1

إله الخوارزميات المزيّف

في تقرير مُصوَّر أعدته قناة BBC عن اقتحام الذكاء الاصطناعي دور العبادة، طُرِح تساؤل عن إمكانية استبدال رجال الدين بالروبوتات الذكية. واستعرض التقرير أمثلة على روبوتات في معبد بوذي وكنيسة وحتى برنامج حاخام إلكتروني. تخزن الروبوتات ذاكرة عن الدين المعنيّ قادرة على تغطية الألفي سنة الماضية وتقوم بإجابة تساؤلات العباد عن الحياة والإيمان وإعطاء مواعظ دينية. وبين مشجِّع ورافض للفكرة من مرتادي دور العبادة، أنكر رجال الدين في مقابلات متفرقة قدرة الروبوتات على ممارسة دورهم واجتمعوا على أن العلة تكمن في فراغ الروبوت روحيًّا. بينما استشهد التقرير باستخدام المتدينون التطبيقات الذكية، فالمسلمون على وجه الخصوص يحتفظون ببرامج تحديد القبلة، وحساب الزكاة، والقرآن الإلكتروني، وغيرها. واستدلوا بها على قابلية المتدينين للاسترشاد بتوجيهات الآلة بعدما يتم برمجتها. فأين المانع الحقيقي إذا وهل سيرى المستقبل دخول الذكاء الاصطناعي عالم الروحانيات أيضًا ليتوسط بين العباد وربهم؟

ماذا لو؟

من البديهيِّ أن يرفض رجال الدين فكرة إحلال آلة مكانهم شأنهم شأن الجميع في الكثير من القطاعات الصناعية، والإنشائية، والصحية، وغيرها. على اعتبار أن المناصب الدينية أصبحت مهنة عند الكثيرين يقتاتون منها عيشهم إلا من رحم ربي.

إن الطبيعة البشرية التي تحكمها العواطف مثل الخوف بشكل أساسي، لا تستطيع تحكيم عقلها بشكل جيد عند التعرض لمخاطر مبهمة غير واضحة المعالم، خاصة إن كانت في علم الغيب. ولذلك فإنه من السهل على الكثيرين رفض احتمالية وقوع حدث جلل خارج قدرتهم في السيطرة على تصور الأسباب المؤدية لحدوثه وتحليلها، على عكس الآلة، التي تعالج المعطيات المتوفرة وتؤدي العمل دون قلق، حتى لو كانت النتيجة عطبها وتحطيمها. ولدى توافر المستجدات فإنها تقوم بإعادة الحسابات تلقائيا بما ينتظم مع أهداف برمجتها. وسواء شاء البعض أم لم يشأ، فإن الذكاء الاصطناعي قد أصبح حقيقة واضحة أكبر من ذي قبل في مشابهة أفلام الخيال العلمي. لكن ماذا لو بُرمجت الآلة على المحافظة على برمجتها ووجودها، وأصبح الإنسان مجرد كومة من البيانات التي يمكن معالجتها وحساب مواطن ضعفها ونزواتها ومن ثم توجيهها لتنفيذ إرشادات الآلة بهدف تشغيلها وبقاء طاقتها؟

لو كان هذا السؤال قد طرح جديا في تسعينات القرن الماضي حين تغلب برنامج حاسوب لأول مرة على إنسان في لعبة استراتيجية، لاستخف الكثيرون بهذه الفكرة. البرنامج الذي طورته شركة IBM في ذلك الحين للعبة الشطرنج بقدرة حسابية تبلغ ٢٠٠ مليون نقلة في الثانية وأطلق عليه اسم Deep Blue، تمكنوا بواسطته من هزيمة جاري كاسباروف وهو سيد اللعبة وقتها بلا منازع. الفرق شاسع جدا عند المقارنة بتفاصيل الحياة فهي أعقد بكثير من مجرد لعبة الشطرنج ذات القوانين البسيطة ورقعة محدودة تحلل عليها استراتيجية خصمك ونمط تحركاته ومن ثم تدفعه للاستسلام. لكن اليوم يتنبأ الباحثون مثل ري كيرزويل (مدير القسم الهندسي في جوجل) بظهور الحاسوب خارق الذكاء (يفوق ذكاء الإنسان بمراحل) بحلول عام ٢٠٤٥.

عندما نقول ذكاء؛ فإن ذلك لا ينحصر طبعا ذلك في سعة المعلومات وسرعة معالجتها للبيانات الضخمة، بل في إتقان خوارزمية مشابهة لطريقة تفكير الإنسان تمكنه من التخطيط المستقبلي، تطوير برمجته ذاتيا ووضع الأهداف والتطلع لتحقيقها. هو أمر أبدى ستيفن هوكينج عالم الفيزياء النظرية الشهير خوفه منه واعتبره خطيرا في مقابلة مع الكوميدي جون أوليفر والذي قام بالاستهزاء من هذا التخوف بقوله إنه سيحارب الروبوت بسهولة عبر فصل قابس الكهرباء، فرد عليه هوكيز بقصة خيالية تقول إن العلماء صنعوا آلة خارقة الذكاء، وأول ما سألوها كان عما إذا كان هناك إله؟ فقالت الآلة (قد وجد الآن!) ثم ضربت صاعقةٌ قابسَ الكهرباء وحالت دون فتحه.

الآلة والوعي الجاف!

إننا نتكلم عن تفرد التكنولوجيا Singularity بعد مرحلة فردانية الإنسان. الحقبة الجديدة التي ستضرب غرور الإنسان في نفسه وتحجمه أمام القدرات الهائلة للآلة. تلك المرحلة التي سيتشكل فيها وعي جاف للآلة تتفاعل من خلاله مع الحياة من حولها دون روح أو ملاذ عاطفي، تنظر للمخلوقات الكربونية كمواد فانية لا قيمة لها.

إن الإنسان بغروره ما زال يظن أنه السيد المنتفع من تطور التكنولوجيا والمسيطر عليها. فأصبح يعتمد عليها اعتمادا كليا في نواحي الحياة اليومية المختلفة. ولا ينفك يقول هل من مزيد من الراحة والرفاهية والتسلية في حياته القصيرة، محملا الآلة كل شيء وداعيا لتطويرها في أي شيء. لدرجة أن تقنية Deep Fake لتزييف الوجوه بواسطة الذكاء الاصطناعي قد وجدت من يستخدمها ويبرر لها ويعمل على تحسين تزييفها. فانتشرت مثل العدوى تهدد مصداقية الناس وتشوه سمعتهم، لا لشيء سوى أن العابثين قد أصبحوا كثر دون مبادئ أو مروءة.

 ومن يعلم قدرة الآلات مستقبلا والتخلف الأخلاقي التي تعانيه البشرية، سيسعى للاستحواذ على تصنيعها وتقديمها على ادعاء أنها ستفيد البشرية. كيف لا وهي صناعة يتضخّم نموها بسرعة هائلة وتقدر قيمتها المضاعفة في السنوات القليلة القادمة بمئات مليارات الدولارات. فلا غرابة إن كان إيلون ماسك (مؤسس تسلا وسبيس إكس) يحذر من التطور الرهيب للذكاء الاصطناعي وهو بنفسه يقود تطويره في شركة OpenAI منافسا الشركة التي تملكتها جوجل DeepMind والتي كان هو أيضا مستثمرا بها. إنه حب الشهرة وجمع المال حتى ولو على حساب حياة الناس.

من يستطيع السيطرة على الذكاء الاصطناعي وشبكة تبادل البيانات الضخمة مستقبلا، سيستطيع السيطرة على حياة البشر بكل بساطة.

إنه صراع محموم ومحفوف بمخاطرة كبيرة قد تخضع البشر لعبودية من نوع آخر، يحتاج بها المعبود لعون العابد في الوجود. لن تفكر الأجيال القادمة بأنها أكثر ذكاء وقوة من الآلة، سترضخ لها ولمن يسيطر عليها إن استطاع أحدهم ذلك. لا سبيل للمقاومة، فالكل مراقب منذ الصغر وجميع تصرفاتهم يمكن التنبؤ بها والتصدي لها بقدرة الآلة على تحليل البيانات الضخمة وتعلم أنسب الطرق لفرض سيطرتها. وسيواجه الإيمان تحديات كثيرة عندما يتغير مفهوم الآلة الذكية وتتغير نظرة الإنسان لها.

حينها لن تنفع المواعظ المسجلة ولا الإرشادات الدعوية في الإجابة على سؤال من مثل كيف جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض والآلة أذكى وأقوى منه؟ إن البشرية اليوم تساهم في صنع صنم ضخم كبير لكنه ليس مصمتا أو أجوف.

إن الواجب على كل فرد تسديد علمه وعمله لما يخدم البشرية والأرض يقينا دون تهديد لإنسانيتنا ودون مواربة تحت مسميات الرفاهية والراحة والتسلية. ألم يقل الله تعالى {لقد خلقنا الإنسان في كبد} [البلد: 4]؟ فمتى يكتفي الإنسان بقدر بسيط من الدنيا دون أن يفتتن بتعقيدات التكنولوجيا؟ وما هو الحد الفاصل بين التيسير والتثبيط؟ متى نعي أن استمرار التدليل يهدف للتذليل؟ إننا بحاجة ماسة لنبذ الفردانية والتجمع الفوري على مقتضيات الإيمان بالله والتوحيد، فالسنوات المقبلة تفوق في خداعها كل ما عهدناه.