1

الإنسان بين ضرورة التأصيل وغلبة العولمة

إن أَولى ما يُنفِق فيه الإنسان أوقاته، وأحرى ما يسكب فيه أنفاسه، وخير ما يحرص عليه، ويسعى بكليته إليه، التأصيلُ العلمي، فالتأصيل العلمي من أعظم الطرق الموصلة إلى بناء عِلمي مُحكَم ورصين، التي من خلالها يستطيع المتعلِّم قضاء نهمته، وبلوغ مُنيته، بأيسر الطُّرق وأسهلها، وأقربها وأحسنها.

إن المتأمِّل في عالمنا المعاصر ليرى -دون عناء- ما يَعِجُّ به الوسطُ العلمي من التحير والخلط، والتشتت والتخبّط، وطغيان الأفكار الجانبية التي تطفو أيامًا ثم تخبو لتطفو مكانها أفكار أخرى، فيما يمكن تسميته بأنه “ثقافة الترند” أو الأفكار المعولَمة، لا سيما مع التدفق المشاهد للثقافات، والتعدد لمنابع التلقي؛ حيث تباينت الاتجاهات، واختلفت الأفكار والتصورات، وتعددت الرُّؤَى.

عولمة الأفكار

يشير الشيخ محمود شاكر، في كتابه الفريد رسالة في الطريق إلى ثقافتنا إلى سعي الغرب لفرض ثقافته وأنماط حياته، فيقول: “باطل كل البطلان أن يكون في هذه الدنيا على ما هي عليه “ثقافة” يمكن أن تكون “ثقافة عالمية” أي ثقافة واحدة يشترك فيها البشر جميعًا ويمتزجون على اختلاف لغاتهم ومللهم ونحلهم وأجناسهم وأوطانهم، فهذا تدليس كبير، وإنما يراد بشيوع هذه المقولة بين الناس والأمم هدف آخر يتعلّق بفرض سيطرة آمة غالبة على أمم مغلوبة لتبقى تبعًا لها”

وهذا النص يشير إلى أن مواجهة تعميم الثقافة الغالبة كان هاجسًا لدى العلماء الصادقين، لكن ترندات الثقافة تتغير يومًا بعد يوم، فهي في أيامهم تتركز على موضوعات معينة، أما الآن فهي تتمثل في موضوعات مختلفة كالحديث المستمر عن التحفيز والإيجابية وعن البعد عن المحبطين والمثبطين، والمغالاة في التركيز على الجوانب السلوكية والمعرفية والفكرية للفرد ليكون أكثر إيجابية ونجاحًا،  وهم في الحقيقة انما يتبعون في الغالب ثقافة الترند.

ولفهم ثقافة الترند يجب التطرق لثلاثة جوانب، بدءًا من الجانب الفكري الفلسفي، والجانب الاجتماعي السياسي، والجانب الفردي.

تأثير الأفكار

إن النتاج الفكري السائد اليوم ما هو إلا نتاج تغريب فكري طويل ورحلة فلسفية ونظرية حبكت عبر السنين الفائتة، ومعلوم أن عصر النهضة الأوروبية كان عصر بداية الفصل بين الروح والمادة والقطيعة مع الدين والإله ومنها بدأت أفكار نعيش معها إلى اليوم، كالعلمانية والأنسنة والفردانية.

وبعد ذاك العصر بقرنين تقريبًا جاء عصر التنوير وهنا أيضًا جاء بأفكار أبرزها العلوم التجريبية والتي كان يطلق عليها natural philosophy  ولكن فيما بعد سميت بscience   واختزلت في  العلوم التجريبية -وهذا إلى اليوم- فكلمة science   إنما يعنى بها العلوم التجريبية  أو ما خضع للتجربة  فهو علم وما لم يخضع للتجربة فليس علمًا،  فمثلا لو قلت إن جدي اسمه علي وإني متأكد أنه حقيقة عبر الخبر الصادق فهذا لا يسمى علمًا لدى من يؤمن فقط بـ  science

إن نسبة كبيرة مما يدفع المجتمعات تجاه تصرفات معينة يعود إلى الأفكار التي تطبعوا عليها، سواء شعروا بذلك أم لا، فالاشتراكية جاءت نقيضًا للرأسمالية، التي ما تزال مهيمنة، وما زالت هناك دول تحكم بنظام رأسمالي وأخرى تدعي أنها شيوعية، وقد تجد أن فكرة في فن واحد تعمم على سائر العلوم، فالدارونية هي نظرية خاصة بنشوء المخلوقات لكنها أفرزت الدارونية الاجتماعية على سبيل المثال،  وغير ذلك الكثير،  فالأفكار الغربية يجب ألا تهمل  وإن كان هذا عبئًا إلا أنه ضرورة في زمن مثل هذا، لأن القوي يفرض على غيره طريقة التفكير وفي ماذا يفكر وفي ماذا يجب ألا يفكر.

على سبيل المثال قد نجد أحد الملحدين يدعو الناس للقول إنه لا يوجد حرية إرادة ولا يوجد شيء يختاره الإنسان بمحض إرادته، ورغم تهافت هذا القول إلا أننا نجد صاحب هذه المقولة صاحب كتب تباع بالملايين في أوروبا وغيرها من الأماكن في العالم، وهذا جيد لنا لأنه يدعمنا في التأكد من انزياح هذا السراب الأوروبي من الأفق.

إن إحدى شواهد انهيار التناقض في منظوره أنه رأى نفسه إلها يوما ما، ومع الزمن بدأ يخفف من غلوائه أن أصبح حيوانًا ومن ثم آلة لها جانب سلبي وآخر إيجابي تمامًا مثل أي محبس تجد عليه علامتين + و-

الجانب الاجتماعي السياسي للترند

تقوم إحدى نظريات العلوم الإنسانية على أساس أن الإنسان نتاج لتشكلات اجتماعية تظهر ضمن اللغة والثقافة والدين والعادات، فهو إذًا يتبع النموذج أو code    المحدد الذي وجد عليه ونشأ فيه، ويؤثر في هذا السائد القرار السياسي والاجتماعي عبر المؤسسات التابعة إما للسياسي أو للتجاري.

إن خطورة هذه النظرة ليست لكونها تفسر الواقع من منظور معين، بل لأنها تعطيه بعدًا فلسفيا مستندًا على النسبية الأخلاقية Ethical relativism. أي أن أي خُلق يعتمد على مكان النشأة وكيفيتها وليس له علاقة بأي بعد آخر، وهنا تكمن الخطورة، فإذا سلمنا بذلك اعتبرنا أن كل ما يطلق عليه أنه خُلق مثل العدل والصدق، هو أمر نسبي، فإنه لا يكون ذا قيمة في ذاته وإنما تبعًا للسائد في المجتمع أو الثقافة التي نشأ فيها الفرد فتكون القيمة نفسها نفعية.

وهذا السائد ليس بريئًا جاء من تلقاء نفسه بل ثمة أيدٍ تتحكم به وفيه، وإذا كانت القوة تستطيع أن تغير المعرفة لدى الناس فهي أيضا تستطيع أن تخلق معرفة أو مسلمات سائدة بين الناس يصعب فكها إذا  لم تأخذ بعض الوقت للتدبر والتفكر فيما يحدث.

إن العالم الغربي اليوم لا يريد إعادة الإنسان إلى إنسانيته، بل إنه يريد تحويله إلى إنسان الآلة والبهيمة، وحتى الخطاب الموجه إلى نفسه مبنيٌّ على هذا التوجه ذاته.

إن العجيب كل العجب أن أصداء مفردة الإنسانية والشغف، والبحث عن الحقيقة وغيرها، ما كانت موجوده بهذه الكثرة في مجتمعات الشباب العرب قبل خمسة عشر سنة تقريبًا، فلماذا ظهرت الآن بهذه الكثافة؟

إن كل ما يحدث يجري تحت ضغط الثقافة العالمية الغالبة، أي الثقافة الليبرالية الأوروبية، وهي بتسللها إلى كل إنسان عبر وسائل التواصل الاجتماعية تجعله -إن لم يكن فطنًا لما يحدث حوله- يفكر بعقل الأوروبي ويرى العالم حوله بعيون خضراء أو زرقاء  أي عيون الأسياد المتحكمين بالعالم.

فردانية بلا أفراد

إن النزعة الفردانية إنما هي منتج أوروبي بامتياز ،  وهي أساس  الليبرالية ولبها وجوهرها  الذي تدور حوله وتتعبد  لأصنامه،  يقول  علي الأمين مزروعي رحمه الله: “إن الولايات المتحدة الأميركية هي أقرب ظاهرة إلى ما قد نسميه الأمه العالمية فهي تضم ضمن مكونها الاجتماعي ليس فقط من كل بلد ولكن من كل لغة ومن كل عرق وكل قبيلة تقريبًا، ولا يوجد بلد في تاريخ البشرية كان أكثر تمثيلًا للجنس البشري أكثر من أمريكا ، ولكن هذا البلد الذي يعتبر ملاذًا للكثيرين في العالم ليس مضيافًا عندما يتعلق الأمر بالثقافة، فأمريكا تستقبل الناس ومن ثم في جيلين تقتل ثقافتهم، ولحسن الحظ فهذا القتل ليس سياسة متعمدة من أمريكا ولكنة نتيجة للديناميكية المجتمعية في أمريكا”

فهل هذا القتل للثقافات الأخرى تجاوز الحدود الجغرافية لأمريكا؟

في إحدى الفصول التي حضرتها في الجامعة تحدثت طالبة أمريكية عن الفكر الغربي وكان مما قالت “نحن الغربيون وصلنا إلى حد كبير من الفكر والحضارة وكانت غايتنا أن نصنع لكل فرد عالمًا خاصًّا به، يتمتع فيه بالخصوصية الكاملة، ولكن ما إن وصلنا إلى ما كنا نصبو إليه حتى شعرنا بوحدة عجيبة وشعور بالحزن لا يمكن أن يوصف، ومع هذا لا يوجد من نستطيع البوح له بصدق عما يقلقنا”

إن الفرداني المقلد المتبع للأسياد يمشي في خطاهم ولو كانوا على خطأ؛ لأنه لم يستطع بعد أن يرى العالم بعيونه وأن يسمعه بآذانه ويعقله بعقله، ويكون حقًا باحثًا عن الحق.