1

أمسكْ عليك لسانك

إن الأمور التي تثير عجب الإنسان في هذه الدنيا كثيرة، ولكن أعجب العجب هو كيف لقطعة لحم صغيرة لا يتجاوز طولها بضع سنتمترات قليلة، تتحرك حركاتٍ محدودة، قد تفرق بين المرء وزوجه، وتطرد مُعيلاً من عمله، وتفسد على الإخوة علاقتهما، وعلى الأصدقاء ودّهم، ولا تقتصر في خطورتها على ذلك، بل تتعداها إلى أن تكسر خاطراً وتدمر مستقبلاً.

هذه النتائج الكارثية كلها لم تكن بسبب سلاح نووي قد انفجر، أو كيماوي قد انتشر، بل بفعل لسان لم يكن في قلب صاحبه رادعٌ يمنعه من أن يخوض فيما لا علاقة له به، ولا طائل له من ورائه.

مخاطر اللسان
رغم أن اللسان لا يملك قدرات اليد والرجل في البطش، إلا أن جزءًا عظيمًا من كبائر الذنوب مرتبط به، بدءاً من الكذب الذي يخدع به الإنسان غيره بعد أن كان مصدقا له واثقاً به، فيضلله ويبعده عن الصواب، وقد يؤدي ذلك لأن يفقد الذي كُذب عليه الثقة في جميع من حوله.

وكذلك من كوارث اللسان شهادة الزور، تلك الشهادة التي تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، وتجعل أناساً ينامون باكين، وقد ظُلموا ونزعت حقوقهم من بين أيديهم، وآخرين ينامون وقد أكلوا حقاً سيوردهم المهالك يوم القيامة.

وإليك كارثة أخرى، وهي الغيبة التي يمحو بها المغتاب صوراً جميلة منطبعة في قلوبنا لأناس لم نتعامل معهم، ذاكراً لنا نقائصهم وعثراتهم، وقد طُبِعنا جميعاً على النقائص والعيوب، فإن فشت الغيبة بيننا فلن يصافح أحد أحداً، إذ يصبح حينها في قلب كل واحد منا شيء على صاحبه، وما وقر في القلب يصعب محوه.

أمسك اللسان عن الغيبة

كلّ ذلك ولم نذكر هادمة العلاقات وممزقة الروابط، التي ما إن تقع في قلوبنا حتى تقلب صفاءها كدراً، وتصيّر نقاءها قذراً، ألا وهي النميمة التي تنثر البغض والكره في المجتمع نثراً، فلا تقتصر على أفراد هنا وهناك بل تتعداهم إلى الأسرة ولا تقف عندها بل تتوسع وتتغلغل في المجتمع ملقيةً بظلالها عليه، إذ لا يسمع اللسان كلمةً قد قالها أخ عن أخيه ساعة حزن أو غضب أو مزاح حتى يوصلها ذاك النمّام، مُوقِعاً خلافاً بل وربما قطيعةً بين أخوين أو صاحبين، ما كان لها أن تحدث لو أنه سمع تلك الكلمة فوقفت عنده.

وأقول يسمع اللسان لا الأذن لأصف لكم حال ذاك النمام الذي لا يكاد يسمع الكلمة حتى يجريها على لسانه فكأنه إنما سمعها بلسانه لا بأذنه! وقد جاء هذا التعبير في القرآن الكريم عندما قال الله عز وجل: {إذ تلقونه بألسنتكم} مبيناً حال المنافقين الذين ما إن سمعوا طعناً بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها زوجة الرسول عليه الصلاة والسلام حتى نشروا ذاك الخبر في كل مجلس.

ونبدأ من حيث انتهينا، فذلك الفعل الوضيع الذي من شأنه أن يشوه سمعة تلك الفتاة الطاهرة العفيفة، ويجعلها باكيةً ليلها ونهارها لا يجف لها دمع ولا يهدأ لها بال، كل ذلك بسبب مريض حاقد قد أخذ على عاتقه ألا يوفر مجلساً إلا ويقعد فيه طاعناً بتلك الفتاة، فذلك هو قذف المحصنات، والذي لا يحزن ويضر تلك الشريفة وحدها بل يصيب أبويها وأخوتها بهمٍّ وغمٍّ لا يعلم بقدرهما إلا الله، وإن كانت قد تعرضت أم المؤمنين لهذه المحنة أياماً وليالٍ فعانت خلالها ما عانت، فنزل الوحي معلناً براءتها قاطعاً ألسنة الذين طعنوا بها، فمن يبرئ اليوم فتياتٍ طاهراتٍ قد وقع ذئاب في أعراضهن وقد ولى زمن الوحي وانقطع.

تظاهر اللسان بغير واقع الحال
إليك حالةً قد كثرت وانتشرت في يومنا هذا، ألا وهي ذاك الذي لا يعرف شروط الصلاة من أركانها، ولا يحفظ من القرآن إلا السور القصار القلائل، ويمر على السور الطوال فلا يفهم منها إلا القليل النادر، فيجهل من الدين أكثر مما يعلم، ومع ذلك فيريد هذا الناشئ أن يعطي رأيه في هذا العالِم وأن يبين للناس مدى نفاقه! وأن يفسر هذا الحديث على هواه وتلك الآية وفق “بصيرته”! وأن يأخذ بهذا الحديث ويضرب بذاك الحديث عرض الحائط، وأن يأخذ طرفاً من هذا الدين ويلقي بطرف آخر، ولو أنه كف لسانه، وجلس فتعلم قبل أن يتكلم، وأنصت قبل أن يعظ، وفقه قبل أن يهذي بما لا يعقل، لكان خيراً له من أن يسلك طريقاً آخره جهنم إن لم يدركهٍ الله برحمته.

قد نعيش عمراً طويلاً، يصل إلى الثمانين أو التسعين عاماً، فننسى ما يشاء الله لنا أن ننسى، إذ تضيق مساحة التذكر وتتسع مساحة النسيان، ومع ذلك فإنه ثمة كلمة قد قالها غريب وعبر، لكنها ما تزال محفورةً في ذاكرتنا لا تغادرها إلا حين نصبح تحت الثرى، وقد تكون كلمةً لطيفةً قد أنعشت بنا آمالاً وأحلاماً وقتها أو تكون كلمةً قبيحةً قد فتحت في قلوبنا جراحاً وأماتت بنا أحلاماً، وقد نكون سامحناه عليها إلا أنها لم تشأ الفكاك عن عقولنا.

ذلك أثر الكلمة على الإنسان، الكلمة التي لا يتطلّب النطق بها من الوقت إلا بضع ثوانٍ، فتخرج صوتاً ما إن يسمعه أحدهم حتى تحييه أو تميته، فإن أحيت أحداً فهنيئاً له ذاك المعروف، وإن أماتت أحداً، فسوف يلقى قائلها الله، وعند ملك الملوك تجتمع الخصوم، ولكان خيراً له حينها أن يكون أبكماً لا يقدر على النطق من أن يؤذي غيره أذىً لا شفاء منه، ولكان أجدر به وبكل من وقعوا في ذنوب اللسان لو سمعوا نصيحة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام التي ليست بطول الجرائد والمعلقات بل لا تتجاوز ثلاث كلمات ألا وهي: “…أمسِك عليك لسانك” [أخرجه الترمذي في السنن]