أقدم المواقع الدينية المكتشفة حتى اليوم، ويعود تاريخ اكتشافه إلى عام 1994، أما تاريخ بنائه فيعود إلى ما قبل 12 ألف سنة تقريبا، أي إلى أواخر العصر الحجري الحديث، حيث يتوقع الألماني كلاوس شميدت الذي أشرف على التنقيبات في الموقع أنه كان أكبر موقع للعبادة والحج في العالم القديم، وأن القبائل كانت تقصده من أماكن بعيدة، ومازالت حجارته تحتفظ بنقوش تصوّر أشخاصا ونساءً عاريات وحيوانات أسطورية وبرية وحشرات وطيور.

وحسب النظريات التي تقول إن الإنسان كان يعتمد على الصيد وجني الثمار قبل أن يبدأ بالزراعة وتدجين القمح، فإن بناء “غوبكلي تيبي” تزامن مع هذه المرحلة الانتقالية التي شهدت تغيرا كبيرا في مناخ الأرض وانحسار الغابات والأنهار وانقراض أو انخفاض أعداد كثير من الحيوانات، وبعد أن كان الباحثون اللادينيون يفترضون أن الناس تعلّموا الزراعة أولا ثم انتقلوا من حياة البداوة إلى إنشاء مجتمعات حضارية فإن اكتشاف هذا الموقع دفع علماء آخرين إلى افتراض العكس، حيث كان يُعتقد أن المعابد لم تظهر إلا بعد تشكل المدن والحكومات والتفرغ لإنشاء المعابد، لكن الاكتشاف الأخيرة يؤكد أن الدين كان سابقا على ظهور الحضارة، وهو ما يلخصه شميدت بقوله “المعبد ظهر أولا، ثم ظهرت المدينة”.

اكتشاف معابد “غوبكلي تيبي” في تركيا دفع بعض الباحثين إلى إعادة النظر في أفكارهم عن الإنسان “البدائي”، حيث يبدو أن الناس كانوا يمتلكون الكثير من مقومات الرفاه والسعادة، وربما أكثر مما وفرته الحياة في المدن بعد نشوء الحضارة.

(gobeklitepe.info)

يُعتقد أن رموز الكتابة الأولى ظهرت للمرة الأولى في العراق قبل 8500 سنة، لكن التأريخ لم يبدأ إلا على يد السومريين قبل خمسة آلاف سنة تقريبا، حيث تركوا لنا أساطيرهم ورواياتهم مكتوبة ومفهومة، بينما لا يمكن فهم ما كانت عليه معتقدات من كان قبلهم سوى بالمقارنة والتأويل والتخمين.

ويرى باحثون أن ظهور الحضارة نفسها تزامن مع ظهور الكتابة والتأريخ، فالناس كانوا يعيشون قبل ذلك في قبائل، وبدون تنظيم لحدود الدول وسياسة الحكم، لذا لم ترتبط معابد ما قبل التاريخ بنظام حكم وثني مؤسسي قائم على التوافق بين الملك والكهنوت، وهو ما حدث عندما ظهرت الدول الحضرية للمرة الأولى في العراق كما يُخبرنا التاريخ المدون، لكن هذا لا يمنع نشوء حضارات سابقة دون أن تكتب تاريخها.

وسنبحث في مقال الوثنية نشوء هذا النمط من الدين المؤسسي الكهنوتي. ومع أنه لا يختلف عن وثنية ما قبل التاريخ من حيث كونه انحرافا عن الوحي، إلا أنه كان أكثر ارتباطا بالسلطة الحاكمة وأكثر رسوخا في المجتمع.

 

نقد المنهج المادي
تستند جميع الأبحاث التي تعرضنا لنتائجها سابقا إلى مخرجات علم الأنثروبولوجيا، أي “علم الإنسان”، وهو مجال بحثي ظهر في العصر الحديث ويربط ما بين العلوم الاجتماعية وعلوم الحياة، والعلوم الإنسانية، أي أنه يستفيد من نتائج أبحاث التشريح القائمة أساسا على نظرية التطور، وكذلك من نتائج علمي الاجتماع والنفس، فهو يرصد سلوك الجماعات البشرية من خلال المنظور البيولوجي التطوري.

ويقوم هذا العلم منذ نشأته على البحث عن القبائل المعزولة في غابات أفريقيا والأمازون وأستراليا لدراستها، وافتراض أنها ما زالت تعيش وفق نمط حياتها الراكد منذ آلاف السنين، كما يقوم على دراسة الأحافير والنقوش والأساطير لرسم صورة عامة عن حياة القبائل “البدائية” قبل التاريخ. لكن هذا المنهج ما زال يتعرض لانتقادات منهجية كبيرة منذ نشأته، وأهمها ما يلي:

1- ليس هناك دليل ينفي إمكانية انحدار المجتمعات “البدائية” عن مجتمعات كانت أرقى سلوكا وأكثر تحضرا، وأن ما نراه اليوم من قبائل تعتاش على الصيد ليس سوى حالة انتكاس عن أسلاف متحضرين.

2- هناك الكثير من الباحثين الرواد في هذا العلم ممن أمضوا بضع سنوات في العيش مع تلك القبائل، ثم وضعوا مؤلفات تصف طريقة عيشهم وثقافتهم، وبنى آخرون عليها نظريات علمية ما زالت تُدرس في الجامعات، ويرى النقاد أن هذا لا يكفي لفهم طبيعة حياة البشرية كلها، وأنه تعميم مجحف.

3- تستند معظم الأبحاث في تفسيرها للسلوك والعادات الاجتماعية والتقاليد على أساس الأسبقية الزمنية، فما كان سابقا فهو الأصل، وما جاء لاحقا فلا بد –وفقا لهذا المنهج- أنه اقتبس عن الذي قبله، وهذا افتراض بلا دليل، كما أنه تجاهل لقدرة الإنسان على الفكر والإبداع حتى لو لم يكن لديه اتصال بمن سبقه. كما أن بعض التقاليد قد تتشابه في ظاهرها إلا أنها تختلف كثيرا في وظيفتها وأصلها.

4- من أهم الانتقادات التي باتت شائعة اليوم أن معيار التقدم والتخلف ليس بالبساطة التي يفترضها رواد هذا العلم، فالاكتشافات المتتالية تثبت أن القدماء تمتعوا بعلوم متقدمة للغاية، وأن أنماط الحياة نفسها لم تكن دائما على النحو “البدائي” المفترض، فقد تركوا لنا ما يثبت تمتعهم بحس ذوقي وتقدير عال للجمال والفنون والآداب.

لذا يقترح باحثون معاصرون إعادة النظر في مصطلح “البدائية” لصعوبة وضع تعريف علمي له، فالإنسان “البدائي” كان يفكر بنفس المنطق الذي يفكر به الحداثي، وإذا كانت بعض الشعوب القديمة قد آمنت بالأساطير لتفسير الظواهر الطبيعية فهناك شعوب قديمة أخرى لم تؤمن بها، كما أن معظم تلك الأساطير ما زالت حاضرة اليوم في عقول ملايين البشر، بل لا تكاد تخلو حياة الإنسان الغربي الحداثي من الاعتقاد ببعض الأساطير.

يقول المؤلف لويس ممفرود في كتابه “أسطورة الآلة” إن الأنثروبولوجيين ارتكبوا جريمة في حق إنسان ما قبل التاريخ، حيث اعتبروا أن الأشياء المادية من العظام والحجارة هي البرهان الوحيد الذي يمكن قبوله لفهم حياة الإنسان “البدائي”، فالشعائر الدينية واللغة والتنظيم الاجتماعي التي لم تترك أثرا ماديا كانت أهم ما أنتجه الإنسان آنذاك، ومع أن بعض القبائل الأسترالية على سبيل المثال لم تتمتع باختراعات تقنية متقدمة؛ إلا أن احتفالاتها الدينية منظمة جدا، وهي تملك لغة غنية للغاية.

الرواية الثانية: حسب التراث المنسوب للوحي والقرآن

مرحلة آدم وابنه شيث
سنعرض لاحقاً في مقال “نبوة محمد” ما يؤكد حاجة الإنسان للاتصال بخالقه، كما سنتحدث عن أدلة صحة النبوة باعتبارها الوسيلة الوحيدة الموثوقة لهذا الاتصال، إلا أننا مضطرون في هذه المرحلة إلى الاكتفاء بالسرد التاريخي المبدئي لرواية الوحي (التي جاء بها النبي محمد).

يؤكد الوحي المحمدي أن آدم كان أول البشر وأول الأنبياء معا، ففي الحديث قال أحد الصحابة: يا رسول الله، أنبيّ كان آدم؟ قال: “نعم معلَّم مكلَّم”، وقد ورد هذا الحديث بعدة طرق وصححه الأرناؤوط والألباني. وفي حديث آخر قال أبو ذر: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ فقال صلى الله عليه وسلم “المسجد الحرام”، قال ثم أي؟ قال “المسجد الأقصى”، قال كم كان بينهما؟ قال “أربعون سنة” [البخاري: 3366، ومسلم: 520]. ونستنتج من الحديث أن آدم بنى أول معبد لعبادة الإله الواحد منذ فجر البشرية، ثم بُني المسجد الأقصى في بيت المقدس بفلسطين، ولا ندري إن كان آدم هو الذي بناه أم أحد أبنائه.

وبالرغم من عدم ظهور الشرك في تلك المرحلة، فقد ارتكب أحد أول أبناء آدم الجريمة الأولى، عندما قتل قابيل أخاه هابيل بدافع الغيرة وفقا لما ورد في الكتاب المقدس والقرآن الكريم، إلا أن الانحراف عن الدين نفسه لم يظهر إلا في مرحلة متأخرة.

وبحسب القصص الإسرائيلية، يُعتقد أن الله وهب آدم ابنه شيث عوضا عن هابيل القتيل، وأن شيث كان ثاني الأنبياء بعد أبيه، وليست في أيدينا اليوم تفاصيل إضافية عن حياة شيث، سواء من الوحي أو من الكتابات التاريخية. وتقول القصص التوراتية إن النبي إدريس (أخنوخ بالعبرية) جاء في الجيل الرابع من أحفاده، وسنبحث في مقال الغنوصية الأفكار الهرمسية التي نُسبت إلى إدريس (هرمس لدى بعض الحضارات)، بينما نستعرض في هذا المقال لاحقاً نبذة عن وجوده التاريخي.

وبما أن تلك المرحلة من حياة البشر لم تترك لنا شيئا مكتوبا عن تاريخها، كما لم يذكر النبي محمد متى خُلق آدم وكم هي المدة التي تفصلنا عنه، فليس لدينا سوى نص واحد (من بين المكتشف حتى الآن) يمكن الاستئناس به عن تاريخ تلك المرحلة السابقة للتاريخ، وهو نص طيني يدعى “قائمة ملوك سومر”، حيث قُسم فيه التاريخ السومري بالعراق إلى ما قبل الطوفان وما بعده.

قائمة ملوك سومر

يُعتقد أن “قائمة ملوك سومر” كُتبت في حوالي عام 2000 قبل الميلاد، وهي تقول إن أول ملوك البشرية هو “إلوليم” (آدم على الأرجح) الذي خرج من الجنة وأنشأ مدينة إريدو (تل أبو شهرين) في العراق بأمر من الإله إنكي، وبقي في الحكم 28 ألف و800 سنة، وتلاه سبعة ملوك كانت مدة حكم كل منهم تتراوح بين ما يقارب 43 ألف سنة ونحو 18 ألف سنة، ثم كان الطوفان الذي أهلك معظم البشر، وأصبحت أعمار الناس بعده أقصر بكثير، ثم سرعان ما نقصت أعمارهم خلال بضع سلالات حتى أصبح متوسط العمر نحو مئة سنة. ويرى بعض المؤرخين أن كاتب النص أطال في أعمار ملوك ما قبل الطوفان إلى هذه الأرقام الضخمة لأنه لم يجد سوى ثمانية أسماء تملأ تلك الفترة، إلا أن النصوص اليهودية والمسيحية والإسلامية تؤكد على أي حال أن أعمار الناس في تلك الفترة كانت في حدود ألف عام، وقد أجرينا حسابا لمجموع مدة حكم ملوك هذه المرحلة (منذ حياة آدم وحتى بدء التاريخ المدوّن) فكانت النتيجة هي 241 ألف و200 سنة.

وإذا كان تأريخ “قائمة ملوك سومر” لقصة الإنسان منذ ما قبل التاريخ صحيحاً، فهذا يعني أن الإنسان لم يعش في مراحل بدائية متنقلا عبر أربعة عصور حجرية، تبدأ بالرعي والتقاط الثمار وتنتهي بتأسيس المدن والحضارات، بل كان آدم (أول البشر) هو مؤسس أولى الحضارات بتأسيسه لمدينة إريدو، ثم حدث الطوفان بعد عدة قرون ليعاد تأسيس الحضارة من جديد ويبدأ التاريخ مع ظهور الكتابة. لكن تصديق هذه الرواية سيظل مرهوناً بصحة ما جاء في تلك القائمة وصحة تأويلنا لمضمونها، وهما افتراضان لا يمكن الجزم بهما، كما أن تكذيب بعض ما جاء فيها -إن حدث- لا يعني بالضرورة أن كل ما فيها كذب محض.

من جهة أخرى، تؤمن طائفة المندائيين -التي يعيش أفرادها القلائل اليوم في العراق- أنها ما زالت تحتفظ بالكتب السماوية التي أنزلت على آدم وشيث وإدريس. وفي الوقت نفسه يقول الباحث العراقي خزعل الماجدي إن المندائيين هم ورثة الحضارة البشرية الأولى، فهم الذين أسسوا مدينة إريدو بعد الطوفان وقبل ظهور السومريين.

 يؤمن المندائيون بأن كتابهم المقدس “الكنز العظيم” (كنزا ربّا) هو كلام الله ووصاياه الموحى بها إلى النبي آدم قبل نزوله إلى الأرض، كما يضم وصاياه إلى أنبياء آخرين، وهم شيتل بن آدم (شيث)، أنوش بن شيتل، نو (نوح)، سام بن نو (سام بن نوح)، دنانوخ (إدريس)، ويهيا يهانا (يحيى بن زكريا).

وبالجمع بين الروايات قد يصح القول (دون جزم) إن المندائيين كانوا من قوم آدم الذين أسسوا أولى المدن والحضارات (إريدو)، ومن بقي منهم بعد طوفان نوح أعادوا تأسيس مدينتهم نفسها لتصبح موطن الحضارة المعروفة في التاريخ المدون اليوم، ثم تفرعت عنهم بقية حضارات الرافدين.

 

إدريس النبي وهرمس الحكيم
هناك تضارب كبير بشأن شخصية هرمس، فبينما يفترض البعض أنها شخصية أسطورية نُسب إليها خليط من الأفكار والأساطير، يقول البعض إن هناك ثلاثة هرامسة في التاريخ القديم، الأول كان يسكن في صعيد مصر وهو الذي بنى الأهرام وسجل فيها الصناعات والآلات كي لا تضيع العلوم في طوفان نوح، والثاني هو الذي بنى بابل بعد الطوفان وبعد عصر النمرود، والثالث كان مصريا أيضا.

ويتفق كثير من المؤرخين المسلمين على أن هرمس الأول هو النبي إدريس عليه السلام، ويسمى أخنوخ (وكذلك إنوخ وخنوخ) بالعبرية، وقد اشتق العرب اسمه من كلمة درس أي أنه الدارس الحكيم.

ونجد لهذه الشخصية ذكرا في تراث الفرس واليونان والكلدانيين والفراعنة مع اختلاف بسيط في التسمية، وكأنه شخص واحد لكن الأمم اختلفت في تسميته بما يناسب لغاتها، أو أن عدة حكماء لاحقين جاءوا بعده وتمت تسميتهم باسمه “هرمس” أو “هرمز” تيمّنا به. وقد درجت تسمية هرمس الأول باسم هرمس المثلث بالعظمة أو المثلث بالحكمة لأنه جمع بين الحكمة والنبوة والملك.

وبحسب العهد القديم من الكتاب المقدس لدى اليهود، فقد ورد نسب أخنوخ على أنه ابن يرد بن مهلائيل بن أنوش بن شيث بن آدم، وأنه أبو جد نوح. وهو نسب يتطابق تقريبا مع ما ورد عن ابن عباس، كما روي عن الصحابي أبي ذر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء، فأخبره عن عددهم ثم قال “أربعة سريانيون: آدم وشيث ونوح وخنوخ وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم”، وهو حديث ضعيف رغم وروده بأربعة طرق. وإذا كان هو أول من خط بالقلم فعلاً فهذا يعني أن الكتابة بدأت في عصره، وأن الوحي الذي أنزل على الأنبياء الذين قبله كان يُنقل شفهياً، لكن أقدم ما وصلنا من التاريخ المدون يعود إلى الحضارة السومرية التي نشأت بعد الطوفان، وليس بين يدينا الآن نص مكتوب مما قبل ذلك.

ونقل المؤرخون المسلمون روايات عن حياة إدريس تداخلت فيها الإسرائيليات غير المؤكدة، ففي كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير الجزري عايش إدريس آدم وشيث وكان ثالث الأنبياء، وأنزلت على إدريس ثلاثون صحيفة (أي كتاب سماوي)، وأن بدء انحراف البشرية عن عبادة الله في عصره عندما عبدوا الأصنام بدعوة من إبليس، فحمل إدريس وأتباعه السلاح وكان أول من جاهد في سبيل الله، ولكن هذا القول غير مؤكد، وثمة تفسيرات أخرى لدى المسلمين تميل إلى أن الوثنية بدأت في عصر نوح وليس إدريس، وأن إدريس تابع مهمة آدم وشيث في تعليم الناس وإرشادهم إلا أنه لم يواجه معضلة إعادتهم إلى التوحيد لأن الوثنية لم تكن قد ظهرت بعد.

وهناك حديث لأبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم وصححه ابن حبان، جاء فيه أن الله أنزل مئة كتاب وأربعة كتب وأنه أنزل على خنوخ (إدريس) ثلاثين صحيفة.

ومع إقرار التوراة بأن إدريس تلقى وحيا مكتوبا من السماء، فإن “سفر أخنوخ” المنسوب إليه لا يُعترف به إلا من قبل الكنيسة الأثيوبية التي تعتبره جزءا صحيحا من الكتاب المقدس، وقد تم اكتشافه ضمن مخطوطات البحر الميت في نسخة مكتوبة باللغة الآرامية يعود تاريخها إلى مائة عام قبل الميلاد، وهي تتضمن إشارات لنبوة محمد في آخر الزمان. وسنتعرض للوثنية -التي نعتقد أنها طرأت على رسالة إدريس التوحيدية في مصر- بموضع لاحق من هذا المقال.

 

النبي نوح وقومه
بحسب العهد القديم من الكتاب المقدس (التوراة التي يؤمن بها اليهود اليوم) فإن نوح كان ابن حفيد إدريس، وقد نشأ في الجيل العاشر بعد آدم، كما نجد ذكر نوح في كتاب “الكنز العظيم” وهو الكتاب المقدس لدى طائفة المندائيين الذين يقيمون حاليا في العراق، وهو يدعى في كتابهم “نو”، وما زالوا يقيمون احتفالا دينيا كل عام في ذكرى الطوفان.

وعلى صعيد الأساطير، نجد ذكر نوح (بطريقة محرّفة) في كل من ملحمتي جلجامش وأتراحاسيس اللتين سيرد ذكرهما في هذا المقال لاحقا، كما نجد أن “قائمة ملوك سومر” المذكورة أعلاه قد قسمت قصة الإنسان أصلاً إلى ما قبل الطوفان وما بعده.

بحسب الرواية الإسلامية للتاريخ، ظلت البشرية على قلة عددها مؤمنة بالله وعلى ديانة أبيهم آدم، إذ يقول القرآن الكريم في سورة البقرة {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}، وقد فسر ابن عباس الآية بقوله “كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين” [أخرجه الحاكم في المستدرك]، ولعله اقتبس هذا المعنى من حديث يقول إن رجلا قال: يا رسول الله، أنبيّ كان آدم؟ قال: نعم معلَّم مكلَّم، قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قال: كم كان بين نوح وإبراهيم؟ قال: عشرة قرون. قالوا: يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثمائة وخمس عشرة جمًّا غفيرا. وقد ورد هذا الحديث بعدة طرق وصححه الأرناؤوط والألباني، والراجح أن كلمة قرن ليست محصورة بمئة سنة كما هو متداول في عصرنا بل قد تعني الجيل والأمة، فربما يكون القرن أطول لأن أعمار الناس آنذاك كانت طويلة جدا.

وفي حديث الشفاعة يوم القيامة، يذهب الناس إلى نوح ويقولون له {يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض} [أخرجه مسلم وهو حديث صحيح]، ويبدو من هذين الحديثين أن آدم وشيث وإدريس كانوا أنبياء، إلا أنهم لم يُكلفوا بالرسالة لأن الناس في العصور الأولى كانوا على الإيمان، فربما كانت الصحف (الكتب) التي أنزلت على الأنبياء الثلاثة الأوائل لا تتضمن رسالة إلى الناس بل مواعظ ونصائح ونبوءات، كما يُحتمل أن يكونوا رُسلا وأن يكون تأويل الحديث السابق هو أن نوح كان أول المرسلين إلى كافة أهل الأرض بعد أن مات معظمهم ولم يبق إلا قومه الناجون فكان رسولا إليهم وهم يمثلون كل البشرية.

جاء في حديث قدسي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه {وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا} [رواه مسلم وهو صحيح]. وهذا يفسر الآية التي وردت في سورة نوح بالقرآن الكريم، عندما شكى نوح قومه إلى الله، فقال من بين ما قاله عنهم {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا}، وقد شرح الصحابي عبد الله بن عباس هذه المصطلحات بقوله إنها “أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبدت” [رواه البخاري]، أي أن أول جيل بشري عبَد الأصنام هو قوم نوح، وأن ذلك لم يحدث إلا بعد تدخل إبليس، حيث دبر خطته بدهاء وصبر طال عدة أجيال، ففي الجيل الأول أقنعهم بصناعة التماثيل لتكون تذكارا للأموات الصالحين، ثم تطلب الأمر مرور عدة أجيال لينسى الناس سبب صناعتها، فقال إبليس للأحفاد إن أجدادهم صنعوا التماثيل ليعبدوها فتنزل عليهم المطر والرحمة فعبدوها، فأرسل الله إليهم رسوله نوح ليأمرهم بالعودة إلى الإيمان.

ويقول القرآن الكريم في سورة العنكبوت {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون}، أي أن دعوته لهم استمرت 950 سنة، حتى يئس منهم فاشتكى إلى ربه، وقد روى لنا القرآن في “سورة نوح” شكواه التي تؤكد أنه لم يترك سبيلا ممكنا لدعوتهم إلا سلكه، فلم يجد منهم سوى التكبر والسخرية والإصرار على الفساد والإفساد، وقالوا {يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا}، {وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن}، وعندها دعا نوح ربه بأن يهلكهم ويأت بقوم آخرين: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يُضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}، ويقال إن من رحمة الله أن أوقف نسلهم فلم تلد النساء أربعين سنة حتى لا يبقى بينهم طفل فيلحقه العذاب وهو غير مُكلَّف، ثم أمر الله نبيه نوح ببناء سفينة وأن ينتظر الإشارة التي تنبئه بموعد الطوفان، فحمل معه الذين آمنوا به وزوجين من كل الحيوانات التي كانت تعيش في المنطقة.

الموقع الذي يعتقد البعض أن سفينة نوح رست فيه
(wikimediaMfikretyilmaz)

تتفاوت الروايات الإسرائيلية عن عدد الذين كانوا معه والمدة التي قضوها في الماء بعد أن تفجرت الينابيع وانهال المطر حتى ملأ الماء اليابسة، لكن القرآن الكريم اكتفى بالقول إن السفينة رست بعد ذلك على جبل الجودي، بينما تقول الرواية اليهودية إنه جبل أرارات، والراجح أن أرارات هي سلسلة من الجبال وليست جبلا واحدا وأن الجودي جزء منها، وقد اكتُشف عام 1948 أثر يُرجح أنه للمكان الذي استقرت فيه السفينة على سفح الجودي، وكُشف في الحفريات عن بقايا المسامير المعدنية التي يعتقد أنها استُخدمت في بناء السفينة وعن ألواح خشبية متحجرة بما يتوافق مع الآية القرآنية {وحملناه على ذات ألواح ودُسر}، وبعد نحو أربعين سنة اكتُشفت في قرية مجاورة مرساة حجرية، ثم تتالى الكشف عن مراسٍ مماثلة على طول الطريق الذي يُعتقد أن السفينة قطعته، حيث يُفترض أنها كانت تعمل على تثبيت السفينة كي لا تقلبها الأمواج الضخمة، فقد ورد في الآية أنها كانت {تجري بهم في موج كالجبال}. ويجدر بالذكر أن اكتشاف هذه الآثار لا يعني بالضرورة أنها تعود فعلا إلى النبي نوح.

هناك من يفسر قصة الطوفان بأنها حدثت في أرض العراق ومحيطها ولم تشمل الكوكب كله، واستبعد أصحاب هذا الرأي أن تتسع السفينة لزوجين من كل الحيوانات والنباتات التي يبلغ عددها ملايين الأصناف والفصائل، مفترضين أن النبي نوح حمل ما كان يقدر على حمله من كائنات تعيش في منطقته لتستمر في التكاثر، وأن البشر على قلتهم كانوا محصورين في تلك المنطقة وحدها. لكن هناك من يرى أن الطوفان شمل الكوكب كله، ويستندون بذلك إلى تكرار قصته في تراث أمم بعيدة، مثل الصين والهند واليونان، وحتى لدى شعوب الدول الإسكندنافية في أقصى الشمال الأوروبي ولدى قبائل الأزتيك بأميركا اللاتينية. ويدافع اليهود والمسيحيون عن هذا الرأي بما يتوافق مع الكتاب المقدس، لكن وجود قصة الطوفان لدى الأمم البعيدة التي عاشت في قرون لاحقة قد يكون نتيجة ورودها على لسان أنبياء بُعثوا إليهم بعد نوح أو أنها انتقلت إليهم عبر أشخاص رحلوا إليهم، دون أن يكونوا قد عايشوا التجربة بالضرورة.

وقد وردت قصة الطوفان في لوح طيني يعود إلى الحضارة السومرية بمدينة نفر “نيبور” العراقية، كما وردت في ملحمة جلجامش الأسطورية التي اكتشفت ألواحها عام 1872 في العراق، وأعاد صياغتها أيضا الراهب البابلي بيروسوس في القرن الرابع قبل الميلاد. وتتشابه أحداث القصة في كل هذه الحكايات مع اختلافات بسيطة بما يتناسب مع السلطة التي كانت تحكم آنذاك.

علاوة على ما سبق، تؤكد الاكتشافات الجيولوجية أن طوفانا هائلا غمر مناطق واسعة في سورية والعراق وتركيا وإيران ومحيط البحر الأسود، لكن زمن حدوثه مازال محل جدل، ويُرجح أنه يعود إلى نحو 8000 آلاف سنة من الآن على أبعد تقدير.

 

ما بعد الطوفان
ليست هناك أدلة تاريخية محفوظة في المخطوطات أو الألواح الطينية تحكي ما حدث للبشر بعد الطوفان، إلا أن الروايات المحفوظة لدى الأديان السماوية اليوم تؤكد أن نوحًا كان بمثابة أبي البشر الثاني، فكل من جاء بعده كانوا من سلالات أبنائه، ونجد تأييدا لذلك في القرآن الكريم الذي قال {وجعلنا ذريته هم الباقين} [الصافات: 77]، وقد فسر ابن عباس هذه الآية بقوله “لم يبق إلا ذرية نوح”، وقال البعض إن السفينة كانت تقل أشخاصا آخرين ممن آمنوا بنوح إلا أنهم لم يتركوا ذرية من بعدهم، فكان الناس جميعا من أبناء نوح الثلاثة وهم سام أبو العرب (وبقية السلالات في ما يسمى بالشرق الأوسط، ويافث أبو الروم (السلالات الأوروبية اليوم)، وحام أبو الحبش (الشعوب الأفريقية)، ولا ندري إن كان الأبناء الثلاثة قد نزحوا إلى أصقاع الأرض وتوالدوا أم أن سلالاتهم هي التي هاجرت في مرحلة لاحقة.

لوح سومري يعود إلى عام 2350ق.م

يتفق معظم الباحثين اليوم على أن بلاد الرافدين (العراق) هي مهد الحضارات الأولى، فمع أن هناك تجمعات بشرية في مناطق عدة كانت مزامنة لها في جزيرة العرب وتركيا ومصر إلا أن التاريخ المدون يدل على أن أول مظاهر الانتقال من حياة القبائل إلى تشكيل المدن والدول الحضارية القوية كان في العراق، وأن الدولة السومرية كانت هي أولها ظهورا، ويقول الدكتور أحمد سوسة في كتابه “تاريخ حضارة وادي الرافدين” إن السومريين ذكروا في الألواح الطينية أنهم تركوا موطنا في أرض جبلية يمكن الوصول إليها بحراً وهاجروا إلى العراق، ويرجح مؤرخون أن يكون موطنهم الجبلي الأول هو أواسط آسيا (وراء البحر الأسود)، وهو ما يمكن أن يتقاطع مع القول بأنهم قبائل بدوية نزحت من موقع رسوّ سفينة نوح.

لكن ترجيح الرأي القائل بأن الحضارة بدأت بالعراق يستند أساسا إلى أن اختراع الكتابة التي دوّن بها التاريخ حدث هناك أولاً وفق ما تدل عليه الاكتشافات الأثرية، وهذا لا يمنع أن تكون هناك حضارات سابقة في أماكن أخرى.

يقول المؤرخ ابن خلدون في موسوعته “العِبر” إن قوم ثمود انتقلوا إلى جزيرة العرب من بابل لما زاحمهم فيها بنو حام فسكنوا البادية بجزيرة العرب، ثم تحضروا وحكمهم الملوك، وهما من أوائل الشعوب العربية.

وبحسب القرآن الكريم، بعث الله نبيه هود إلى قوم عاد بعد فترة غير محددة من الطوفان، ولم يحدد القرآن المكان الذي عاش فيه هذا القوم إلا أنه وصفه بكلمة “الأحقاف” أي منطقة الهضاب الرملية، كما أطلق عليه اسم “إرَم ذات العماد” أي التي تعلوها أعمدة المباني الضخمة، وهناك جدل واسع بشأن تحديد الموقع، ومازال الباحثون يقدمون اجتهادات مدعومة بحفريات وصور للأقمار الصناعية، مع التركيز على منطقة الربع الخالي ما بين عُمان واليمن والسعودية، وليست هناك نتائج مؤكدة، كما اجتهد بعض المؤرخين المسلمين لتحديد نسب النبي هود، فقال بعضهم إنه كان يسمى “عابر” وهو ابن حفيد سام بن نوح.

انحرف قوم عاد عن التوحيد كما فعل قوم نوح، حيث قال لهم نبيهم هود {واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة}، ويحكي القرآن الكريم في أكثر من موضع عما جرى من حوار بينهم وبين النبي هود، حيث كانوا معتدّين بقوتهم وحضارتهم، إذ تقول الآية في سورة فصلت {فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة، أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون}، فعوقبوا بالإبادة عندما هبّت على أرضهم ريح عاتية لعدة أيام كما تقول الآية {فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات}، {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما}

وبما أن أرض عاد غير مكتشفة بعد فليس هناك مصدر لتاريخ ذاك القوم سوى القرآن الكريم، وقد ذكر القرآن من بعد عاد قوم ثمود، وهم من أوائل القبائل العربية التي يعتقد أنها انحدرت من سام بن نوح وهاجرت مبكرا إلى الحِجر (مدائن صالح في منطقة تبوك بشمال السعودية حاليا)، وأسست إحدى أولى الحضارات البشرية، وتخبرنا النقوش الصخرية أن الأنباط حفروا تلك المنازل الضخمة في الصخر والتي مازالت باقية إلى اليوم، لكن هناك رسوما أقدم تؤكد أن المعينيين (سلالة ثمود) واللحيانيين سكنوها قبلهم، وأن المعينيين كانوا هم أول من سكنها قبل الميلاد بنحو 7 آلاف سنة.

مدائن صالح التي كانت موطن ثمود (Madain Saleh)

وبحسب القرآن الكريم، فإن ثمود الأوائل انحرفوا عن التوحيد كما فعل قوم نوح وعاد، فأرسل الله إليهم نبيا منهم اسمه صالح، إذ تقول الآية {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم} [الأعراف: 73]، لكن الأسياد تمردوا وتحدوه وطالبوه بمعجزة لتصديقه، فدعا صالح ربه فأخرج لهم ناقة حية من صخرة أمام أعينهم، وحذرهم من إيذائها، فذبحوها بعد فترة، فكان العقاب أن أبيدوا بالصيحة بينما نجى المؤمنون وهم قلة مع نبيهم بمغادرة المكان. وقد أكد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وقوع هذه الحادثة في مدينة الحِجر نفسها عندما مر بها مع صحابته أثناء غزوة تبوك.

يقول ابن الأثير في كتابه “الكامل في التاريخ” إن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يزعمون أنه لا ذكر لعاد وهود وثمود وصالح في التوراة، ويرد على ذلك بالقول “وأمرهم عند العرب في الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم الخليل عليه السلام”، أي أن قصصهم لم تدوّن إلا أنها بقيت محفوظة شفهيا بين شعوب الجزيرة العربية حتى نزل القرآن وأكدها.


 

أهم المراجع
ميرسيا إلياد، المقدس والعادي، ترجمة عادل العوا، دار التنوير للطباعة والنشر، 2009.

جون كيرتشر، كيف وُجدت الآلهة، ترجمة إبراهيم جركس، 1929، نسخة إلكترونية.

فراس سواح، الرحمن والشيطان، دار علاء الدين، دمشق، 2000.

فراس سواح، دين الإنسان، دار علاء الدين، دمشق، 1998.

فراس سواح، مغامرة العقل الأولى، دار علاء الدين، دمشق، 2002.

حبيب سعيد، أديان العالم، دار التأليف والنشر للكنيسة المرقسية، القاهرة، بدون تاريخ.

خزعل الماجدي، أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ، دار الشروق، عمّان، 1997.

خزعل الماجدي، كشف الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد، المركز الثقافي العربي، 2014.

خزعل الماجدي، أصول الناصورائية المندائية في آريدو وسومر، دار فضاءات، عمان، 2013.

لويس مينار، هرمس المثلث العظمة أو النبي إدريس: ترجمة كاملة للكتب الهرمسية مع دراسة عن أصل هذه الكتب، ترجمة عبد الهادي عباس، دار الحصاد، دمشق، 1998.

هدى درويش، نبي الله إدريس بين المصرية القديمة واليهودية والإسلام، دار السلام، القاهرة، 2009.

محمد الغرباوي، نوح عليه السلام بين أهل الكتاب وأهل الإسلام، نسخة إلكترونية، 2009.

ابن الأثير، الكامل في التاريخ، تحقيق عمر تدمري، دار الكتاب العربي، 1997.

كتب تفسير القرآن الكريم الكبرى، مثل تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير والبغوي.

موقع الباحثون المسلمون http://muslims-res.com/

الموقع الإلكتروني لمجموعة معابد “غوبكلي تيبي” http://gobeklitepe.info/

التعليقات

تعليقات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك رد