1

الإسلام في عيون مسيحية .. د. جوردن بيترسون مثالاً

في الشهور الأخيرة، قام طبيب النفس الكندي (جوردن بيتيرسون) بعدة نقاشات مع دعاة مسلمين ليتعرف على الإسلام بشكل أعمق وليصحح المفاهيم المغلوطة لديه. وعلى الرغم من أن لقاءه مع الداعية (محمد حجاب) كان يوحي بأن الرجل قد يُسلم عما قريب، إلا أنه في يوم 13/7/2022 أصدر كلمة للمسلمين عبر قناته على اليوتيوب، مما بَيّن شدة سوء فهمه لأصول للإسلام رغم كل لقاءاته، وهذه الإشكالات لا تختزل في سوء فهم فردي، بل إن تخبط الرجل يذكرنا بالفجوة الهائلة بين المسيحي المعاصر والإسلام. وأن وراء هذه الفجوة جذر عميق لماض طويل بين الديانتين.

تعريف الدين عند المسيحيين

لم يأت سيدنا عيسى بشريعة كاملة مثل الشريعة التي جاء بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الأساس، وإنما أتى لإحياء المعاني الربانيّة التي غفل بني إسرائيل عنها رغم أنها منصوص عليها في التوراة {وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]، وجاء بالإنجيل بكل ما فيه من سبل تزكية النفس وتعاليم أخلاقية، فقال تعالى: {وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} [المائدة: 46]

بعد تحريف المسيحية لتتحول الدعوة من المحلية إلى العالمية، وبعد فقد الكثير من النصوص الأصلية للإنجيل وتحريف الديانة، وبعد تفشي العالمانية في القرون الأخيرة، تحوّلت الدعوة المسيحية من دعوة تجديد وإحياء للدين إلى دعوة تختزل الدين في كونه رسالة روحانيّة فقط.

بناء عليه، يُعرّف المسيحي الدين على أنه السمو الروحاني والتعاليم الأخلاقية فحسب، أما التشريع، فهو متروك للقساوسة والكهنة ليكون لهم الحكم الثيوقراطي، ولا مرجعية دينية حتمية يتحاكم إليها كل الناس بالتساوي. حتى أن كلمة دين بالإنجليزية (Religion) أو بالفرنسية (la Religion) تعود إلى الجذر اللاتيني (Relego) بمعنى (قرأ مرة أخرى). فأصبح الدين بالنسبة لهم مجرد قراءة في أسفار الكتاب المقدس بشكل مكرر، ولا شريعة ولا تحليل وتحريم نابع من النص الديني..

أصل المشكلة

عندما يبحث المسيحي في الدين الإسلامي بالعقلية التي تختزل الدين في كونه رسالة روحية وتعاليم أخلاقية، يبدأ في مقارنة المسيحية بالإسلام رغم الفارق الهائل بينهما، وهنا أصل المشكلة..

فمهمة سيدنا عيسى عليه السلام كانت مهمة محلية روحية، ومهمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت مهمة عالمية روحية وتشريعية على حد سواء، وهنا نرى المسيحي يقصر النظر على الجانب التشريعي في الإسلام ولا يكاد يقبله، لأنه لا يقبل أي معالم دينية تخرج من الدائرة الشخصية لتؤثر في الواقع الخارجي..

من هنا تنطلق أغلب مقولات د. جوردن في كلمته، مثل “من المفترض على المسلمين أن يكفوا النظر إلى اليهود والنصارى على أنهم أعداء، وأن يشغلوا أوقاتهم بتنقية شرور أنفسهم، وذلك خير من النظر إلى الآخر على أنه عدو “

وعليه نقول، إن المسلم لا ينظر إلى اليهودي أو النصراني على أنه (عدو)، بل هو من (أهل الكتاب). والمسلم لا يتعامل مع أهل الكتاب على شاكلة واحدة، فأهل الكتاب ليسوا سواء، وظروف الحياة ليست سواء كذلك بين حرب وسلم. ولكن المسلم مطالب العدل والإحسان في حالة السلم، فالله يقول: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] وعندما فتح عمرو بن عاص مصر وهي تدين بالمسيحية قال في خطابه لأهل البلد: (هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم وملتهم وأموالهم وكنائسهم وصلبهم) [البداية والنهاية، ابن كثير]، فالأصل هو السلم والتعامل بالقسط، كما يقول تعالى: {وإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61]

في موضع آخر يقول بيترسون: “بدلا من هذه العداوة بين المسلمين وغيرهم، الأفضل للمسلمين أن يجعلوا من أنفسهم أمثلة رائعة من الإنتاجية والحكمة والأخلاقية حتى يتحول الناس إلى دينهم”

إن المعتقد النصراني المُحرف يبني أصول الدين على أحداث تاريخية غير قابلة للبرهنة والاستدلال مثل عقيدة الصلب والفداء. بناء عليه، لا يستطيع المسيحي أن يبشر بديانته إلا بعلو أخلاقيته وسمو حاله، ولكن الدعوة البرهانية عنده من المحال؛ وذلك على العكس من الإسلام الذي يقول في صوت عالٍ إنه الدين الحق بالدليل والبرهان، ويستفز المخالف ليخوض الجدال بنبرة تعجيز، ويفرض على المسلم جدال المخالف بالمنطق والحكمة {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]. وبناء عليه، ينظر المسيحي إلى كل محاولات الجدل مع المخالف والدعوة البرهانية على أنها (عدم تقبل للآخر) أو (عداوة) أو (ادعاء للفوقية). وما ذلك إلا لغياب مفهوم البرهنة في المسيحية وحصر الدين في كونه وراثة لا اعتقادًا منطقيًّا برهانيًّا.

ومن جملة الأوصاف التي أطلقها بيترسون قوله: “أنتم تشعرون دائما بالتهديد من الأفكار الشيطانية المدعومة بالإعلام دائما، سواء على المستوى العائلي أو الجنسي أو النفسي أو الإيماني. فماذا لا نكف عن الخوض في هذة التفاصيل ونواجه العدو الحقيقي، وهي شرور النفس”

وهذه بالتأكيد مستمدة من النظرة التقليدية للمسيحي الذي يرى الشريعة الإسلامية بكل ثوابتها من حلال وحرام مجرد تفصيليات. وذلك لأن الحكم الثيوقراطي المبني على اللامرجعية يجعل التحليل والتحريم شيئًا مطاطيًّا يتغير من زمان إلى زمان، ويخضع لسطان الحكم ومزاج العصر. أما الإسلام، فهو لا يُهمّش أصل الدين من أجل العصر وطبيعته، لأنه جاء ليغير العصر ويهيمن عليه لا ليقاد على حسب طبيعته وبيئته..

يبهرنا بيترسون مرة أخرى حين يتساءل: “هل هناك أحد بين المسلمين على نيّة لإنشاء منصة تجمع السنة والشيعة وتجمع المسلمين بغيرهم على نحو عام، حتى يعم السلام ويتصرف أتباع الإله على النحو المتوقع منهم؟”

هذا التصريح جعل الكثيرين يشككون في نيّة الرجل، وما إذا كان يعبر عن أفكاره الشخصية أم أنه مجرد وسيلة دعائية أخرى للديانة الإبراهيمية المراد لها أن تنتشر. وهو تصريح يرجعنا إلى نقطة غياب مفهوم (الاستدلال البرهاني على صحة الدين) في الثقافة المسيحية. وأنه لا فرق بين دين ودين، ولا حق ولا باطل، ولا إقامة حجة ولا عجز عن الرد. وهي مجرد صورة أخرى من مفهوم (نسبية الحقيقة) وغياب الحقيقة المطلقة. وهذا المعنى في حد ذاته يسفح مفهوم (الحقائق اليقينية) ويوقعنا جميعا في الشك والسفسطة، وتحويل الأديان من معتقدات شخصية إلى مجرد ميراثٍ شخصي عن الآباء، ولا فرق بين دين ودين. والغاية النهائية هي تحقيق السلام وتكوين الصداقات بين أهالي الملل المختلفة، لا البحث عن الحقيقة وإقامة الحجة على المخالف!

فمن يكفر بالطاغوت

إن المسيحي الذي يقترب من الإسلام على أنه نسخة معدلة من النصرانية لا يكاد يفقه قولا، لأنه أسير حكمه المسبق على الإسلام رغم شدة خطأ حكمه. فيتفهم المسيحي أصول العقيدة ودعوات تزكية النفس في الإسلام، ولكنه يقف أمام التشريعات ورؤية الإسلام الكونية ومهمة المسلمين لإنقاذ العالم من الضلال، ولا يكاد يتفهم كل ذلك.

إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا يمكن للمرء أن يكون حياديا ومنصفا لو حكم على شيء مسبقا قبل تصوره على ما هو عليه. ولا تصور صحيح للإسلام إلا إذا دخله المرء من باب العقيدة ورؤيته الشاملة للكون والحياة، ولذلك لا يكون الإيمان صحيحا إلا إذا تخلى الإنسان عن أفكاره الخاطئة وتصوراته الباطلة. ومن هنا تكن نصف شهادة التوحيد كفر بكل ما سوى عدا الله، كما في مفتتح كلمة التوحيد (لا إله..) ثم يأتي بعدها الإثبات والإيمان بالله بعد خلو العقل من الخرافات بكلمة (إلا الله)، ومن هنا يكون الكفر بالطاغوت سابقًا على الإيمان النقي الصحيح {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256]